الأربعاء 24 يونيو 2026

الجنوب وتجريف الذاكرة 2

كانت القيادات السياسية والعسكرية التي لجأت إلى عدن عقب أحداث أغسطس في العاصمة صنعاء عام 1967م، تدرك مآلات التسرع والإسراع والتعجل في التوقيع على وثائق تحقيق الوحدة، وكان للمناضل جار الله عمر والمناضل سلطان أحمد عمر والدكتور حسين الهمزة والأستاذ يحيى محمد الشامي والدكتور محمد الثور والأستاذ عبدالله بيدر وغيرهم، مواقف وآراء طرحت من قبلهم على قيادة الحزب الاشتراكي اليمني في عدن. وتلك الآراء تتضمن أطروحات تدعو القيادة الجنوبية لعدم التعجل وعدم التسرع في توقيع اتفاقية الوحدة تجنبًا لحدوث أخطاء كارثية في المستقبل، وخشية أن تنعكس تلك الأخطاء الفادحة على حياة الشعب اليمني. وكان هؤلاء القادة النازحون إلى عدن يدركون خطورة التسرع والاستعجال في إجراءات تحقيق الوحدة؛ وكانوا كثيرًا ما يطلبون من القيادة الجنوبية التريث؛ والتمهل.

وقدمت قيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية وقيادة الحزب الديمقراطي الثوري؛ وقيادات أحزاب اليسار اليمني في شمال اليمن، مقترحات عدة، سواء كانت تلك المقترحات مقترحات شفوية أو مقترحات مدونة في الأدبيات والوثائق التابعة لتلك الأحزاب، فقد كانت جميع تلك المقترحات تنصح قيادة الحزب الاشتراكي اليمني وقيادة الدولة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بعدم التسرع؛ واتخاذ الحيطة والحذر عند مناقشة موضوع الوحدة مع قيادة الدولة في الجمهورية العربية اليمنية وقيادة شمال الوطن. وكانت قيادة أحزاب اليسار الشمالية وقيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية يدركون ما يخطط له الجانب الشمالي المدعوم من دول الخليج في فترة الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، حيث كانت الوحدة التي يريدونها وحدة ينتصر فيها الشمال القبلي الموالي للمعسكر الرأسمالي بحكم علاقة هذا الشطر الوطيدة مع السعودية؛ الدولة الأكثر علاقة بالغرب في المنطقة. والمعروف أن الشمال تنتشر الأمية بين سكانه بنسب كبيرة جدًا تتجاوز السبعين في المائة من عدد السكان، على الجنوب الذي قضى على الأمية والجهل خلال عقدين من الزمن، إضافة إلى خدمات الصحة والأمن وغيرها من الخدمات التي حرصت قيادة الجنوب على توفيرها للمواطن الجنوبي مجانًا.

وكانت قيادة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين المتواجدون في صنعاء أدركوا خطورة مسألة التسرع في خطوات تحقيق الوحدة اليمنية، وقبل توقيع اتفاقية 30 نوفمبر عام 1989، في عدن، كان الأستاذ عمر الجاوي والأستاذ عبدالله البردوني ومفكرون آخرون قاموا بزيارات ميدانية إلى فروع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في محافظات الجنوب الست. وأثناء تلك الزيارات عقدت ندوات ومحاضرات خصصت لشرح موقف الاتحاد وموقفهم الرافض للخطوات المتعجلة من قبل قيادة الجنوب والهرولة باتجاه وحدة مع طرف عرفت سلوكياته الماكرة خلال عقود من الزمن، إلا أن تلك القيادة كانت ترى ما تقوم به قيادة الاتحاد بأنه تحريض ممنهج يستهدف القضية الوطنية الأهم في تاريخ اليمن شمالًا وجنوبًا، ووصل الأمر بجهاز أمن الدولة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أن قام رئيس فرع جهاز أمن الدولة في محافظة لحج بوصف الأستاذ عبدالله البردوني بالخبيث، بعد أن قال البردوني في ندوة استضافها اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في تلك المحافظة: "إنه يجب أن تكون خطوات القيادة الجنوبية في سبيل تحقيق الوحدة، متأنية مدروسة، وبعدها ستتحدون في ستين سنة أو في ستين دقيقة".

وكان لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين موقف واضح تجاه قضية الوحدة من وقت مبكر، ومنذ تأسيسه. وإذا عدنا إلى إصدارات الاتحاد خلال تلك الفترة، سنجد أن ذلك الطرح موثق في مجلة "الحكمة" الصادرة عن الاتحاد في العاصمة، وفي المجلات الصادرة في الفروع.

وفي الحلقة القادمة، سنتحدث عن كثير من الأسباب التي حالت دون نجاح الوحدة اليمنية، إن شاء الله.