الجنوب وتجريف الذاكرة (١)
بعد سنوات طويلة من العمل في سبيل تحقيق الوحدة اليمنية، ومنذ أن كانت الوحدة حلمًا في رحم الحركة الوطنية اليمنية، ظل هذا الحلم يراود كل الأحرار على مدى مائة عام أو ينوف، وظلت الوحدة اليمنية حاضرة في أدبيات مختلف الأحزاب، وفي كتابات المثقفين اليمنيين في مختلف العقود، إلى أن تحققت في الثاني والعشرين من شهر مايو عام 1990م، بين شطري اليمن شمالًا وجنوبًا.
وبعد تحقيق الوحدة بدأت المشاكل التي افتعلها الشريك الشمالي في التوقيع على اتفاقية الوحدة، وفتحت مشاريع للقتل والاغتيال لأعضاء الحزب الاشتراكي اليمني، وقتل من قياداته في مختلف المحافظات ١٥٦ عضوًا، وفي أمانة العاصمة صنعاء قتلت قيادات كبيرة في الدولة والجيش من القادمين من عدن، أمثال العقيد ماجد مرشد، مستشار وزير الدفاع، الذي اغتيل في أحد شوارع العاصمة، بعد استدراجه إلى كمين خططت له عناصر مرتبطة بالجيش والأمن والمخابرات التابعة لعلي عبدالله صالح.
ولم يتوقف شلال الدم والاستهداف المستمر ضد قيادات شريك الوحدة الجنوبي، ووصل الأمر بالشريك الشمالي أن استهدف قيادات تاريخية يسارية لها تاريخ طويل في النضال الوطني، أمثال الأستاذ عمر عبدالله الجاوي، الأمين العام للتجمع الوحدوي اليمني، والذي نجا من هذا الاستهداف في هذا الحادث، واستشهد يومها المهندس حسن الحريبي، القيادي البارز في حزب التجمع، ليكون في طليعة شهداء اليسار، وتعرض رئيس أول حكومة بعد إعلان الوحدة المهندس حيدر أبو بكر العطاس، لكمين في شارع خولان، وقتل عدد من أفراد حراسته.
وفي تلك الفترة تعرض وزير العدل الدكتور عبدالواسع سلام، لمحاولة اغتيال نجا منها، وفقأ الرصاص إحدى عينيه، وتعرض النجل الأكبر لنائب الرئيس علي سالم البيض، لمحاولة اغتيال قتل فيها ابن أخت البيض، محمد الحامد، وتعرض سكرتير أول منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في محافظة أبين الأستاذ علي صالح عباد مقبل، لمحاولة اغتيال، وأصيب في هذا الحادث.
وخلال تلك الفترة استشهد الكثير من قيادات وأعضاء الحزب الذي كان يحكم الجنوب اليمني قبل الوحدة، وتعرضت كثير من القيادات المدينة المحسوبة على هذا الحزب، للتهميش، وتم إقصاء وتهميش الكوادر الجنوبية في جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية، وعلى إثر تلك المحاولات وصلت القيادة الجنوبية إلى قناعة بأن الاستمرار في الشراكة مع هذا الشريك ضرب من الجنون، ولا جدوى من هذه الشراكة طالما والشريك الآخر متعطش للدم ومستمر في غيه وضلاله.
