انتبهوا لأطفالكم!
مَسَاجِدكُم ومَواخِيركُم * سواءٌ؛ فَبُعدًا لَكُمْ من بَشَرْ
فَيَا ليتني في الثرَّى لا أقوم* إنِ الَّلهُ ناَداكُمُ أو حَشَرْ
المعري
عَليكُم أن تَخافُوا على أولادكم حين يذهبون إلى المساجد، أو المدارس؛ بالقدر نفسه، أو أكثر؛ حين يهملون دروسهم، ويتخلون عن واجباتهم، ويرتادون البارات والكبريهات.
الدِّين فطرة طبيعية في الإنسان. وهو والمَحبَّة صنوان سقيا من عين صافية واحدة. فإذا لم يَنمُ الدِّين في الفَرد أو الجَماعَة بشكل طبيعي، وسهل، وسمح؛ صَار مسخًا ووحشًا قبيحَ المنظر؛ يتغذى على الكراهية، ويقتات من العنف والحقد؛ فينتج الإرهاب والتطرف والجريمة المبرَّرة. هذا في أسوأ حالاته.
أمَّا في أحسن حالاته غير السَّوية: فإن ضَررَ المتدين يقتصر على نفسه، فتظلم الدنيا في عينيه؛ لأنَّهُ يراها عقدة وخَطيئة وذنبًا يَحُول دون النَّعيم الأخروي وَرِضَا الرَّب سبحانه.
ولإن الإنسان خُلِقَ من هذه الثنائية الروح، والجسد. فمن الحماقة إقامة الخصومة بينهما، وبذل الجهد في التفريق بينهما كما يفعل كثير من المتدينين السطحيين.
لقد آن الأوان الكفَّ عن هذا التمييز الظالم؛ فلا نفرق بين هذين المخلوقين الذي شاء الله لهما أن يزدوجا في الإنسان؛ كازدواج آدم وحواء، وبهما -مَعًا- صَارَ الإنسان إنسانًا ناطقًا عَاقلاً مفكرًا ذا شعور وعواطف وأحاسيس.
وقد دَلَّت حوادث كثيرة بأنَّ النزوع الديني البريء غير الموجَّه برعاية وإرشاد سليم، على يد علماء صالحين ربانيين؛ يصير خَطرًا يُهَدِّد صاحبه ويجني على حياته ومستقبله.
تذكر الأحاديث أنَّ بعض الصحابة أرادوا الاختصاء؛ فنهاهم النبي -عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وَدَلَّهم على ما هو أنسب لهم كبشر مخلوقين من لحم ودم.
وإذا كنت قد مررت بحالة مشابهة، وقمت بحلق شعري كعقوبة أمضيتها على نفسي بسبب شعور إنساني طبيعي، فلم أستغرب حين قرأت عن بعض المتدينين المخلصين المسيحيين، قام بجَبِّ ذكره بالفأس في أحد الأديرة بالعراق؛ لمثل هذا النُّزوع الإنساني الفطري والطبيعي الذي راوده وشعر به؛ فعاقبَ نفسه عِقابًا ظالمًا قَاسيًا، وتمَّ إسعافه وهو يَشخَّب دَمًا.
إنَّ أسوأ عادة، وأخطر فكرة في تاريخ البشرية، تربينا عليها، وتلقيناها في مساجدنا أو مدارسنا ومجتمعاتنا= هي الصِّيغة النحوية؛ «صيغة أفعل التفضيل»: أفضَل مِنْ، وَأجمَلْ مِنْ، وَأحسَنْ مِن، وأذكى من... إلخ.
فَـلـِ«أفعل التفضيل» قِصَّة طويلة وقديمة قدم البشرية نفسها، وهي من مبتكرات إبليس، وقد مشى الإنسان على سنته باتباعه فيها:
فأيُّهمَا أفضل: إبليس أم آدم؟
الأنبياء أم الملائكة؟
الرَّوح أم الجسد؟
الذَّكَر أم الأنثى؟
الليل أم النهار؟
الشَّرق أم الغرب؟
عدنان أم قحطان؟
الأمويين، أم العباسيين، أم العلويين؟
بغداد، أم بلاد الشام؟
البصرة أم الكوفة؟
العرب، أم الفرس، أم الأكراد، أم الأمازيغ، أم التُّرك، أم الأرمن؟
اليهود، أم المسيحيين، أم المسلمين، أم البوذيين؟
الفقهاء، أم المُحَدِّثين، أم الصُّوفية؟
العلوم الدنيوية أم العلوم الأخروية؟
علم الظاهر أم علم الباطن؟
الشيعة، أم السُّنة، أم الإباضية؟
الزيدية، أم الاثنا عشرية، أم الإسماعيلية، أم الدروز، أم العلويين؟
الشافعية، أم الحنفية، أم المالكية، أم الحنابلة؟
الشمال أم الجنوب؟
اليمن الأعلى، أم اليمن الأسفل؟
وكما ترونَ فإن فُضِلَّت بغداد على بلاد الشَّام: أخذ النقاش والنزاع مَنحىً أكثر دِقَّةً وتفصيلاً؛ بأيهما أفضل: البصرة، أم الكوفة؟
وإن فُضِّلت إحدى الفرقتين: السُّنة، أو الشيعة، فلن يحسم الأمر كذلك، ولا مَناصَ من تفضيل أحد مذاهبها على الباقي.
فهي إذًا قضايا لا تنتهي، ولا تُحَلّ بهذه الطريقة؛ وهي لا تزال تضيق، وتضيق، وتضيق حتى تخنق صاحبها وتقضي عليه؛ كما هو حالنا نحن الآن.
إنَّ هذا لا يعني أن نَفقدَ الميزان والمعايرة بين الأشياء: بين الحق، والباطل، والظلم والعدل، والخير والشر. والمحبة والكراهية.
لكن السؤال يَظلَّ قائمًا: كيف تُقَاس الأشياء؟ هل تقاس وِفقًا لهذا المنطق القديم البالغ السوء، أم وفقًا لمعايير إنسانية عالمية لا يختلف عليها اثنان من بني البشر؟
إنَّ الفطرة الإنسانية، وَالأديان السَّوِية، والمعايير الأخلاقية هي الحكم العدل في كُلِّ هذا. فالذي جعل من شعوب أوروبا تخرج في مظاهرات حاشدة تندد بإبادة غزة، وتدين الكيان الصهيوني؛ هو الميزان الإنساني الأخلاقي الذي لا يظلم عنده أحدًا.
فالفكر الأوروبي الحديث الذي يمثله المواطن الأوروبي هو نتاج إنساني غير مقتصر في جذوره على تراث الغرب وحده؛ بل يجد منابعه في الإنسانية جمعاء بما فيها تراث الشَّرق بآفاقه الإنسانية والأخلاقية الرَّحبة، ولا يمت بأيِّ صلة للأنظمة الرأسمالية المركزية الغربية القائمة على الاستعمار، وإقامة الحروب، وتدمير الحياة، ونهب ثروات الشعوب.
