بين الثيران والمحاكم... لماذا يخاف اليمني من الدولة ويثق بمن أضاعها؟
في اليمن، عندما يختلف شخصان في كلمة، لا يتجهان إلى المحكمة، بل يبدأ البحث عن شيخ، ثم شيخ أكبر، ثم شيخ أكبر من الشيخ الأكبر، ثم تنتهي القضية بموكب سيارات، وعشرات الوسطاء، وربما مئات الثيران، بينما يقف القانون في الزاوية يتفرج وكأنه ضيف غير مدعو.
المفارقة أن الجميع يشتكي من غياب الدولة، لكن الجميع يهرب منها عندما يحين وقت الاحتكام إليها.
فإذا سألت مواطناً: لماذا لا تذهب إلى القضاء؟
سيجيبك فوراً: "القضاء بطيء".
ثم يذهب إلى قضية قبلية تستمر أشهراً أو سنوات وتنتهي بخسائر أكبر من أصل المشكلة.
هكذا أصبح اليمن يعيش حالة فريدة؛ دولة موجودة على الورق، وقبيلة موجودة في الواقع، ومواطن ضائع بين الاثنين.
القبيلة كبديل للدولة
كانت القبيلة تاريخياً مؤسسة اجتماعية توفر الحماية والتكافل في غياب الدولة المركزية. لكن المشكلة بدأت عندما تحولت من شبكة تضامن اجتماعي إلى سلطة سياسية واقتصادية وأمنية موازية.
فبدلاً من أن تدعم الدولة، أصبحت في كثير من الأحيان تنافسها.
وبدلاً من أن يكون القانون المرجعية العليا، أصبح السؤال الأول في أي قضية:
"من قبيلتك؟"
لا:
"ما هو حقك؟"
وهنا تبدأ المأساة.
لأن العدالة عندما ترتبط بالقوة الاجتماعية لا بالقانون، تتحول من حق إلى امتياز.
الاقتصاد الذي تأكله الوساطات
في الدول الطبيعية تُستثمر الأموال في المصانع والمدارس والمستشفيات.
أما في اليمن فجزء كبير من الثروة يضيع في النزاعات والوساطات والحشود والتعويضات العرفية.
اقتصاد كامل يعيش على الخلافات.
هناك من يربح من استمرار النزاع أكثر مما يربح من إنهائه.
ولهذا أصبحت بعض الأزمات تشبه المشاريع الاستثمارية.
كلما طال الخلاف زادت الأرباح.
أما المواطن فهو المستثمر الوحيد الذي يدفع ولا يحصل على أي عائد.
السياسة التي تعلمت من القبيلة
السياسة اليمنية لم تُصلح القبيلة.
بل إن السياسة نفسها أصبحت أكثر قبلية.
الأحزاب تتحدث عن الدولة المدنية نهاراً، ثم تبحث عن الغطاء القبلي ليلاً.
والقيادات ترفع شعارات المؤسسات، لكنها عند أول أزمة تستنجد بالمشايخ.
حتى إن المواطن أصبح يشعر أحياناً أن الدولة مجرد مكتب علاقات عامة للقبيلة، وليست بديلاً عنها.
الأمن بين البندقية والقانون
في الدول المستقرة يشعر المواطن بالأمان عندما يرى رجل الشرطة.
أما في اليمن فالسؤال الأول يكون:
"مع من هذا الرجل؟"
لأن النفوذ الشخصي والقبلي كثيراً ما يسبق سلطة القانون.
وهذه ليست مشكلة أمنية فقط.
بل مشكلة ثقة.
فعندما يفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات، يبحثون عن الحماية في الهويات الصغيرة: قبيلة، منطقة، جماعة، أو أي إطار آخر.
وهكذا تتراجع الدولة خطوة بعد خطوة.
ثقافة الفيد والغنيمة
من أخطر ما أنتجته عقود الصراع هو انتشار ثقافة الغنيمة.
البعض لم يعد يسأل:
كيف نبني؟
بل:
كيف نقتسم؟
وكأن الوطن وليمة كبيرة، ومن يصل أولاً يأخذ أكبر قطعة.
هذه الثقافة دمرت السياسة والاقتصاد والإدارة.
وجعلت كثيراً من المناصب تُنظر إليها كفرصة للكسب لا كمسؤولية للخدمة.
الكوميديا السوداء
المشهد اليمني أحياناً يبدو كأنه مسلسل كوميدي حزين.
شعب جائع يناقش أسعار الخبز.
ونخب تتجادل حول الألقاب.
موظف بلا راتب منذ سنوات.
ومسؤول يتحدث عن الإنجازات التاريخية.
مريض لا يجد دواء.
وسياسي يتحدث عن الانتصارات العظيمة.
قاضٍ ينتظر تنفيذ حكمه.
وشيخ ينفذ حكماً عرفياً خلال ساعات.
ثم نتساءل باستغراب:
لماذا لا يثق الناس بالدولة؟
الخروج من الحلقة المفرغة
اليمن لا يحتاج إلى المزيد من الثيران في الخصومات.
ولا إلى المزيد من الوسطاء.
ولا إلى المزيد من الشعارات.
اليمن يحتاج إلى شيء أبسط بكثير:
دولة.
دولة لا تسأل المواطن عن قبيلته.
ولا عن منطقته.
ولا عن نفوذه.
دولة تسأل فقط:
أين الحق؟
وأين القانون؟
عندما تصبح المحكمة أقوى من الوساطة، والقانون أعلى من النفوذ، والمواطنة أكبر من العصبية، عندها فقط سيتوقف اليمني عن البحث عن العدالة في مجالس الرجال، وسيجدها في مؤسسات الدولة.
وحتى يحدث ذلك، سيظل المواطن يدفع ثمن أزمة لم يصنعها، بينما يتقاسم الآخرون فاتورة الوطن باسم العرف، والسياسة، والمصلحة العامة.
