الأربعاء 24 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الصحافة والتاريخ: جدلية التوثيق والفهم في كتابة الحاضر

الصحافة والتاريخ: جدلية التوثيق والفهم في كتابة الحاضر

تشكل الصحافة والتاريخ حقلين معرفيين متقاطعين في وظيفة أساسية واحدة، هي توثيق الواقع ونقله إلى المتلقي. يجمعهما الاهتمام بجمع الأخبار والمعلومات، والتحقق من صحتها، ونشرها بقصد إطلاع المجتمع على ما يدور من أحداث ووقائع. غير أن هذا التقاطع الوظيفي لا يلغي تبايناً جوهرياً في المنهج والغاية ونطاق الانتشار يجعل العلاقة بينهما علاقة تكامل وتعاقب أكثر منها علاقة تطابق.

فالصحافة تسعى إلى توثيق اللحظة الراهنة وفق منطق السرعة والآنية. وهي مدفوعة باعتبارات مهنية تتمثل في "السبق الصحفي" واعتبارات تتمثل في الإثارة وجذب المتلقي. ومن ثم، فإن معيار الدقة فيها نسبي وخاضع للتصحيح اللاحق. وقد أكسبها هذا المنطق موقع "السلطة الرابعة"، نظراً لتأثيرها المباشر وسرعة انتشارها، خاصة في عصر الصحافة الرقمية ووسائط التواصل الاجتماعي.

وعلى النقيض من العمل الصحفي، يلتزم التاريخ بمنهجية التروّي والتحري. إذ لا يكتفي المؤرخ برصد الحدث، بل يسعى إلى تفكيكه وتحليله ضمن شبكة علاقاته السببية والسياقية. غايته إدراك البنية الكامنة للحدث، وفهم ظروفه المكانية والزمانية والاجتماعية والسياسية، للوصول إلى تفسير شمولي يقارب الواقع الموضوعي قدر الإمكان. فالسرعة عنده تتناقض مع الدقة، والآنية تتناقض مع الشمول.

وفي السياقات المعاصرة، يتوارى المؤرخ الأكاديمي عن مشهد التوثيق المباشر. ويعود ذلك لأسباب منهجية، إذ يفضل المؤرخ مسافة زمنية تتيح له رؤية الظاهرة "من أفق بعيد" وتجنب أحكام اللحظة، ولأسباب واقعية تتعلق بإتاحة المصادر وحرية الوصول إليها. هذا التغيب المقصود أو المفروض، يخلق فراغاً معرفياً تتصدره الصحافة بوسائلها كافة، لا سيما الإلكترونية، فتضطلع بمهمة "توثيق اللحظة" رغم محدودية أدواتها المنهجية وغلبة الطابع الإنشائي والانطباعي على خطابها.

وإن كان هذا الواقع يمثل إشكالاً من المنظور التاريخي الصارم، إلا أنه لا يمكن إنكار قيمته. فتدوين الصحفي للحدث، حتى مع ما يشوبه من قصور، يظل أفضل من إهماله وتركه للنسيان. وبذلك يتحول الصحفي، شاء أم أبى، إلى "مؤرخ اللحظة الأولى" أو "مؤرخ الكواليس".

وتنتقل العلاقة من التنافس إلى التكامل عندما تصبح المادة الصحفية مصدراً أولياً للمؤرخ. فمع مرور الزمن وتهدئة غبار الحدث، يتناول المؤرخ هذا الأرشيف الصحفي بآلياته النقدية: يغربل الروايات، يقارن بين المصادر، يتحقق من الانحيازات، ويحلل الخطابات الكامنة وراء النص. وبذلك يحول المادة الخام إلى مادة تاريخية منضبطة، تستخلص الدلالات وتكشف البنى العميقة.

ويمكن النظر إلى هذا الوضع نظرة إيجابية إذا استعاد المؤرخ دوره الريادي. فبدل ترك الساحة لخطاب صحفي قد ينحاز إلى رصد أخطاء الخصم السياسي وتعبئة الجمهور بها، متغاضياً عن أخطاء الجهة التي ينتمي إليها، يتدخل المؤرخ ليقدم تحليلاً معمقاً ورؤية شاملة تتجاوز ثنائية "الصديق/العدو".

وتبرز أمثلة ذلك بوضوح في الأحداث الكبرى المعاصرة، مثل تغطيات "الربيع العربي" و"طوفان الأقصى"، حيث شكلت الصحافة الرقمية المصدر الأولي والأساسي لفهم مجريات الأحداث. لكن القراءة التاريخية الرصينة لهذه الأحداث ظلت مرهونة بقدرة المؤرخين على العودة إلى تلك المواد، ونقدها، وتوسيع دائرة النظر فيها.

الخلاصة

تحدد العلاقة بين الصحافة والتاريخ بكونها علاقة تعاقب وظيفي لا تنافس سلطوي. الصحافة تختص بتوثيق "سلطة اللحظة"، فهي أرشيف الحاضر الأول وسجلّه العاجل. والتاريخ يختص بتحليل "سلطة الزمن"، فهو وعاء الفهم ومراجعة السجلّ ونقده.

وغياب المؤرخ عن كتابة الحاضر لا يلغي وظيفته، بل يؤجلها ويحملها أعباء إضافية. فلا تاريخ رصين دون صحافة وثقت ودوّنت، ولا صحافة مكتملة الدلالة دون تاريخ حلل وفسّر ووضع الأحداث في سياقها البعيد. وعليه، فإن إنضاج الوعي بهذه الجدلية التكاملية هو المدخل الأساس لإنتاج معرفة تاريخية أكثر موضوعية عن عصرنا.