حرية الرأي... مدخل التغيير
لطالما ارتبطت أزمة الحقوق والحريات بالصراع على السلطة والسعي إلى الاحتفاظ بها. فعندما تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، تصبح الحقوق في نظر بعض الأنظمة عقبة ينبغي تجاوزها أو تقييدها، وتأتي حرية الرأي والتعبير في مقدمة هذه الحقوق، باعتبارها المجال الذي يتيح للإنسان التعبير عن رأيه ومساءلة الواقع وكشف أوجه القصور والخلل.
ولهذا غالباً ما تنظر الأنظمة الاستبدادية إلى حرية الرأي والتعبير بوصفها تهديداً مباشراً لاستمرارها، فتسعى إلى تطويقها أو احتوائها أو إعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها. وقد تسمح أحياناً بمساحات محدودة من التعبير، لكنها تظل مساحات خاضعة للرقابة أو التوجيه، بحيث لا تتجاوز الحدود التي ترسمها السلطة لنفسها.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري يتكرر مع كل حديث عن التغيير السياسي: كيف يمكن إنجاز التغيير في ظل حالة انعدام الثقة المتراكمة بين المجتمع والسلطة؟
إن الإجابة لا تكمن في مزيد من القيود، بل في مزيد من الحرية. فالمجتمعات لا تبني ثقتها بالمستقبل إلا عندما تدرك أن الحرية حق أصيل وليست منحة مؤقتة، وأن الانفتاح السياسي ليس تكتيكاً عابراً يعقبه ارتداد إلى القمع والاستبداد. كما أن ترسيخ الحرية يتطلب وعياً أخلاقياً وثقافياً يناهض كل مظاهر التسلط، ويجعل من الكلمة الحرة والقلم المسؤول حصناً للدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه.
والحرية ليست مجرد شعار سياسي أو وسيلة للتنفيس عن الاحتقان الاجتماعي، بل هي شرط أساسي لحسن اتخاذ القرار، ومصدر من مصادر الإبداع والتجديد، وبيئة لازمة لنمو القيم المدنية والأخلاقية. فكلما اتسعت مساحة التعبير الحر، ازدادت قدرة المجتمع على تصحيح أخطائه ومراجعة مساراته واكتشاف الحلول لمشكلاته.
وتحظى حرية الرأي والتعبير بمكانة خاصة بين مختلف الحقوق والحريات؛ لأنها تمثل البوابة التي تُمكّن الأفراد من الدفاع عن بقية حقوقهم. فالمواطن الذي لا يستطيع التعبير عن رأيه بحرية، يعجز في الغالب عن المطالبة بحقوقه الأخرى أو المشاركة الفاعلة في الشأن العام. ولهذا فإن حماية حرية الرأي والتعبير ليست قضية تخص المثقفين أو الإعلاميين وحدهم، بل هي قضية مجتمع بأكمله.
ومن المؤسف أن الحديث عن الحرية في كثير من الأحيان لا يزال أسير العموميات والشعارات. فالحاجة اليوم ليست إلى تكرار الخطابات التقليدية، وإنما إلى تقديم فهم أعمق لوظائف الحرية في حياة الأفراد والمجتمعات، وبيان أثرها في تعزيز الاستقرار والتنمية والمشاركة العامة، وفي المقابل توضيح ما يترتب على غيابها من ركود فكري وتراجع مؤسسي وانتشار للخوف والعزوف عن المبادرة والإبداع.
إن المجتمعات التي تفقد حرية التعبير لا تخسر حقاً سياسياً فحسب، بل تخسر كذلك إحدى أهم آليات التصحيح الذاتي والتطور السلمي. وعندما يحل القهر محل الحوار، وتُقيد الكلمة الحرة، تتراجع فرص التغيير وتتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع.
لذلك فإن ترسيخ ثقافة الحرية يبدأ من بناء قناعة عامة بأهميتها، لا من الاكتفاء بالنصوص الدستورية والقانونية وحدها. فالقوانين توفر الحماية، لكن الضمان الحقيقي لاستمرار الحرية يكمن في إيمان المجتمع بقيمتها ووعيه بدورها في حماية الإنسان وصون كرامته وتعزيز تقدمه.
إن حرية الرأي ليست مطلباً ثانوياً ولا قضية نخبوية، بل هي الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات الحية، والشرط الأول لأي مشروع تغيير جاد يسعى إلى بناء دولة تقوم على المساءلة وسيادة القانون، ومجتمع قادر على النهوض ومواجهة تحديات المستقبل.
