هل نمتلك القدرة الكافية لقراءة الأحداث السياسية في المنطقة بما يخدم مشروعًا عربيًا واحدًا ومستقلًا؟
نستطيع كعرب الاستفادة من المتغيرات الدولية والإقليمية التي نعيشها اليوم أكثر من أي وقت مضى، في خضم سجالات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، والنجاحات التي تحققت في مجال إنهاء فاعلية التفوق الكمي والتقني الذي تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية في المجال العسكري، مقابل المعدات والأجهزة العسكرية الإيرانية الأقل تقنية، والأرخص قيمة، في مواجهة وإحباط التفوق التكنولوجي الكبير للأولى، لا سيما مع وجود عامل الجغرافيا كبعد دفاعي هائل لا يمكن تجاهله. وذلك في خضم القراءة الموضوعية للأحداث السياسية الدائرة في منطقة الخليج العربي، التي لا زالت تراوح مكانها رغم الفوارق الكبيرة في ميزان القوة والتكنولوجيا بين إيران، والولايات المتحدة الأمريكية، لصالح الأخيرة. لكن الاستغلال الأمثل للإمكانيات المتاحة الذي أبدته إيران في الحرب، واتباعهم أساليب وتكتيكًا أكثر جرأة، قاد إلى كسر مفهوم القوة والعتاد لصالح اعتبارات الكلفة التي أخذت تتضاعف كل يوم لدى الولايات المتحدة الأمريكية، التي وجدت نفسها في مستنقع الاستنزاف.
والسؤال: هل العرب قادرون على استغلال الظروف السياسية المتعلقة بطبيعة الصراع في المنطقة والبناء عليها، والعمل على إظهار استقلال أكبر في إدارة الذات، والاعتماد عليها في إدارة الأمن وحفظ الاستقرار، بعيدًا عن الأجندات الأمريكية التي أثبتت الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج العربي منذ 28 فبراير عام 2026م عدم جدوى الارتهان الأمني والركون إلى وجود عدد من القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، التي من المفترض أنها وجدت بالدرجة الأساسية لحماية دول الخليج، لا إسرائيل، وبأموال عربية خليجية؟ ولم تثبت الأحداث السياسية في المنطقة عكس هذا الادعاء. وما يدعو للاستغراب أكثر أن الهدف الأساسي والمعلن من وجود القواعد الأمريكية في المنطقة، هو الدفاع والحماية من أي اعتداء خارجي عن هذه الدول العربية الصغيرة، ومع ذلك لم تحقق الهدف والشروط الأساسية لوجودها تحت هذا المسمى، على الرغم من صرف مليارات الدولارات على هذا الوجود. وكان أبلغ مثال على الفشل الاعتداء الإسرائيلي على قطر، ثم تلاه الضربات الإيرانية. وفي النهاية وجدت الدول الخليجية نفسها في وسط الحرب التي لم تكن حربها، ولم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، بل إن دول الخليج وجدت نفسها بمفردها في ميدان الصراع، الذي أشعلته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل خدمة لمصالحهم، بعيدًا عن أي اعتبارات أو مصالح لدول الخليج. وما كان بالأمس موجودًا على حسابها من أجل الحماية، أصبح خلال الحرب عبئًا ثقيلًا على دول الخليج، التي طالما ركنت في أمنها على وجود القواعد الأمريكية، التي صُرفت عليها أموال باهظة وكبيرة في موازناتها. وفي النهاية وجدت نفسها في الميدان بدون أي غطاء يُذكر. والسؤال: هل ساهمت الحرب في تطوير قناعة القيادات السياسية في الخليج لصالح تغيير تلك السياسات العمياء تجاه مفهوم الأمن؟ وهل وجدت في دعوات إيران المتكررة نحو التوجه لرسم خريطة أمنية إقليمية جماعية تحافظ على أمن دول المنطقة دون استثناء؟ وهل الرغبة السعودية المنادية بعقد اتفاق عدم اعتداء مع دول المنطقة بما فيها إيران استجابة غير مباشرة لدعوات إيران القديمة الجديدة لمفهوم الأمن الإقليمي الجامع، أم أن الدعوة عبارة عن قراءة سعودية سريعة ومبكرة لاختلال موازين القوة في المنطقة، في ظل غياب أي ردع عربي حقيقي لأي دولة في الإقليم، لصالح اختبار ميزان الأمن الجماعي الذي تحقق فيه كل دولة في الإقليم أمنها بعيدًا عن التبعية للولايات المتحدة الأمريكية؟
يعد من الغباء بمكان استمرار العرب تحت العباءة الأمريكية، بعد حجم الانكشاف الأمريكي الكبير، ليس في موقفها الأخير من الاعتداءات الإيرانية على قواعد الأخيرة في دول الخليج فحسب، بل من انكشاف الموقف الأمريكي تجاه الاعتداء الإسرائيلي على قطر التي تنعم بحماية القاعدة الأمريكية الأولى في المنطقة. فأين اختفت التكنولوجيا التي يمتلكها الجيش الأمريكي من رصد الصواريخ الإسرائيلية على قطر؟ كل هذه المعطيات على صحتها تبين أن استمرار الدول العربية في رمي كل مصالحها الدفاعية في سلة الولايات المتحدة الأمريكية خطأ فادح، بل إن الأحداث التي تشهدها المنطقة تشكل فرصة مواتية لدخول البلاد العربية في مشروع وحدوي أمني يلبي طموحاتها الأمنية، والتوسع في عقد شراكات أمنية أكثر موثوقية على مستوى الإقليم والعالم، وتنويع مشاريع الدفاع، والوصول بشكل متدرج إلى نقل التقنية والتكنولوجيا إليها، وفتح مصانع إنتاج للأسلحة محليًا، ومحاولة الوصول إلى مرحلة من الاستقلال التام والاكتفاء الذاتي من الأسلحة، وعدم ربط نفسها بأجندات أمنية خارجية أثبتت الأحداث عدم فاعليتها في مواجهة التحديات الأمنية التي تحيط بها.
إن استمرار الدول العربية في التيه والشتات وتبني بعضها لمشاريع وأجندات خارجية مشبوهة بهدف الوصول إلى تحقيق الأمن، أو الارتباط بمشروع إسرائيل باعتبارها الركيزة الضامنة للأمن في المنطقة على حساب الأمن الجماعي، لا سيما أن ذلك يقود إلى التوسع وزيادة النفوذ في المنطقة على حساب دول الإقليم، من خلال استغلال ضعف بعض الدول العربية، والتدخل المشبوه في شؤونها بالقيام بتشجيع النزعات الانفصالية، بهدف غرس نفوذها داخل تلك الأجندات المدفوعة بحسابات إسرائيلية، وتنفيذ حصري إماراتي، قادها إلى الانتفاخ الآني بسبب تصدرها للأحداث في اليمن والصومال والسودان وليبيا، إذ وجدت نفسها قوة مهيمنة مدفوعة بفقاعة الحماية الإسرائيلية، باعتبارها الوكيل الحصري لمشاريعها وأجنداتها في المنطقة. إذ وجدت إسرائيل في الإمارات قفازًا مميزًا لتنفيذ أجنداتها. والسؤال الجوهري: ما هي الفوائد التي جنتها الإمارات من وراء كل هذا العبث الذي نشرته في المنطقة؟ والجواب الأكثر منطقية حسب تصريحات رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد في إحدى مقابلاته التلفزيونية بقوله: "إن المنطقة العربية بحاجة إلى قيادة". وهذا الفخ الذي نُصب له، لا يدري أنه قد نُصب لغيره. إذن فالتحركات الإماراتية كانت مشفوعة بذلك الوهم "قيادة المنطقة". وهنا ومن خلال أحداث التاريخ العربي القريب نجد أنفسنا أمام فخ كبير وقع فيه العرب ولا زالوا. فقبل حوالي مائة وعشر سنوات من اليوم وقع العرب في فخ بريطانيا التي وعدت الشريف حسين بن علي بتتويجه ملكًا على العرب، وكان ثمن هذا الطموح إعلان الحرب على الدولة العثمانية في الحجاز. ثم ماذا حصل؟ تم تقسيم البلاد العربية بما عُرف باتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا عام 1916م، ثم تلاه إعلان وزير خارجية بريطانيا "جيمس آرثر بلفور" في 2 نوفمبر عام 1917م، منح فلسطين لتكون وطنًا قوميًا لليهود. ثم ماذا؟ تركت بريطانيا الشريف حسين بن علي بمفرده في مواجهة خطيئته، وانتهى الأمر به ليكون شريدًا طريدًا يعيش عند أسرة تركية في قبرص، ولم تسمح بريطانيا لأبنائه، الملك فيصل ملك العراق، وعبدالله ملك شرق الأردن، من استقباله أو دفنه لديهم. إذن ما الذي استجد؟ فقط تبدل الأدوار من بريطانيا إلى إسرائيل.
إن أوهام السيادة والقيادة التي يحاول الشيخ محمد بن زايد الحصول عليها من خلال تقسيم ليبيا، وانتهاكات وتقسيم اليمن، واستمراره في الانتهاكات ودعم المليشيات في السودان، ليست إلا فخًا مرتبًا له من قبل من شجعه على ارتكابها، سيتم استخدامها في الوقت المناسب عندما تحين الفرصة المواتية، مثلها مثل ملفات "إبستين" اللعبة المخابراتية التي لعبها الموساد مع العديد من القيادات السياسية الكبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية، بهدف انتزاع قرارات تخدم بقاء إسرائيل وخدمة أجنداتها ومشاريعها. إن المنطقة العربية بحاجة إلى مشروع عربي ناضج يجمع لا يفرق، يبني على الطموحات والإمكانيات العربية بعيدًا عن أي أجندات استعمارية غربية. فالعرب بحاجة إلى امتلاك مشروع موحد لمواجهة التحديات، حتى وإن تطلب الأمر التفاهم مع دول الإقليم على موضوعات الأمن واحترام المصالح المشتركة، والاستفادة من الخبرات والإمكانيات التي وصلت إليها الدول الإسلامية في مجال التصنيع والتكنولوجيا. فأي نهضة لأي دولة عربية أو إسلامية، هي نهضة للأمة بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.
