الأربعاء 24 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • احتمالات الحرب المفتوحة بين صنعاء والرياض: قراءة في المؤشرات والدوافع

احتمالات الحرب المفتوحة بين صنعاء والرياض: قراءة في المؤشرات والدوافع

رغم تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي من صنعاء تجاه الرياض، إلا أن مجمل المؤشرات القائمة تميل إلى استبعاد سيناريو الحرب المفتوحة في المرحلة الراهنة. غير أن هذا الاستبعاد لا يلغي احتمال استمرار أو حتى تصاعد المعارك المحدودة، وهي حالة شبه قائمة منذ إعلان الهدنة، تأخذ شكل الاشتباكات الموضعية أو الضغوط العسكرية المدروسة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

هذا التقدير يستند إلى جملة من المعطيات الموضوعية:

أولاً، إن أي اندفاع نحو حرب مفتوحة من شأنه أن يضرب شبكة التفاهمات الإقليمية القائمة، وعلى رأسها التقارب السعودي–الإيراني، وكذلك المفاوضات والتفاهمات بين طهران وواشنطن. فتح جبهة واسعة سيعيد المنطقة إلى مربع الفوضى التي لم تخرج منها بالكامل حتى اللحظة ، ويمنح أطرافًا كـ”تل أبيب” مبررات للتنصل من أي تهدئة، سواء في لبنان أو اليمن، ما يعني توسيع رقعة الاشتباك بدل احتوائها.

ثانيًا، لا تبدو صنعاء ( وفق معطيات الواقع ) قادرة على تحقيق حسم عسكري داخلي ، فكيف بفتح مواجهة اقليمية مباشرة مع الرياض. بل إن خطوة كهذه قد تستدعي بالضرورة تدخلات دول إقليمية داعمة للجانب السعودي كانت تنأ بنفسها عن الصراع في اليمن ، بما يعيد تشكيل ميزان القوى بصورة أكثر تعقيدًا.

ثالثًا، الحرب الشاملة ستدفع الرياض على الأرجح إلى إعادة تموضع استراتيجي حاد، قد يصل إلى الارتماء الكامل في تحالفات أكثر صلابة مع “تل أبيب”، والتخلي عن سياسة التوازن النسبي التي انتهجتها مؤخرًا في ملفات الإقليم.

رابعًا، على المستوى الداخلي، ستفاقم الحرب من الأزمة الاقتصادية والسياسية في مناطق سيطرة صنعاء، وستفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والعقوبات، بما يضعف قدرتها على إدارة الداخل قبل التعامل مع الخارج.

أمام هذه المحددات، يبرز سؤال جوهري: لماذا إذن يتم التلويح بخيار الحرب الشاملة مجددًا؟

يمكن تفسير هذا السلوك ضمن أربعة احتمالات رئيسية:

1. أداة ضغط تفاوضي: قد يكون التصعيد محاولة لرفع سقف التفاوض مع الرياض، ودفعها إلى تحريك الملفات العالقة أو تقديم تنازلات جزئية.

2. وظيفة داخلية: الخطاب التصعيدي قد يستهدف امتصاص حالة السخط الشعبي الناتج عن الجمود، وإعادة إنتاج حالة التعبئة بما يضمن تماسك القاعدة المؤيدة واستمرار حالة الاستقطاب.

3. تكتيك تضليلي مزدوج: لا يُستبعد أن يكون التصعيد جزءًا من تنسيق مع الرياض، ليمنحها هامشًا للمناورة أمام الضغوط الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بملف الانظمام للاتفاقات الإبراهيمية، عبر إظهار أن انخراطها في مثل تلك الاتفاقية قد يفتح عليها جبهات متعددة.

4. رسائل إيرانية غير مباشرة: قد يعكس رفع النبرة انسجامًا مع إيقاع طهران وبالتنسيق معها، بهدف تحذير الرياض من الانخراط في أي تسهيلات لواشنطن و دفعها لمزيد من الحياد والتقارب مع المحور الإيراني في هذه المرحلة الحساسة.

ورغم وجاهة هذه الاحتمالات، إلا أن القاسم المشترك بينها هو أن التصعيد ( حتى الآن على الأقل ) يظل في إطار إدارة الصراع لا تفجيره. فالحرب الشاملة، في ظل المعطيات الحالية، تبدو خيارًا عالي الكلفة، منخفض العائد.

بل إن الذهاب إليها في هذا التوقيت تحديدًا قد يمثل مغامرة ساذجة وغير محسوبة، لن تفضي إلى حلول بقدر ما ستنتج طبقات إضافية من التعقيد، سواء على مستوى مناطق سيطرة صنعاء، أو على مستوى الدولة اليمنية ككل، فضلًا عن انعكاساتها الإقليمية التي قد تتجاوز حدود السيطرة.

وعليه، فإن قراءة المشهد تقتضي التمييز بين التصعيد كأداة سياسية، والحرب كخيار استراتيجي. الأول قائم ومستخدم، أما الثاني فلا يزال ( وفقأ للوقائع على الارض ) مؤجلًا بحكم تعقيدات الداخل وتشابكات الإقليم.