بَعْضٌ مِنْ مَحَاسِن الْقَرْيَةِ (1-2)
بعيداً عن الكتابة بالسياسة، ولو مؤقتاً! وكذلك البُعد عن متابعة معظم الأخبار المُزعجة غالباً والمريحة نادراً! إضافة إلى البعد عن التواصل الاجتماعي، وإن لم أمتلك الشجاعة بذلك لتوافرها بالقرية.. لذا، رأيت الذهاب إلى مسقط الرأس.
فلقد قضيتُ بضعة أيام خلال أيام عيد الأضحى المبارك، بقريتي أو بالأحرى بعُزلتي -عزلة بني بكاري- مديرية جبل حبشي والواقعة غرب مدينة تعز.. تلك العزلة، التي تُعد كما أعتبرها شخصياً، عزلة الشّغَف والحب والجمال، والحرية، والعِصَامية والطموح، والشموخ والإباء.. عُزلة واسعة الرقعة وطيبة البُقعة.. حتى تكاد تكون هي سُرة المديرية ووجهها وأنموذجها وعنوانها الجلي.. لا أقول هذه المحاسن التي هي مجرد غيض من فيض وجزء من كل، تعصباً لمسقط رأسي بقدر ما هي الحقيقة بل جزء من الحقيقة..

ولأن 90% من أبنائها مغتربون، ومعظمهم في وطنهم الثاني، الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، ودون أن تخلو معظم محافظات ومدن اليمن منهم أيضاً.. لذلك، لا غرابة أن تمتاز عمَّا عداها من عُزل مديرية "جبل حبشي"، بجوانب كبيرة، سواء بالبناء والإعمار وإن اقتصر ذلك على ما حققه الأفراد بما يخص بناء منازل خاصة بهم، أو -وهو الأهم- بارتفاع نسبة المتعلمين وحجم الوعي بين أبنائها سواء المغتربين منهم، وهم الكثرة، أو من ظلوا بنفس العُزلة، ولذا، لا غرابة أن تظل عزلة "بني بكاري" طاهرة نقية من وجود "المليشيات" الحوثية والمتحوثين! حتى ولو قد يوجد بضعة أفراد متحوثين لا يصل عددهم عدد أصابع اليد، ولأسباب مادية، وليس عقائدية، فإن تأثيرهم على غيرهم يكاد يكون صفراً! وتلك ميزة تكاد تكون أنموذجاً حقاً لِمَا عداها خاصة بالمديرية.

وما يخص حجم المغتربين وقيامهم ببناء منازل حديثة خاصة بهم قد يكون ذلك من بعض أثرهم تقليص الرقعة الزراعية التي سادت في الماضي القريب، وذلك هو ثمن الغربة التي لها محاسن حتماً، بقدر بعض الثمن الذي لا بد منه بسببها!
كذلك، تكاد عزلة "بني بكاري" تمتاز عما عَدَاها بفرادة استثنائية، حيث الود والوئام والإيثار والتآلف بين أبنائها مع بعضهم البعض! حتى ولو أن عوامل الفُرقة قد تكون اليوم أكثر من عوامل الأُلفة التي سادت بين الآباء والأجداد، إلا أن بعضها وربما معظمها لاتزال سائدة اليوم! بخاصة مع الحرص على التذكير بالماضي القريب؛ ليكون ذلك دافعاً للمزيد من الحفاظ على الوئام والأُلفة والتآلف، والثقة بين أبناء العزلة، والغريب وهو ما قد يُحير كاتب هذه "الدردشة" أن ذلك الود والحب والإيثار يكاد يكون شبه معدوم بين بعض أبناء العزلة تجاه بعضهم البعض في (الغربة)، بجانب أزمة الثقة فيما بينهم حسب معايشتي للبعض هناك! ولأسباب لا أخال ذكر بعضها هنا مناسباً حالياً! وإن كانت بعض تلك الأسباب هي تدخّل بعض الفئات الأُخرى فيما بينهم؟ والله أعلم! مع أن المُفترض يكون العكس! ولو تأسياً بمعظم الأشقاء من أبناء محافظة حضرموت العزيزة! ممن يتواجدون بنفس مكان الغربة ذاتها!
ثم، ما يُميز أبناء عزلة "بني بكاري" عمّن عَدَاهم، وهو الأهم مما سبق ذكره، هو التداخل الأُسري بين مختلف أُسر العُزلة، وبصورة غير مسبوقة بغيرها! وذلك قد لا يكون الدافع لإحياء بعض سُنن الآباء والأجداد فقط، وإنما يكمن الدافع الحق في الرغبة والحب والإعجاب، وما يُعرف أيضاً على ابنة هذه العزلة من عوامل إيجابية تكاد تنحصر بها عمّا عداها، وهي كثيرة، قد تحتاج لسرد خاص بها! ثم تجسيداً للانتماء الواحد للعزلة، ودون أن يقف ذلك حائلاً أمام اختلاف بعض أسماء الأُسر التي تتزاوج بين بعضها البعض دوماً! ولأن الاختلاف إنما هو في بعض المُسميات وبالعرض وليس بالجوهر! وذلك ما ظهر جلياً خلال مناسبات الأعراس التي تعايشتُ معها مؤخراً.
حبا الله (العزلة) موضوع هذه "الدردشة" بطبيعة خَلَّابة، تكاد كل محاسن الدنيا قد اجتمعت وانحصرت بها! بخاصة وأن المياه العذبة لذة الدنيا والآخرة معاً، متوافرة في ها على مدار العام، ومن عدة وديان، وبوجه خاص من "الغيل" الذي ظل ولايزال منذ الأمد عنوان العُزلة الجلي، وإن افتقد أمثالي تجمع أنفاس "حِسان الأمس!" فيه، حيث باتت المياه ممدودةٌ بقصب إلى داخل المنازل كمنازل (المدينة) تماماً! كما أن الأمطار تنزل في موسمها وفي غير موسمها بالعزلة.
وحينما تواجدتُ فيها مؤخراً، كنا، كلما فضلنا البقاء أمام بعض المنازل، حيث التمتع هُنيئة، بالهواء النسيم والمناظر الطبيعية الجميلة، بما في ذلك مُشاهدة بعض المنازل الحديثة التي بُنيت على قمم الجبال! وإن كانت بعض الغيوم تملؤها غالباً! فإنه سرعان ما ينهمر المطر، إذ تترقرق مُقلة السماء، وتتآلف أنواع الغيوم، ونظل نستمتع بسماع الرعد والبرق، لينطلق من خلال ذلك لسان الرعد ويخفق قلب البرق، بينما تظل السحاب ترسل الأمطار شيئاً فشيئاً، لنُشاهد إثر ذلك من النوافذ وشرفات المنازل أحياناً السيل وقد بلغ (الزبى)، ورؤية المياه وقد غمرت الأحوال والوديان.. فيا لجمال ذلك المنظر وقتها!
وفي المساء نظل ونحن على أسطح المنازل أو أمامها، نُشاهد القمر، أجمل الكواكب صورة وأوضحها منظراً.. فلكم نحرم أنفسنا داخل المُدن من رؤية القمر رغم أنه يوجد في نفس المكان والزمان، فيا لتعاسة المدن! وهو ما ينطبق على معايشة الفجر بنسيمه العليل.. ثم، مشاهدة ظهور الشمس، أعظم النجوم منظراً وأسطعها ضوءاً، رغم ضجيج بعض الحداثة التي طرأت على الريف مؤخراً، وإن لم تقف حائلاً أمام مشاهدة الشمس والقمر بتلك الرؤية والمشاهدة، وتلك بمجملها هي من البقية الباقية من أيام الطفولة الجميلة رغم الاختلاف اليوم في العرض دون الجوهر.

ورغم بعض التغييرات التي حدثت في عزلة "بني بكاري" أُسوّة بغيرها من العُزل، أكان ذلك بنمط الحياة بوجه عام، أو بنفسية بعض الناس، وإلى درجة عدم استمرار بقاء الجار قبل الدار، ولا الصديق عند الضيق، ولا الأقربون أولى بالمعروف، كما كان ذلك سائداً في ماضي العزلة القريب، إلا أن جزءًا من هذه المحاسن، وروح العُزلة وتحديدا قرية (الطفل) كاتب هذه "الدردشة"، لاتزال تتمتع بها وببعض صفاء ووفاء وبراءة الأمس!
وخلال تواجدي بالقرية أو بالعزلة، شاركتُ بعض أبنائها الشباب في أعراسهم الميمونة، ومعظمهم يعودون من الغربة لغرض الزواج فحسب! وأُعجبت أيما إعجاب باستمرار بقاء العادات المُصاحبة للأعراس أو بالأحرى بعضها، إضافة إلى مشاهدة الأضواء المتناثرة على أسطح منازل العرسان ، بخاصة عند دخول "العروس"، والتي جاءت هذه الأضواء الملونة والجميلة عوضاً عن "الرصاص".. وتلك لعمري قمة العقل وفعل الصواب، بخاصة مع خطورة استخدام الرصاص عند مثل هذه المناسبات بوجه خاص، وما يخلف من كوارث ومحن لا تُحمد عقباها، وهو ما حدث بنفس العُزلة، وإن بصورة ضئيلة، قياساً لغيرها!

ورغم محاسن القرية أو العُزلة التي أسطر هذه الأحرف عنها، إلا أنها لاتزال تفتقر إلى العديد من الضروريات، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر. وكما أرى شخصياً، فإن العزلة بحاجة إلى قاعة كبيرة، خاصة بالأعراس والمآتم، والمناسبات العامة، يتم اختيار مكان مناسب لها بحيث يسهل الوصول إليها من كل القرى بالعزلة. وتلك القاعة قد تكون عوضاً عن إقامة المناسبات، بخاصة الأعراس، في بعض المنازل، والتي بعضها ضيقة، وأُخرى توجد بعض المشقة في الوصول إليها بسبب وعورة (الطريق) إلى أسباب أُخرى معروفة!
وفي الوقت الذي كنتُ أسطر بعض هذه الأحرف، وأتناقش حول فحواها مع بعض الحضور بمجلسي (المتواضع)، ومنهم العزيز "فهد المصبوح" الذي اقترح أهمية وجود مُصلَّى واحد للعيدين ولكل أبناء العزلة، يتم اختياره بالتشاور مع كل أبناء العزلة، ولما يمثل ذلك من مودة وحب وصفاء، ومزيداً من التراحم والتعاطف والتسامح... إلخ.. وها أنا أضم صوتي إليه باقتراحه الجميل هذا!
ودون أن أنسى هنا، تواجد بعض "النازحين" بالعزلة بسبب حرب "المليشيات" الحوثية، أخزاهم الله، ومنهم من اتخذ منازل بعض المغتربين مقراً لإقامتهم المؤقتة! وبالتراضي مع ملاكها! مع تواجد بعضهم بمقر المدرسة (القديمة). هؤلاء النازحون، بل وبعض الأُسر من نفس أسر العزلة نفسها، بحاجة إلى مد يد العون لهم، بخاصة وأن بعض تلك الأُسر، يصعب إذ لم يستحل عليها إظهار حاجتها لأبسط المواد الأساسية، وإن كان بعض الخيرين من نفس أبناء الأسر (المغتربين) غير مقصرين بهذا الجانب، إلا أن حاجة النازحين فضلاً عن بعض الأُسر، وهي في المقدمة، لايزالان بالحاجة إلى المزيد من مد يد العون المادي والمعنوي!
تعز، في 21/6/2026م
