الأحد 21 يونيو 2026

المثقف ومسؤولية التغيير

لا تقاس قيمة المثقف بحجم ما يمتلكه من معلومات أو بما يحمله من شهادات، وإنما بقدر ما يتحلى به من إحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعه وقدرته على توظيف المعرفة في خدمة الصالح العام. فالمعرفة، مهما اتسعت، تفقد معناها إذا تحولت إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية أو أداة للارتزاق والابتزاز، وتكتسب قيمتها الحقيقية عندما ترتبط بالوعي والالتزام الأخلاقي وروح العطاء.

لقد ارتبط مفهوم المثقف، في جوهره، بالدور التنويري الذي يسهم في بناء الوعي العام، والدفاع عن القيم الإنسانية، والمشاركة في معالجة قضايا المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن المثقف الحقيقي هو الذي يتجاوز حدود اهتماماته الفردية الضيقة، وينخرط في هموم مجتمعه، مستندًا إلى عقل واعٍ ورؤية نقدية ومسؤولية أخلاقية.

غير أن الواقع العربي واليمني على وجه الخصوص يكشف عن مفارقة لافتة؛ فبينما توسعت دائرة التعليم وانتشرت وسائل المعرفة، لم ينعكس ذلك بالقدر الكافي على مستوى السلوك العام أو جودة الحياة الاجتماعية. بل إن كثيرًا من أصحاب المعرفة وقعوا في أسر الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة، فغابت عنهم الرسالة الاجتماعية للثقافة، وتحولت المعرفة لدى بعضهم إلى وسيلة لتحقيق النفوذ والمكانة بدلًا من أن تكون أداة للإصلاح والتغيير.

وتتحمل النخب الثقافية والاجتماعية جانبًا مهمًا من مسؤولية هذا الواقع، إذ إن الثقة التي منحها المجتمع لبعض الفئات لتؤدي دورًا قياديًا لم تُترجم دائمًا إلى أداء يرقى إلى مستوى الأمانة والمسؤولية. وقد أسهم ذلك في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والنخب، وفي تكريس أنماط من السلوك تقوم على الفردية والمنافسة غير الصحية بدلًا من العمل المشترك لتحقيق المصلحة العامة.

واللافت أن كثيرًا من الأشخاص الذين يدركون أوجه الخلل في مجتمعاتهم ويشخصون أسباب التراجع بدقة، يجدون أنفسهم منخرطين في الممارسات ذاتها التي ينتقدونها. وهكذا يتحول الوعي بالمشكلة إلى معرفة عاجزة عن إحداث التغيير، وتصبح الثقافة مجرد إدراك نظري لا ينعكس على السلوك أو الممارسة.

كما أن تحقيق التنمية والاستقرار يظل رهينًا بوجود مشروع ثقافي يعزز قيم النزاهة والمواطنة والمسؤولية. فالمجتمعات لا تنهض بالمؤسسات والقوانين وحدها، بل تحتاج إلى ثقافة عامة تؤمن بالعمل الجماعي وتحترم المصلحة الوطنية وتدرك أن نجاح الفرد لا ينفصل عن نجاح المجتمع.

إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس نقص المعرفة بقدر ما هو سوء توظيفها. فعندما تتحول الثقافة إلى شعارات براقة وخطابات جوفاء منفصلة عن الواقع، تفقد قدرتها على الإسهام في بناء الوعي، وتصبح جزءًا من الأزمة بدلًا من أن تكون جزءًا من الحل. وعندما يُشغل المواطن بقضايا هامشية على حساب مشكلاته الحقيقية، تتراجع فرص الإصلاح وتتسع مساحة الفراغ الفكري والاجتماعي.

واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى استعادة الدور الحقيقي للمثقف بوصفه قوة أخلاقية وفكرية تسهم في توجيه المجتمع نحو المستقبل. فالمثقف ليس شاهدًا محايدًا على الأزمات، بل شريك في بناء الوعي وصياغة الخيارات العامة. وكلما ارتبطت المعرفة بالمسؤولية، واقترنت الثقافة بالالتزام الوطني، ازدادت قدرة المجتمع على مواجهة تحدياته وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

إن نهضة الأوطان تبدأ حين تستعيد النخب الثقافية دورها التنويري، وحين تتحول المعرفة من رصيد شخصي إلى طاقة مجتمعية تسهم في بناء الإنسان وتعزيز قيم المواطنة وخدمة المصلحة العامة. عندها فقط تصبح الثقافة قوة للتغيير، ويصبح المثقف جديرًا بالمكانة التي يمنحها له المجتمع.