حقول... والغام
ها نحن أمام لحظة تاريخية باتت معها معاول السياسة تناور بأبهى وأشد حالات حضورها الفاعل، تعيد رسم الخرائط ووضع المعالجات المستوعبة لتوازنات القوى، والذود عن المصالح التي تستند إلى مؤشرات على الأرض تعكس إمكانات متاحة تلعب، وستلعب، دوراً مؤثراً برسم ملامح جغرافية المصالح السياسية والاقتصادية لقوى تتصارع، سواء على الأرض عبر فرض معادلات قوة، أو عبر مفاهيم سياسية تقرأ مفارقات الصراع بين الأطراف المتصارعة، سواء الأساسية أو المتحالفة. إنما تعكس واقعاً تحكمه فروض وشروط القوة التي يمتلكها كل طرف وحلفاؤه، يضعونها على طاولة المفاوضات وفقاً لمعادلات مواجهات القوة على الأرض.
ما يجري إنما يعبر عن انتقال آلة الحرب لمحطة مواجهات السياسة وملفاتها حول مضيق هرمز، وإلى ما هو أبعد من هرمز بمعناه الإقليمي والدولي. مرحلة مستجدة لتنبثق معادلاتها المستجدة قوةً وسياسةً، لترسم على طاولة المفاوضات قوة السياسة المتدثرة بغطاءات قوة استعرضها ومارسها بأرض المعركة كل طرف من أطراف الصراع، سواء منفرداً أو حلفاؤه.
المعركة بطابعها السياسي المتدثر بغطاء القوة تدور رحاها إيرانياً أمريكياً دولياً بين أحضان بحيرات وجغرافيا الجمال السويسري، وكل طرف يدافع عن:
1- مفاهيمه للتوافقات التي تم التوصل إليها.
2- الدفاع عن التوافقات التي تعبر عن مصالحه، وإن تباينت مع فهم الطرف الآخر.
3- هي مرحلة عض أصابع؛ كل طرف يدافع ويناور عما يعتقده ويراه كل الحقيقة.
ما يجري في جنيف ستنسحب نتائجه النهائية على منطقتنا العربية وباقي العالم، سياسةً واقتصاداً، وتحديداً وتحت مفهوم أوسع يتضمن إعادة رسم توزيع القوة والقوى بمنطقة الشرق الأوسط المستجد وباقي العالم، والخاسر فيه ذاك النائم بتكية النوم اللذيذ على أسرة الغير، ينتظر فرجاً من الغيب.
بلادنا، ضمن بلدان عدة، ستطالها إما رياح الشروق أو رياح السموم، ونحن نأمل الأولى؛ فكفانا ما سمم جسدنا الوطني من سموم.
وهنا بحق لنا القول والجهر، لتسمع وتنصت كل الأطراف داخل دائرة أزمتنا الوطنية الملتهبة والمدمرة، أن مآلات المستقبل على ضوء مقدمات ومخرجات محادثات جنيف تتطلب، بالضرورة الوطنية، أن يتم تبني جهود وطنية تضمن إمكانات معالجات لملفات أزمتنا الوطنية الشائكة بصورة إجابات مؤكدة لأسئلة وقضايا خطيرة تمس بقاء وحدة كياننا الوطني، عبر خارطة طريق وطنية تعكس توافقاً وطنياً بعيداً عن فهلوة الدوران حولها من قبل أي طرف.
فكفى ما أضعناه من زمن ووقت ثمين، وكفى دماراً لأسس ومقومات البلد.
إنها لحظة تاريخية يعاد من خلالها رسم خرائط البلدان، وهو ما يوجب علينا القول والمطالبة بما يلي من العناوين:
أولاً: نريد وطناً غير ممزق، يمتلك كل مقومات الكيانات القوية سياسياً واقتصادياً وموقعاً وتأثيراً.
ثانياً: احتكار الحقيقة من قبل أي طرف كان، دينياً أو سياسياً، حان وقت مغادرته، بل بات مرفوضاً بالمطلق.
ثالثاً: انفتاح حقيقي يقود لمشاركة حقيقية لكافة القوى المجتمعية، إعمالاً لمبدأ الوطن للجميع، بعيداً عن معاول التفرد بمقاليد السلطة تحت أي اعتبار كان، وبعيداً عن المشاركة الوطنية الشكلية، وبعيداً عن سنن المحاصصة أو أي قواعد غير وطنية أو دستورية.
رابعاً: رصد ورفض مصادر التمويل التي تحدث فساداً وتؤدي لتعطل إسهامات لقوى أخرى حقيقية تمتلك الفكرة ولا تمتلك السند المالي، وإن كان التمويل ضرورة فعبر الدولة وعلناً.
خامساً: المواجهة الحقيقية مع كافة أشكال الحشد الطائفي والمناطقي والمذهبي، ليصبح التعبير الوطني هو الحامل للمشاريع الوطنية.
سادساً: اللجوء للاستعانة بالخارج بات كارثة تحت أي عنوان يكون، حيث علاقات الداخل بالخارج تخضع للسيادة أولاً، وللمصالح الوطنية العليا ثانياً، ولتجذير وتطوير المصالح المشتركة مع الغير، وأولها وأهمها دول الجوار ومجلس التعاون أولاً، وذلك لا يعني إهمال الباقي، بل على العكس؛ فحيث توجد مصالح وطنية ومصالح مشتركة تتطلب كياسة السياسة فتح المنافذ والوسائل التي تحقق المصالح المشتركة.
تلك أسس لا بد منها لأي نشاط سياسي، عدا ذلك يدخلنا بأسوأ مما نحن فيه حالياً.
ولأن السيف قد سبق العذل، وباتت ساحتنا السياسية في مهب الريح تلعب بها العواصف والمصالح، إما قصيرة النظر وطنياً، أي تلك التي لا تنظر سياسياً إلى ما هو أبعد من أنف قريتها، أو لصيقاً بمعتقدها أو بمذهبها، أو بشكل أوسع بهواها السياسي، وتلك هي النيران التي تلتهم مسيرة بلادنا المعلقة بالهواء، تنتظر حلولاً تهبط عليها من علياء السماء.
ناسين أن السماء لا تمطر حلولاً سياسية، فأهل مكة أينما كانوا يعرفون ما زرعوا، ويعرفون إن كانوا زرعوا جيداً وكيف يحصدون أكلاً مفيداً، عدا ذلك فلن ترى البلاد إلا القتل والمماحكات وتضارب وتضاد المشاريع السياسية بين الفرقاء والمؤلفة قلوبهم، حتى داخل المجلس الرئاسي، وهم داخل دول الجوار.
نسأل: ماذا يفعلون؟
خاصة ونحن نرى ونسمع زمجرة حوثية على مناطق يمنية، ونسمع تغاريد إيرانية وفهلوة أمريكية تُلاك على ضفاف بحيرات سويسرا، وما يجري هناك لا يتم بعيداً عن أعين من يهمهم ترتيب المصالح خدمة لأطراف على حساب أطراف دولية أخرى.
إنها مرحلة سايكس بيكو بأدوات ومفاهيم مستجدة، والسياسة لا تنتظر النائمين بالعسل، حيث الحسابات والمصالح يعاد صياغتها على ضوء موازين القوى على الأرض، وهنا تتبدى مدى متانة الإرادات المشتركة إيرانياً وروسياً وصينياً عبر تعبيرات سياسية واقتصادية ولوجستية، وهو ما يطرح سؤالاً: متى وكيف يكتمل ذلك بوجود عربي مؤثر؟
هذا ما نراه، ونأمل أن نرى معه توجهات لحل مستدام لأزمتنا اليمنية بكل ملفاتها المعقدة، التي تتطلب بالضرورة مغادرة المماحكات والدخول في مشروع لتسوية سياسية شاملة تقبلها وطنياً جميع الأطراف، خاصة ما يتعلق بملف القضية الجنوبية ضمن سقفها الوطني، بعيداً عن الابتزاز والفرض بالقوة والتلويح بقرقعة السلاح أو بفرض الأمر الواقع، لأن بعضاً من الأمر الواقع قد جرى خلقه وتطويره وتعزيز قدراته إنما كان بهدف مستتر لعرقلة أي تسويات لاحقة ذات طابع وطني تحقق عدالة حل متطلبات كل الملفات الشائكة.
ختاماً، أود الإشارة إلى أن أوان الاقتصاد قد حان أوانه.
الناس مطحونة.
السوق والقاعدة الاقتصادية مدمرة.
العملة قد أُدخلت مبكراً في غيبوبة، خاصة بعد قرار نقل البنك المركزي.
باتت دويلات الجبايات والخراج تشرعن ما هو غير شرعي، وتفتك بأي محاولات للمعالجة دون عوائق أو مشاكل.
وهنا وجب الإشارة بمسؤولية وطنية إلى أن ما تم اتخاذه من قرارات بشأن مصادرة ودائع الناس وحرمانهم، ليس فقط من فوائد مستحقة، بل تطاول الأمر أولاً للتلويح بفرض ضريبة الخمس على ما في باطن الأرض وما فوقها، ثم مد اليد إلى الودائع ذاتها، وذاك والله إفك عظيم وحرام لا يجوز.
واسألوا الأزهر الشريف عن إباحته لفوائد الودائع خاصة، والأصل في الأشياء مصلحة الناس، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومقاصد الشريعة إنما تكمن حيث تكون مصلحة عامة الناس.
عدا ذلك دمار وخراب لمستقبل البلاد الاقتصادي، لأن أفضل السياسات هي تلك التي تحافظ على الاستقرار الاقتصادي لعموم الناس والبلاد.
وبالله عليكم جميعاً يا من تتحاربون، أينكم من ذلك؟
إن أولى مهماتكم حال الناس ومعيشتها، ومكافحة الفساد والركود، واحترام دور وسياسات المؤسسات الاقتصادية، خاصة البنك المركزي المدمر بعد نقله التعسفي غير المدروس، لأن من أولويات هذا المصرف، وأهل العلم يعلمون ذلك، تحقيق غايتين:
الإبقاء على مستوى منخفض للتضخم.
العمل بكل الوسائل، بالتعاون مع الجهات المالية والحكومية والقطاع الخاص، على استمرار نمو الطلب الكلي.
وذاك موضوع آخر سنعود إليه في مقالة أخرى.
