" البريد " تجربة مهنية متميزة!!
عدت من صحيفة " المجالس المحلية "، التي كنت فيها سكرتيرًا للتحرير، وعبدالوهاب المؤيد رحمه الله مديرًا للتحرير، وأحمد الشرعبي كبير المحررين، وفيها كتب " السلام عليكم من موسكو " بعد زيارة قصيرة، وتنبأ بسقوط الاتحاد السوفيتي، وفيها عندما طلب مدير التحرير من يكتب تحقيقًا عن صنعاء القديمة، قلت فورًا:
أحمد الشرعبي.
وبالفعل كتب أحد أجمل التحقيقات المنشورة في الصحف اليمنية حول ذات الموضوع، بينما كان رئيس التحرير أمين عام المجالس المحلية الشيخ صادق أمين أبوراس.
عدت إلى صحيفة " الثورة " بيتي الأول.
توقفت " المجالس " فجأة، لأن هناك من اكتشف أن:
الماركسيين والملكيين تجمعوا فيها!!
ذات صباح وجدت المراسل عند الباب الخارجي للاتحاد يسلمني " ورقة الطلاق "، التي عندما قرأها - وعلاقتنا الشخصية كانت سيئة يومها - علّق على مضمونها وزير الإعلام حسن اللوزي:
رسالة مش مؤدبة.
عدت إلى الصحيفة " الثورة " أيام أنبل من رأس تحريرها محمد ناصر الزبيدي، الذي عرفت الآن فقط من الأستاذ عبدالعزيز المنصوب أنه كان ناصريًا!!
جلست في قسم الفائض..
حتى جاء الزميل علي الأشموري ذات مساء.
قال:
أشتي أسافر البلاد، ممكن تشرف على صفحة " البريد " حتى أعود؟
رحبت على الفور وبدأت.
بدأت بتثاقل حتى ذلك المساء، كنت جالسًا أقرأ صحيفة " الأهالي " المصرية، وأيامها كانت في الأعالي..
كان يرأس تحريرها " فيليب جلاب "...
استعرضت صفحات ذلك العدد حسب المعتاد، ليقف نظري على صفحة اسمها " جلاّبكو "، فهمت على الفور أن البريد يحرره رئيس التحرير..
لأبدأ.
وأعطي الصفحة كل جهدي.
لتحتل خلال فترة قصيرة موقع أحسن صفحة، قال ذلك الوزير حسن اللوزي، برغم أنني كنت مغضوبًا عليه منذ أن تركت إدارة التحرير للمرة الأولى، ذات مساء قال لي محمد عبدالماجد، زميلي سكرتير التحرير يومها، ببراءته المعهودة:
كنا في اجتماع عند الوزير ذلك اليوم، قال إنه يريد صحيفة الثورة تكون مثل صفحة البريد.
قلت: ولماذا لم تقل لي؟
رد مبتسمًا:
خفت أن تغتر..
عشت التجربة بكل مشاعري، وحتى الزميل محمد الجرموزي، الذي كان يخرجها، تعصب لها، وكان يصرخ في وجه من يريد محاصرتها بالإعلانات...
كثيرون من الزملاء حتى ينظرون إلى صفحة البريد في الصحيفة اليومية على أنها سلة مهملات، ترمي فيها ما لا تريد أن يرى طريقه إلى بقية الصفحات، وهذا خطأ كبير..
لاحظت يومها، وهو ما جعلني أحب الصفحة أكثر من صفحة بريد الأهرام، وهي ما هي تنزل فيها أسماء كبيرة، وهذا ليس عيبًا، فصحيفة مثل الأهرام تتعاقد مع كتابها، ومن يأتي من خارج التعاقد يذهب إلى البريد، وليس ذلك عيبًا، لكنه جعل أديبًا يمنيًا كبيرًا يصرخ في وجهي برسالة لا زلت أحتفظ فيها:
" لست من رعيتك ".
كنت يومها أستعرض بعض الأسماء التي خرجت من البريد إلى الصحافة عمومًا، مثل الزميل عبده عايش وغيره كثر...
كان الأمر يستوجب الذهاب بضع خطوات إلى الأرشيف وإخراج الدليل على أنه من رعية " البريد "، لكنني لم أفعل لأن الأمر لم أهتم له كثيرًا...
بريد أي صحيفة يومية، باختصار، هو نبض الشارع، ومن الصفحة تستفيد بقية الصفحات، وبالذات التحقيقات، عمود اليومية...

تجربة متميزة عشتها بكل جوارحي، حتى انتدبت إلى أمانة العاصمة، وظللت أحررها بعض الوقت، حتى عمل من عمل على عرقلتي بخمسة لتر بترول، فتوقفت البريد...
على أنني أحس بالتميز المهني كلما أعيد استعراضها في ذهني..
ويكفيني الشهادة التي ترونها مرفقة هنا كصفحة من ديك الجن " شيخ الصحافة والصحفيين " صالح الدحان، رحمة الله عليه، في أسبوعية " 26 سبتمبر "...
