حين نسي العم سام أنه فكرة
في البدء لم يكن هناك رجل
بل ظل طويل يمشي أمام نفسه
يسمونه العم سام
لكن لا أحد يتذكر من سماه
ولا من أعطاه المفاتيح
يدخل البيوت بلا صوت
لأنه يعتبر الجدران جزءًا من الهواء العام
ويعتبر الهواء ملكية مشتركة باسمه
في مدينة بعيدة
هناك مصنع لا يصنع الحديد
بل يصنع الكلمات
حرية تخرج من خط الإنتاج
مغلفة بالبلاستيك
جاهزة للتصدير
ديمقراطية تعبأ في علب صغيرة
تفتح مرة واحدة فقط
ثم ترمى التعليمات
والعم سام يوقع على كل شيء
ثم يقول
هذا ليس تدخلًا
هذا تصحيح للواقع
في نشرة الأخبار العالمية
الخرائط تعرض كإعلانات عقارية
هذا بلد قيد التطوير
هذا بلد قيد التصحيح
وهذا بلد تمت إعادة تسميته مؤقتًا
المذيع يبتسم
كأنه لا يقرأ الأخبار
بل يختبر صبر الجمهور
هناك مدرسة سرية
تدرس كيف تدار الحرية
الدرس الأول
كيف تقول استقلال
وأنت تعتمد على الآخرين
الدرس الثاني
كيف تقصف المدن باسم الاستقرار
الدرس الثالث
كيف تقنع العالم
أن الصمت شكل من أشكال الحوار
والعم سام يجلس في الصف الأول
يرفع يده دائمًا
حتى حين لا يوجد سؤال
الخرائط لم تعد خرائط
بل تقاويم قابلة للتعديل
الجبال تنقل
الأنهار تعاد تسميتها
والحدود ترسم كل صباح حسب مزاج الأخبار
والعم سام يقول
نحن لا نغير العالم
نحن فقط نحدثه
العم سام
ليس شخصًا
بل قناع يتحدث بعدة أصوات
مرة باسم الأمن
مرة باسم السوق
مرة باسم الإنسانية
لكن القناع
حين يُسأل من أنت
يصمت قليلًا
ثم يقول
أنا الضرورة
كل شيء للبيع هنا
حتى المعنى
الوطن عرض محدود
الكرامة تخفيض موسمي
الحقيقة تحتاج اشتراكًا احترافيًا
والعم سام لا يبيع مباشرة
هو فقط يدير المنصة
ويقول
نحن لا نتحكم بالنتائج
نحن فقط نحدد شروط اللعبة
كلمات كثيرة
سافرت ولم تعد
احتلال عادت باسم انتشار
حرب عادت باسم عملية
ضحية عادت بلا تعريف
واللغة بدأت تفقد وزنها
مثل ورقة نقدية في اقتصاد بلا ضمان
لكن هناك أشياء لم تطوع
نظرة طفل لم تترجم
صمت أم لم يعتمد دوليًا
جدار كتب عليه أحدهم لا
هذه الأشياء الصغيرة
كانت تربك النظام أكثر من الجيوش
في لحظة ما
جلس العم سام على كرسيه الصغير
وقال
أنا لا أفهم لماذا هذا العالم لا يستقر
لكن المرآة لم تجبه
لأنها كانت مشغولة بإعادة عرض وجهه القديم
في النهاية
لم يسقط أحد
لكن العالم تعب من التفسير
وتعب العم سام من الشرح
وتعبت اللغة من التبرير
وبين الجميع
بقي سؤال صغير بلا إجابة
إذا كان كل شيء تحت السيطرة
فلماذا لا يشبه شيء نفسه؟
لم يكن العم سام شخصًا
كان فكرة تمشي على قدمين مستعارتين
مرة يرتدي بدلة مشرع
مرة خوذة جندي
مرة ربطة عنق مذيع أخبار
لكن حين يُسأل من أنت
يطلب ترجمة السؤال إلى لغة مناسبة
ثم يقول
أنا النظام حين يكون مرتاحًا لنفسه
داخل العم سام
هناك اجتماع دائم لا ينتهي
المشروع يقول
القانون هو الشكل الأعلى للحرية
الجندي يقول
الهدوء يحتاج قليلًا من الضجيج
الإعلامي يقول
الحقيقة تحتاج تحريرًا لغويًا
الطفل في الزاوية يقول
لماذا كل هذا الدم يشبه الماء؟
لكن الطفل دائمًا يصنف
عنصرًا عاطفيًا غير قابل للإدارة
في غرفة التحكم
لا توجد أزرار حرب
بل زر واحد فقط
استمرار
إذا توقفت حرب
يتم إعادة تشغيلها
لأسباب تتعلق بالاستقرار
إذا هدأت مدينة
يتم رفع مستوى الصوت فيها
للتأكد أنها مازالت حية
والعم سام يراقب
كما يراقب لاعب لعبة فيديو
نسي أنه داخل اللعبة
في نشرة المساء
لا توجد قنابل
بل أدوات تصحيح سريعة
لا يوحد احتلال
بل إدارة انتقالية للواقع
لا يوجد موتى
بل تحديث غير مكتمل للوجود
والمذيع يبتسم
لأن الابتسامة جزء من البروتوكول
كل شيء قابل للتداول
حتى المعنى
الديمقراطية منتج قابل للتصدير
الحرية عرض لفترة محددة
الحقيقة تحتاج تفعيلًا إضافيًا
والعم سام لا يبيع
هو فقط يحدد الأسعار الأخلاقية للعالم
في أرشيف العمليات
لا توحد حروب
بل حالات تدخل
لا توجد مدن مدمرة
بل مناطق إعادة تشكيل
لا توجد أخطاء
بل نتائج إيجابية محسوبة
والجنود يتعلمون كيف يضغطون الزر
دون أن ينظروا إلى الشاشة
أنا لست كاذبًا
أنا فقط أختصر الحقيقة
الحقيقة طويلة جدًا
ومزعجة جدًا
وتحتاج ميزانية لا تناسب البث المباشر
أنا لا أغير الواقع
أنا فقط أقدمه بشكل مفهوم
نحن لا نخلق الحروب
نحن نعيد تعريفها قانونيًا
نحن لا نمنع الشعوب
نحن ننظم وجودها
القانون هنا
ليس أداة عدل
بل أداة ترتيب
والعم سام يوقع
ثم يقول
التاريخ الآن قانوني بالكامل
أنا لا أفهم
لماذا كل شيء كبير بهذا الشكل؟
لماذا المدن تقصف بصوت هادئ؟
ولماذا الكلمات تموت دون جنازة؟
أنا لم أوقع على شيء
لكنني أعيش النتيجة
وهذا وحده
غير عادل بما يكفي ليكون حقيقيًا
بدأت الكلمات ترفض الخدمة
حرية لم تعد تفتح أي ملف
حرب أصبحت كلمة محظورة في الدستور اللغوي
سلام صار إعلانًا مدفوعًا
والعم سام يلاحظ المشكلة
فيقول
سنقوم بإعادة ترتيب اللغة
العم سام يقف أمام المرآة
لكن المرآة لا تعرض صورة
بل تعرض نظام تشغيل قديمًا
يسأل نفسه
من أكون حين لا أحد يصدقني؟
ولا يجد تحديثًا للإجابة
العالم لم ينفجر
بل بدأ يفقد تماسكه
الأسماء تتغير أسرع من الأحداث
والأحداث أسرع من الفهم
والعم سام
لم يعد قادرًا على شرح نفسه
لأن كل شرح جديد
يصبح تهمة قديمة
في النهاية
لا يسقط العم سام
بل يتشظى إلى وظائفه
المشرع يمشي وحده
الجندي ينسى لماذا يقاتل
الإعلامي يكرر آخر جملة
والطفل يكتب على الحائط
هذا ليس نظامًا
هذا سوء تفاهم طويل
لا أحد ينتصر
ولا أحد ينهزم بالكامل
لكن شيئًا واحدًا يحدث
العالم يتوقف عن تصديق النسخة الرسمية
وهذا أخطر من أي حرب
ليس الذئب حيوانًا
بل طريقة دقيقة في ترتيب العالم
يستيقظ قبل الفجر
لا ليطارد أحدًا
بل ليحدث القوانين
يقول لنفسه
كل شيء يجب أن يكون قابلًا للقياس
فيعيد ترتيب المدن
بحسب سرعة الطاعة
ويعيد ترتيب البشر
بحسب قابلية الصمت
ثم يبتسم
لأنه لا يرى دمًا
بل بيانات غير متوافقة
في الجهة الأخرى من العالم
يقف رجل لا يقف وحده
اسمه العم سام
لكن الاسم مجرد إعداد افتراضي
مرة يتحدث باسم الحرية
مرة باسم الأمن
مرة باسم السوق
ومرة باسم الضرورة
لا يهم الاسم
المهم أن الجملة دائمًا تبدأ منه
يقول
نحن لا نتدخل
نحن فقط نمنع الفوضى
لكن الفوضى
تبدو دائمًا كأرض لم توقع عقدًا بعد
اللغة هنا ليست وسيلة
بل ساحة معركة
الكلمات تتعب
حرية لم تعد ترفع رأسها
حرب أصبحت موظفًا حكوميًا
وطن صار ملفًا مؤجلًا
إنسان يحتاج تعريفًا إضافيًا
والجمل بدأت تفقد ثقتها بنفسها
كلما حاولت قول الحقيقة
تظهر نافذة تقول
هذه الجملة غير مدعومة في منطقتك
في لحظة ما
جلس الذئب والعم سام واللغة على طاولة واحدة
لم يكن هناك جسد واضح
بل ثلاث طرق لرؤية العالم
قال الذئب أنا أرتب الفوضى
قال العم سام
أنا أشرح النظام
قالت اللغة بصوت متعب
وأنا أتحمل كذب الاثنين
صمتوا
ثم أدركوا شيئًا بسيطًا وخطيرًا
أنهم ليسوا ثلاثة
بل نسخة واحدة بثلاث جهات
بدأت الأشياء تفقد أسماءها
المدينة لا تعود مدينة
بل نقطة تشغيل
الإنسان لا يعود إنسانًا
بل وحدة استجابة
والذاكرة
صارت تحتاج إذنًا رسميًا للاسترجاع
الذئب توقف قليلًا
العم سام تردد
اللغة ارتجفت
لأول مرة
لم يعرف أحد منهم
كيف يترجم ما يحدث
ظهر خلل صغير
جملة واحدة خرجت من النظام دون إذن
ربما لسنا ضروريين كما نظن
لم تكن من الذئب
ولا من العم سام
ولا من اللغة
كانت من مكان آخر لا يحمل اسمًا بعد
ومن هنا
بدأ التصدع
الذئب فقد دقته
وصار يتساءل بدل أن ينفذ
العم سام فقد يقينه
وصار يشرح نفسه بدل العالم
اللغة فقدت صلابتها
وصارت تبحث عن معنى لا يهرب منها
كل واحد منهم
بدأ يشك في وظيفته
وهكذا انهار النظام
ليس بالضربة
بل بالارتباك
لا أحد خرج منتصرًا
ولا أحد اختفى تمامًا
لكن العالم تغير قليلًا
بشكل لا يمكن شرحه بسهولة
لم يعد هناك ذئب واضح
ولا قناع واضح
ولا لغة مطيعة تمامًا
بل شيء يشبه السؤال
يمشي بين الأشياء
دون أن يجيب عليه أحد
وآخر ما يسمع في المشهد
أن الحقيقة
لا تحتاج نظامًا كي تقال
بل تحتاج فقط
ألا تخاف
