الإثنين 22 يونيو 2026

المهندس الأول لسياسة التجويع

جاء الهادي يحيى بن الحسين بفكرة قامت عليها تجربته كلها. الإمامة حق محصور في سلالة محددة، والطاعة جزء من الدين، أما الخروج عليها فله تبعات تتجاوز الخلاف السياسي إلى فقدان الحماية والمكانة. المال والقوة العسكرية تحركا معاً منذ البداية. الجباية تمول الحملات، والحملات تفرض الجباية.

وصل إلى اليمن مصحوباً بمقاتلين من طبرستان والديلم، نشأوا في بيئات اعتادت الحرب، يحملون السلاح والعقيدة في آن واحد. ظن اليمنيون الذين فتحوا له الأبواب أنهم يستقبلون عالماً زاهداً، فإذا بهم أمام قائد يستند إلى جيش منظم. ومع هؤلاء الوافدين دخلت خبرة القتال إلى مشروع سلالي أراد أن يشيد سلطته فوق أنقاض خصومه.

في نجران ظهر الفارق سريعاً حين اصطف الجند الوافدون إلى جانب الهادي في مواجهة القبائل اليمنية. كان التدريب عاملاً حاسماً، وما إن انتهت المعركة حتى بدأ اقتسام الغنائم. أخذ الهادي خمسها، ووزع الباقي على جنوده. وكانت تلك أول غنيمة تُخمّس في اليمن.

شكّلت نجران بداية مسار طويل. القرى التي رفضت الطاعة دفعت الثمن. احترقت عفارة، ولحقت بها شوكان وأملح وميناس وثلا ورجلاء. قُطع النخيل، وهُدمت البيوت، وطُمست الآبار، وتحولت الحقول إلى رماد. لم يتوقف العقاب عند المقاتلين لكنه طال مصادر العيش نفسها.

بعد إخضاع المناطق بدأ نظام الجباية يأخذ شكله الكامل. فُرض العشر قبل نضوج المحصول، وجاب رجال الإمام القرى يقدرون الثمار ويحددون الأنصبة. كان الفلاح يزرع وآخرون يحصدون، ومن دفع احتفظ بما بقي له، أما من تردد فكان السيف يتولى إكمال النقاش.

أصبحت القرى مورداً مفتوحاً. والزكاة التي حرمها الهادي على الهاشميين بدعوى الترفع عن أوساخ الناس، أباح الانتفاع بها عبر مخارج فقهية تتيح للعلويين تلقيها في صورة شراء أو هدية أو إجازة. كان الهاشمي يدفع زكاته إلى قبيلي ثم يستعيدها هدية، فيتحول المال من نجاسة إلى حلية. ولم يكتف بالخمس، فاستمرت الغارات على القرى، سواء وقفت معه أو ضده. يؤخذ جزء من الأموال، ويُرسل بعضه إلى أبناء عمومته، بينما تبقى القرى عالقة في دوامة لا تنتهي من الجباية والاستنزاف.

ثم ظهر ترتيب مختلف في التعامل مع أهل الذمة. جعلهم يدفعون التسع بدل العشر وتركهم في حال أفضل من المسلمين. ومع تراكم الأعباء على المزارعين اضطر كثير منهم إلى بيع أراضيهم لأهل الكتاب، فانتقلت ملكيات إلى جهات تدفع قدراً أخف من الرسوم المفروضة.

مرت قرون وتبدلت الأسماء، أما الفكرة فبقيت في مكانها. ولاية وسلالة وحق مقدس. تتغير الوجوه وتستمر القاعدة ذاتها. وفي كل دورة جديدة كان اليمنيون يدفعون الكلفة من أرزاقهم وأجسادهم، على الطريق نفسه الذي رُسم قبل قرون.