السبت 20 يونيو 2026

مرارة الوعي في زمن الانطفاء..!

"إن كل الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي كاتباً واحداً".
هذه الصرخة ليست من بنات أفكاري، وإنما أطلقها الأديب العربي الكبير يوسف إدريس ذات يوم قبل بضعة عقود من السنوات.

يوسف إدريس
يوسف إدريس

لكأن هذا المبدع الاستثنائي لم يكن يتنبأ بضيق هامش المساحة المسموح بها للكاتب فحسب بالقدر الذي كان يصف فيه اختناق الروح الإبداعية في شرنقة القيود المحكمة.

كان يشكو عجز المبدع عن ممارسة كينونته الكاملة، بعيدًا عن مقص الرقيب السياسي، وتكلس المنظومات الفكرية، والجمود الاجتماعي الحارس للمألوف، والتعصب الديني الذي يرى في كل مغايرة مروقًا.

اليوم، وبعد عقود على رحيل إدريس، وبعد أكثر من عشر سنوات على وقوفي شخصيًا أمام هذه العبارة متأملًا، لا يمكننا القول إن المبدع العربي قد تجاوز تلك الأسوار؛ بل إن الأسوار قد نمت لها مخالب جديدة.

لقد تضاعفت العوائق وتناسلت؛ فإلى جانب الكوابح الموضوعية العامة، برزت عوائق ذاتية ونفسية هي في الأصل نتاج شرس لتلك الظروف الموضوعية.

وأقصد بذلك السياسة الممنهجة للمؤسسات الرسمية والكيانات الطارئة التي تعمد إلى شطب كل ما يمت بصلة للإبداع الحقيقي، وممارسة التهميش المتعمد ضد المفكر الحر.

إن من يحالفه الحظ اليوم، أو يجد له حظوة في بلاط النفوذ، فليس لأنه أبدع، بل لأنه قبل أن يكون "رديفًا للسياسي"؛ يرتدفه الطاغية أو الحزب أو المليشيا خلفه على ظهر دبابته، ويوجهه كيفما تشاء الغايات الأيديولوجية الضيقة.

أما المبدع الحقيقي -ذاك الذي تمنعه عزة كبريائه ونقاء موهبته من تسويق فكره في أسواق النخاسة- فلن يُلتفت إليه، وسيظل غريبًا، غير مرغوب فيه من قِبل ساسة وكيانات تعيش خارج العصر، وتقتات على التخلف والتبعية.

المثقف الحقيقي يربأ بنفسه وبوعيه عن أن يكون مطية تُركب، أو تابعًا يُوجَّه يمنة ويسرة في طوابير القطعان، أو مسلوب الرأي لا يملك من أمره إلا هز الرأس والموافقة المذلة (تمام... نعم.. حاضر.. مرحبا.. أوكييييييه!).

إن المبدع الأصيل لا يطمح مطلقًا لأن يكون زعيمًا ثوريًا بالمعنى الشائع؛ لأن زعامته الحقيقية كامنة في وعيه، ومحفورة في عمق فكره.

هو لا يلهث ليكون في مقدمة الصفوف المتدافعة في الساحات، لأن الثورة بالنسبة إليه تنبت وتورق في خلايا وعيه قبل أن تُبذر فوق أية أرضية ترابية.

الثورة مكون أساسي من مكونات تركيبته البيولوجية؛ إنها متمثلة في تمرده الفكري الأزلي، وهي سابقة بالضرورة لكل أشكال الثورات الشارعية العابرة.

ثورته المعرفية لا تخمد، وجذوتها مستمرة تتوقد، لا تنطفئ إلا إذا انطفأت روحه وغادرت جسده.

لهذا السبب، يأبى المبدع أن يكون "مُريدًا جاهلًا" في حلقة دجال سياسي، أو لعبة يحركها غيره بـ"الريموت كنترول" من وراء البحار أو من غرف الاستخبارات، ويرفض بشكل مطلق أن يكرر السير في قطيع ثورات عاهرة، تبيع دماء أنقيائها لتشتري بها كراسي لأسوأ ما فيها، وبلا أدنى حياء.

لكل هذا، وغيره مما هو كبير وعميق، لا يعاني مبدع اليوم مما كان يعاني منه جيل النصف الثاني من القرن المنصرم فحسب، بل يواجه انسدادات وجودية وتاريخية مرعبة، تنعكس بقتامتها وحواجزها الخرسانية على ذاته، وتكبل أصابعه عن إنجاز مشاريعه المؤجلة.

قبل أكثر من عشر سنوات غادرتني لحظة كنت فيها غارقًا في صمت ثقيل، وسألني حينها صديق كان يرقبني: يا ترى، بماذا كنت تفكر في تلك اللحظة..؟

أجبته والحسرة تملأ صوتي: أفكر بانفراط السنوات سريعة كحبات سبحة انقطع خيطها، ولما أخرج من خزائن عقلي ووعيي ما نسبته حتى واحد بالمائة مما كنت أخطط لكتابته من مشاريع فكرية (روايات، مجموعات قصصية، دراسات نقدية... إلخ).

قاطعني متفاجئًا: ولكنك كتبت كثيرًا، وتوزع إنتاجك في أكثر من جانب..!

أجبته: هذا صحيح.. لكن ما لا تعلمه هو أن كل ما كتبته منذ احترفت الكتابة حتى هذه اللحظة، ربما إنه انتهى كلية، واحترق ضمن مكتبتي التي أتت عليها أحداث "الحصبة" الدامية عام 2011م.

أما الموجود المتبقي مبعثرًا هنا وهناك، فلكي ينشر في كتب وإصدارات، يحتاج إلى تفرغ تام لإعادة استخراج ما فُقد من أرشيفي في أراشيف الصحف والمجلات القديمة لاستكمال الفصول الناقصة.

يستحيل عليّ عقليًا وأدبيًا أن أنشر المبتور دون إكمال النقص، وهذا طبعًا يحتاج لوقت، وجهد، ومال... وثلاثتها شحيحة في زمن الحرب والشتات.

واليوم، وأنا أعيد تأمل تلك اللحظة بعد مرور أكثر من عقد على ذلك السؤال، يزداد الرعب عمقًا.

أخشى ما أخشاه الآن أن تنطفئ العين عن العمر، ويدفن معها في تراب النسيان ما تغص به رفوف الوعي من أسرار، وحكايات، ودراسات، ورؤى.

لعلك الآن يا صديقي -وأنت تقرأني اليوم بوعي اللحظة الراهنة- أدركت سر الحسرة المحترقة في تلافيف بقايا روح أتعبها الانتظار.

حسرة انعكست ألوانها الرمادية فوق سحنات وجه ناضح بالخيبات، ونظرة طال صمتها وهي تحدق في الأشياء المرصوصة داخل رفوف الذاكرة المتآكلة، تتساءل في كل صباح: هل ستخرج تلك الأشياء يومًا إلى الوجود؟

هل ستبقى شاهدة على أن هذا الإنسان لم يمر على هذه الأرض عابرًا أو صامتًا كالكثيرين الذين عبروا ولم يتركوا أثرًا، وإنما كقليلين مروا عليها كالفلاسفة، يقرؤون تفاصيلها بدقة، ويدونون ما فهموه من شيفراتها المعقدة لمن سيأتي بعدهم من الأجيال؟

لعلك الآن أدركت إلى ما تتمعنه روح البصيرة في هذا الزمن الرديء..

إنها مأساة "زرقاء اليمامة"؛ الروح ترى الاتجاهات الصحيحة للأشياء، وتبصر الهاوية قبل خطوتين، لكنها تقف عاجزة، بكل ثقل وعيها، عن حمل الناس على فهم الحقيقة.. ومأخوذة بمرارة ألا يأخذها أحدٌ على محمل الجد..!