الأحد 21 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • بين السعادة والألم: العالم يعيش في عرس كروي عالمي واليمن يعيش في دوائر المأساة

بين السعادة والألم: العالم يعيش في عرس كروي عالمي واليمن يعيش في دوائر المأساة

للعام الحادي عشر على التوالي، واليمنيون لا يزالون حتى اليوم يتجرعون المآسي والأحزان، دون أن يكون هناك أي مؤشر أو أمل للخروج من هذه الدوامة التي نعيشها. فالعالم عاش ثلاث مناسبات كروية مهمة: كأس العالم في روسيا عام 2018م، ثم كأس العالم في قطر 2022م، واليوم يعيش عرساً كروياً جديداً في كأس العالم أمريكا، كندا، المكسيك 2026م. بينما اليمنيون يكابدون الحياة من يوم لآخر، ومن أسبوع لمثله، ومن شهر إلى الذي يليه، ومن عام حافل بالألم، إلى عام تُنكَّس فيه الآمال والأحلام. 

هكذا فرض الزمن تغوله علينا، في حين كانت الكرة تدور في ملاعب الفرح، بينما وطننا يدور في دوائر المأساة، وأصبحنا ندور خارج زمن العالم، بجناح مكسور، تحمله عربة لا تدور عجلاتها نحو المستقبل، بل تسير عكس عقارب الزمن. بينما يزهو العالم بـ 90 دقيقة من الفرح، اليمن يزهو بـ 11 عاماً من الحرب، وهذا هو توقيت اليمن الجريح في ساعة العالم، فنحن نعيش بتوقيت مختلف لا يشبه أي توقيت.

توحدت الإنسانية حول كرة القدم، وتفرقت حول اليمن، بصورة انتقائية تفضح نفاق العالم الذي يتوحد في اللعب، بينما لا يحرك الدم اليمني مشاعر الإنسانية التي قُبرت معها كل شيء حلمنا به كل يوم. في حين تعيش جغرافية العالم في فرح كروي عالمي، ظلت اليمن ولا تزال صورة قاتمة لا ضوء يدخل إليها ولا صراخ يُسمع لها، حتى غدا صبحنا يواري أمسنا، الذي دفناه يوم أن عجزت الإنسانية أن تضمد جراحنا، التي علقت معنا، فأُهملت قوافل الموتى ونياح الثكالى. بينما استجاب العالم لاعتراضات الـ (VAR)، فعولجت قضايا التسلل، وأُهملت أصوات الضحايا. فالعالم يمتلك تقنيات دقيقة لمراجعة كل شيء، إلا مآسي اليمن التي تسلل إليها جميع غدر الزمان، وأُهينت فيه مروءة الرجال، وذُبحت فيه القيم على غير عادتها. وبين هذا وذاك جمعنا أشلاءنا التي صمتت في رحى تراب المقابر، حتى لا يتبعثر ما تبقى من كرامة في قارعة الطريق المليئة بمعدومي القيم، الذين سجلوا أهدافهم متسللين في مرمى مآسينا دون أن نملك حق الاعتراض، لا لشيء إلا لأننا فقدنا ملعبنا لصالح خصمنا، ورمينا كرتنا للجمهور، وانتظرنا الجميع بصمت يسجل في مآسينا. وبين جدل السعادة والألم في العرس الكروي العالمي، لا يزال اليمن يدور خارج الزمن.

ورغم استمرار الجدل، حسب المفهوم "الهيجلي" كما هو حال اليمن والاستقرار، لأن جوهر المأساة يدور خارج الزمن، في حين أن اليمن تعيش خارج منفى زمن العالم الموحد تجاه المستديرة، التي يتراقص أمامها كل الكوكب، في حين يُدفن الوطن في براثن الظلم، لأن الضمير الإنساني معطل عن العمل حتى إشعار آخر، لأن العالم لا يرى الأخطاء إلا في الملعب، لكنه لا يدرك حلقة الضحايا في اليمن طوال عقد من الصراع المرير، الذي لا زلنا نعيش جزءاً من فصوله اليوم. والمفارقة العجيبة، بل الحقيقة المرة، أن التكنولوجيا وتقنيات كرة القدم في الملاعب أكثر دقة من ضمير الإنسانية العالمية، والإقليمية، تجاه اليمن، الذي يكابد أبناؤه الحياة في كل يوم تطلع فيه الشمس. ورغم انتهاء لهيب المدافع في الميادين، لا زالت آثارها توقظ حياتنا بالآلام، التي لم نستطع أن نتخلص منها، كونها ملازمة لنا مثل عشق المستديرة للشباك في الملعب، نتيجة انعدام أدنى مقومات الحياة، وعدم قدرتنا على تأمين أبسط مقوماتها. وأصبحنا كفريق كرة القدم يمتلك نخبة من المهاجمين، ولا يمتلك أدنى فكرة عن الدفاع أو حراسة المرمى.

وبين الأماني والأحلام فقدنا الأمل في الخروج من تلك الدائرة المرة التي أخذت منا الكثير، ودفعنا ثمنها الكثير من أرواحنا، وأصبحنا نعيش في حالة من الفراغ والخوف في ظل قتامة المشهد السياسي "لا حرب ولا سلم" وبينهما ذهبت أعمارنا ونحن نترقب وننتظر دون جدوى أن يحل علينا فجر الحياة الذي يغلق معه باب مأساتنا المستمرة التي لا تزال تنزف، نتيجة انعدام الحلول، ومعالجة الأوضاع. فمأساة كرة القدم قد تنتهي عند قراءة الاتحاد أسباب المشاكل والأخطاء، وقد يكتشف أن الفريق يحتاج إلى مدرب جديد يمتلك خبرة، وقدرة على ضبط إيقاع الفريق، والقدرة على انتشاله من الإخفاقات المستمرة، عندها تنتهي المشكلة. في حين إيقاع المشكلة اليمنية يتطور يوماً بعد آخر، ليس نحو الأفضل بل ينحدر نحو قاع سحيق بعيداً عن اجتراح الحلول التي تضمد مآسي اليمنيين، في شرق البلاد وغربها، وجنوبها وشمالها. فالمعاناة أصبحت تلازمنا كل يوم وبتنا لا نمتلك قوت يومنا، ولا نشعر أننا سنحصل على وجبة كاملة ليوم غد.

والخلاصة: أننا بتنا اليوم بحاجة إلى امتلاك العقلانية لنحافظ على ما تبقى من وطن بتنا نعيش الغربة بين جنباته، ونعيش العوز والفقر في جميع مؤسساته، ولا نمتلك شظف البقاء إلى ما لا نهاية هكذا دون أفق في أن نعيش على ترابه حياة كريمة، لا نحلم فيها بأكثر من توفير لقمة عيشنا بهدوء وكرامة. فأعمارنا استُنزفت وأرواحنا أُرهقت طوال عقد من الزمن، وبتنا غير قادرين على دفع ثمن أكثر مما دفعناه إلى اليوم، فهل من مستجيب يا قوم.

رئيس قسم التاريخ - جامعة ذمار