بين تقييم التجارب ومناكفات السياسة
ليس ثمة شك في أن تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967-1990) حافل بالإنجازات والإخفاقات، كما هو حال جميع الدول والتجارب السياسية. ومن حق الباحثين والمؤرخين دراسة تلك المرحلة ونقدها وتقييمها بموضوعية، بعيدًا عن التقديس أو الشيطنة.
غير أن اللافت هو تصاعد الدعوات التي تطالب باعتذارات عن أخطاء تلك المرحلة، وكأن الجمهورية التي قامت آنذاك لا تزال كيانًا سياسيًا قائمًا يمكن مساءلته أو مطالبته بتحمل المسؤولية.
فالواقع أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية انتهت قانونيًا وسياسيًا بقيام الوحدة اليمنية عام 1990، حين ذابت طوعًا في دولة جديدة ذات شخصية اعتبارية مختلفة. وبالتالي فإن الأخطاء التي ارتُكبت خلال تلك الحقبة كانت أخطاء دولة بمؤسساتها وسياساتها، وليست مجرد أخطاء شخصية ارتكبها أفراد يمكن تحميلهم وحدهم مسؤولية مرحلة تاريخية بأكملها.
إن تقييم التجربة التاريخية أمر مشروع وضروري، لأنه يهدف إلى استخلاص الدروس والعبر. أما تحويل هذا التقييم إلى مطالبات سياسية بالاعتذار عن كيان لم يعد قائمًا، فهو يثير تساؤلات حول الغاية الحقيقية من تلك الدعوات، خاصة عندما تُستخدم بصورة انتقائية تخدم الخصومات السياسية أكثر مما تخدم الحقيقة التاريخية.
إن الأمم تتقدم عندما تقرأ تاريخها بعين ناقدة ومنصفة، فتستفيد من نجاحاته وتتجنب تكرار أخطائه، لا عندما توظف الماضي في معارك الحاضر أو تجعل من التاريخ ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
ولهذا، فإن المطلوب ليس تبرئة أي تجربة من أخطائها، ولا إنكار ما وقع فيها من تجاوزات، وإنما وضع تلك الأخطاء في سياقها التاريخي الصحيح، والتعامل معها باعتبارها جزءًا من تجربة دولة انتهت، لا مادة دائمة للمناكفات السياسية التي لا تضيف إلى الوعي الوطني بقدر ما تعمق الانقسام وتعيد إنتاج صراعات الماضي.
