الأربعاء 24 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • عندما تصبح الحدود طريقاً سريعاً: من يحرس البوابة ومن يبيع المفاتيح؟

عندما تصبح الحدود طريقاً سريعاً: من يحرس البوابة ومن يبيع المفاتيح؟

في عالم السياسة لا توجد فراغات، وكل فراغ تتركه الدولة يملؤه شخص آخر. وعندما تصبح الحدود الممتدة من القرن الأفريقي إلى شمال اليمن ثم إلى جنوب السعودية ممراً مفتوحاً لعشرات الآلاف من البشر، فإن السؤال لم يعد: من أين جاءوا؟ بل: أين كانت المؤسسات التي يفترض أنها تراقب وتدير وتحمي؟

المشهد يبدو للوهلة الأولى إنسانياً؛ مهاجرون يفرون من الفقر والحروب والجوع بحثاً عن فرصة حياة أفضل. لكن خلف هذه الصورة الإنسانية توجد طبقات أكثر تعقيداً من الأسئلة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

اجتماعياً، تجد المجتمعات المحلية نفسها أمام موجات بشرية جديدة في بيئة تعاني أصلاً من البطالة والفقر وضعف الخدمات. المواطن الذي لا يجد وظيفة ولا كهرباء ولا ماء منتظماً ينظر حوله متسائلاً: إذا كانت الدولة عاجزة عن إدارة شؤون مواطنيها، فكيف ستدير تدفقات بشرية عابرة للحدود؟

ثقافياً، يخلق الاحتكاك المفاجئ بين مجتمعات مختلفة تحديات تتعلق بالاندماج والهوية والعادات والتقاليد، خصوصاً عندما يحدث ذلك في مناطق تعيش حالة من الهشاشة السياسية والأمنية.

اقتصادياً، لا يمكن تجاهل أن شبكات تهريب البشر أصبحت واحدة من أكثر الأنشطة ربحاً في مناطق النزاع. فبينما تنهار العملات الوطنية وتغلق المصانع أبوابها، تزدهر تجارة البشر بشكل يثير الدهشة. وكأن بعض المستثمرين اكتشفوا أن أكثر السلع ربحية في زمن الفوضى هي الإنسان نفسه.

سياسياً، يتحول الملف إلى مادة للمزايدات. كل طرف يتهم الآخر، وكل مسؤول يلوح بإصبعه نحو جهة مختلفة، بينما تبقى الحقيقة الوحيدة أن الظاهرة مستمرة وتتوسع. المواطن يسمع بيانات لا تنتهي، لكنه لا يرى حلولاً على الأرض.

أمنياً وعسكرياً، لا يعني وجود مهاجرين أنهم يشكلون جماعة مسلحة أو تهديداً مباشراً، لكن أي حركة بشرية واسعة وغير منظمة في منطقة صراع تفرض أسئلة مشروعة حول الرقابة والتسجيل والتحقق والقدرة على إدارة المخاطر. فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد البيانات الصحفية، بل بقدرتها على معرفة من يدخل ومن يخرج ومن يتحرك داخل أراضيها.

جغرافياً، تبدو اليمن وكأنها عقدة مواصلات إجبارية بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. موقع استراتيجي كان يمكن أن يكون مصدر قوة وثروة، لكنه تحول بفعل الحرب والانقسام إلى ممر للفوضى والتهريب.

دبلوماسياً، لا تستطيع أي دولة معالجة هذه الظاهرة بمفردها. فالمشكلة تبدأ في دول المنشأ، وتعبر دول العبور، وتنتهي عند دول المقصد. ولذلك فإن الحل الحقيقي يحتاج إلى تعاون إقليمي ودولي لا إلى تبادل الاتهامات والخطابات الحماسية.

أما قانونياً ودستورياً، فإن الدولة التي تحتكر السيادة يجب أن تحتكر إدارة الحدود أيضاً. فالقانون لا يكتمل وجوده على الورق إذا كان غائباً على المنافذ والطرق والسواحل.

والجانب الإعلامي لا يقل غرابة عن بقية المشهد. فكل قناة تمتلك روايتها الخاصة، وكل منصة تبيع لجمهورها نسخة مختلفة من الحقيقة. حتى أصبح المواطن كمن يشاهد عشر نشرات أخبار عن الحدث نفسه فيظن أنه أمام عشرة أحداث مختلفة.

أما المشهد الكوميدي الساخر، فهو أن بعض المسؤولين يتحدثون عن الأمن القومي بجدية مطلقة، بينما تبدو الحدود وكأنها تعمل بنظام الخدمة الذاتية. يدخل الناس ويعبرون الجبال والوديان والصحارى، ثم يخرج مسؤول ليؤكد أن الأمور "تحت السيطرة". أي سيطرة هذه التي تحتاج إلى منظار لرؤيتها؟

المأساة الحقيقية ليست في المهاجر الذي يبحث عن لقمة عيش، بل في الأنظمة التي سمحت بتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للفوضى والتهريب والمغامرات السياسية. فحين تغيب الدولة، لا تبقى الحدود حدوداً، بل تتحول إلى أسئلة كبيرة معلقة في الهواء.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً: هل نحن أمام أزمة هجرة فقط، أم أمام مرآة تكشف حجم الخلل في إدارة الدولة والمنطقة بأكملها؟ لأن المشكلة غالباً ليست في الذين عبروا الحدود، بل في الذين كان يفترض بهم أن يحرسوها.