الثلاثاء 23 يونيو 2026

محمد عبدالولي.. زهرة السرد الثائر

الكتابة القصصية والسردية، تصوّفٌ به يشارك القاص في خلق العالم، وخلق عوالم جديدة. في الرابعة عشرة من عمري، قرأت مجموعة «ريحانة» القصصية للمرة الأولى، وأدركت هذا. فصرخت: هذا ما أريده.

محمد عبدالولي
محمد عبدالولي

ومنذ ذاك وأنا أرغب بالكتابة عن كاتبها، محمد عبدالولي، الذي كشف لي هذه الحيلة الخطيرة والجميلة والنبيلة. اثنا عشر عامًا، ولم أفعل بعد. وبالأصح لم أستطع. ينازعني الخوف من أن أجرحه بالمديح، مهما كان ساطعًا. والقراءة الحميمية لمنتوجه السردي تجبرني على أن أحتدّ في مديحه بلا هوادة.

أنا كاتب يعبد الألم، يقدّسه ويرقص له، يبكي ويضحك. والألم أحد الوشائج التي تربط بيني وبين الكاتب وتجذبني إلى مداراته. وأعماله السردية وحياته، منذ الولادة في «دبر برهان» في أثيوبيا لأب يمني وأم حبشية، إلى حادث موته البشع والغامض، تعجّ وتطفح بالآلام التي تهذبني وتجعلني أكره هذا العالم، وتشحذ إرادتي للعمل على تغييره في الوقت نفسه. وعجزي يجعلني أكتفي بالاحتفاء بالألم.

ولحظة عرفت أنه مات في حادث غامض ومشبوه، المعروف بحادث «طائرة الدبلوماسيين»، أوجعني قلبي، وشعرت أنه خُطف مني إنسان تربطني به أبوة عميقة. وقضيت الليل غارقًا في بكاء ترك في روحي ندبات لا تُمحى.

أجلس مع أبي ونتحدث في الأدب. يسألني: بين طفولة وحياة مكتظة بالدراسة والقراءة والسفر بين دول عديدة، وتنقلاته داخل اليمن، وبين العمل السياسي والدبلوماسي والسجن، وهذا وهو لم يبلغ الخامسة والثلاثين، متى كتب عبدالولي تلك الأعمال الفريدة؟

يعتقد أبي أن عملية الخلق عند عبدالولي، منذ الفكرة والاختمار والشروع في الكتابة، كانت تحدث دفعة واحدة. ويؤمن مثلي أنه لو لم يمت مبكرًا لكان أضاف إلى السرد اليمني فصولًا أبهى وأجمل.

مضى نصف قرن على رحيله. لا تزال أعماله الأدبية طرية وخضراء، ملتزة بأحلامه وآلامه وأحلام وآلام الإنسان، باذخة بحيوية وعبقرية فنية، وبسرد ساحر يتجاوز الزمان والمكان، وكأنها لم تُكتب سوى البارحة. ولا يزال حيًّا، بروحه المتأملة الحالمة والواقعية في آن، بذكائه وذهنيته الحادة التي تلتقط أدق التفاصيل وأعقد التناقضات، وتنقد بعمق وبساطة، وبجرأة وسخرية حزينة وأصيلة.

كم هي جميلة أحلامه الإنسانية. كم هي جميلة الحياة عندما يحلم، والأرض، والوطن، والإنسان. حياة جميلة وكريمة. أرض خضراء وقوية. وطن يمنح ويُمنح الحب، ويحترم الإنسان وعقله وكرامته، فيستطيع فيه أن يقول ما يفكر به دون رقابة مسلحة، ويشحذ إرادته للتغيير وتحقيق أحلامه الكبيرة، وتحقيق ذاته. وطن جميل يتسع للجميع. الحرية، والإبداع، والعدالة، والمستقبل، والضمير، أعمدة كينونته وصيرورته.

وكم هي جميلة المرأة عندما يحلم من أجلها، بحس إنساني رفيع، ككائن مقدس من العار والظلم أن يُسحق تحت السلطة والمقدس الذكوري. وهبها الحب والحياة والحق الإنساني في الحلم، وبعيش حياة تمتلك فيها القدرة على أن تكون نفسها. وحلم بمجتمع سليم وعادل تجد فيه حريتها في اختيار طريقها وسعادتها، دون أن يُهدر ويُستهلك ربيعها والشطر الأبهى من عمرها في الزواج المبكر، والكدح في الحقول، في انتظار الرجل الغارق في الاغتراب.

وهذا الحلم النبيل نوع من النزوع الإنساني لاستعادة الأمومة المفقودة والمهدورة إلى الوجود.

لكن، بين الحلم والواقع مسافات مفخخة بالانكسارات والهزائم والتقهقر. فكم لا تزال المرأة اليمنية معذبة ومأسورة. وكم هو فادح ومخيف هذا الوطن، كمقبرة، كصفحات كتاب قديم، لا يبدو جميلًا إلا من بعيد، يبلّد حس الإنسان ويقتل عقله، وكل ما فيه ضياع كامل. وطن منكوب بالسلطات الفاسدة واللصوص والعصابات، يعيد إنتاج الماضي والعذاب ويدور في حلقة مفرغة مفزعة. وطن يمانع الإرادة ويعطلها. يبيح حياة أبنائه، «ولا يحمي إلا من يماثله بالفراغ والكآبة».

وكم هو قاسٍ هذا الإنسان اليمني، الميت، والتعيس. «نسر يحلق عاليًا، ولكنه يحيا حياة القاع». يطحنه واقع موات. مسلوب الإرادة والحرية والحقوق، يكدح ويكدح ويركض خلف لقمة العيش والقات والجنس والإنجاب. يهاجر ويهاجر، يبحث عن شيء ينقصه ولا يستطيع العيش بدونه ولا يجده. يخرج من عذاب ويدخل في عذاب، «يهرب من الشيطان، فيظهر له عفريت». يؤمن بأوهام وخرافات تعطل قدرته على التفكير، فيتشبث بالماضي والأشياء القديمة والبالية، وبالعلاقات التراتبية العمودية، ويقاوم وينبذ كل ما هو جديد ومشرق، كمصدر لفساد يجلب غضب الله ويسبب الكوارث.

ما أتعسه وهو أسير الماضي، ولا يفكر في المستقبل، ويرفض استعمال إرادته والثورة لتغيير الحاضر. وما أبشعه مطاردًا بلعنة ذي يزن، سيفًا للغزاة على أخيه.

حلم عبدالولي، الإنسان الحنون، ورفض هذا الوطن المأزق، والواقع التعيس. ورفض أن يظل الإنسان اليمني خارج العصر، تُسلب ثرواته وهو يقاسي الجهل والمرض والفقر والاغتراب والموت.

وكم هي نبيلة أحلامه، ونبيلة آلامه، ومبادئه التي آمن بها.

وكان عبدالولي يشعر بالأمل دائمًا. وثورة سبتمبر التي كانت بشارة وفاتحة للوطن الحلم، أكدت له أمله. لكن ما حدث بعدها من صراعات ونزاعات بينية، والتي فرغتها من مضمونها التقدمي، ومنعتها من إحداث تغيير حقيقي على المستوى الواقعي والاجتماعي والسياسي، أصابه بيأس يطفح بالوجع. فقد تعرضت المبادئ السامية التي آمن بها للخيانة، وأصبحت «مجرد كلمات لا معنى لها، تُباع مجانًا». أوجعه اليساريون الغلاة الذين يمتلكون كلمات لا يعرفون تفسيرها، إذ لم يكونوا يسارًا إلا لأنهم لا يملكون فكرًا أو فهمًا لشيء، مؤكدين له ما قيل: «بأن الوطنية آخر ملاذ للوغد». وليكتشف أن التضحية «عملية إجهاض سري» لا يوافق عليها.

ذاق عبدالولي التمزق والشتات منذ لحظته الأولى، بين لغتين، وثقافتين، ومجتمعين، وعالمين، بين حلم سامٍ وواقع خسيس، وتضحيات جسيمة قوبلت بالسجن والنبذ، فعاش يبحث عن استقرار داخلي وهدوء نفسي يعرف أنه لن يعانقه إلا عندما تصير هذه البلاد وطنًا حقيقيًّا. سر غامض «يشبه الحنين» كان يربطه بها وبشعبها الذين لا يستطيع الخلاص منهم، «وبقدر مشترك لا يستطيع منه فكاكًا». كان جزءًا منهم، من ثقافتهم وتخلفهم، من فقرهم وشتاتهم، من فرحهم وحزنهم. وكان يدرك أنه مهما هرب ووجد في غربته ما فقده، سيبقى منفصلًا عن واقعه وعن ذاته، يمزقه البعد والأسى، وسيأتي يوم يفقد فيه كل شيء، ويتغلب عليه الحنين في النهاية، «ليمتزج بالندم ويشكلا ألمًا عنيفًا وقاسيًا».

إن المأساة الكبيرة تجمع بيننا جميعًا، لذلك يجب أن نعمل، فالعمل في بناء الخراب يجلب السعادة، ويجب أن نُخلق من جديد. جاء على لسان محمد مقبل، أحد شخوص روايته «صنعاء مدينة مفتوحة»: «إننا لا نستطيع عمل شيء لأنفسنا ولا لأرضنا… إذا لم نخلق من جديد، نخلق كل شيء، الناس والأرض والوادي، حتى أنفسنا. إننا لا نستطيع أن نعيش مع الحمير في حظيرة واحدة، ولا أن نعامل معاملة الحمير. يجب أن نجد لأنفسنا مفهومًا، وأن نعرف حقيقتنا».

لذلك لم يترك اليأس أن ينال منه ويهزمه ويدفعه للاستسلام والتخلي عن أحلامه والفرار. فبقي يقاتل من أجل المستقبل الذي كان يرى أنه مستقبله أيضًا، مؤمنًا أنه بالإرادة الواعية يتخلق اليمن الحلم، وبالكلمة الملتزة بالصوت الثوري والتثويري، دون أن تُلغى فنية الفن. وأن ما يُقدَّم، مهما كان بلا قيمة، حفر بئر، أو شق طريق أو رصفها، أو كتابة قصة أو قصيدة، أو غرس شجرة، أو عمل في الأرض، ليس بالشيء القليل، وسيقود نحو الانتصار، واليمن المنشود.

لكن زهرة السرد، الثائر العنيد الذي لم يستسلم، وقلبه لا يزال ينبض بالحلم والحرية والجمال، قتلته اليمن، قتلت حلمه، وتركت حكايته معلقة في السماء تدعونا ألّا نستسلم، وتنتظر فارسًا من طراز عبدالولي ليكملها، وتنكرت له، كما تتنكر دائمًا لعشاقها المخلصين، وارتمت في أحضان أعدائها وأعداء الحياة والوطن.

قتلته اليمن؛ لأنه يمني.