عبدالفتاح إسماعيل.. الغائب الأكثر حضورًا
في 28 يوليو 1938 ولد عبدالفتاح إسماعيل، الرئيس اليمني الأسبق، وأحد الشخصيات التي أثرت بعمق في حياة اليمنيين في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وأسهمت في تحديد ملامح اليمن المعاصر رغم مضي 40 عامًا على غيابه.
يحضر عبدالفتاح إسماعيل اليوم في الذكرى الـ88 لميلاده، لأنه واحد من أبرز المختفين قسريًا في اليمن.
إنه "الغائب فيزيائيًا" الأكثر حضورًا في اليمن.

كثيرون أحبوه في اليمن والعالم العربي، من اليسار العربي ومن عامة الناس. وكثيرون كرهوه لأسباب عديدة بينها الأيديولوجي، فالرجل، وحده أحيانًا، هو عنوان مرحلة كاملة في اليمن الجنوبي من 1967 إلى 21 مايو 1990. وأحيانًا يحضر الغائب فيزيائيًا في الأحداث كما في حرب صيف 1994، ونشأة الحراك الجنوبي في 2007، وثورة 11 فبراير 2011 المجهضة، والحرب الأهلية -الإقليمية في 2015، التي أطلق الطرف الإقليمي عليها اسم "عاصفة الحزم". وفي هذه العاصفة الهوجاء تباهى أحد أعلام الشقيقة الكبرى، وغيره كثيرون، بالخطباء اليمنيين الذين يقيمون "الجمعة" باسم خادم الحرمين وولي عهده الأمين، ويعلنون الولاء لملوك الجزيرة وأمراء الخليج في منابر الثورة الاشتراكية في عدن وحضرموت!
واليوم يحضر هذا الغائب المدهش في رطانات دعاة الانفصال في اليمن، تسبق اسمه أقذع الألفاظ، وتلحق به لعنات الناقمين منه ومن "اليمن" ومن "الوحدة" و"الحزبية"، ومن "الحجرية" مسقط رأسه!
ليت هذا فحسب!
في العقدين الأخيرين يحضر الغائب فيزيائيًا، كما الآلاف من المختفين قسريًا، في أحاديث رفاقه وحواراتهم الصحفية، وهو الحضور الذي يبعث على الأسى دائمًا، ويثير الاستياء، و(غالبًا) الغضب.
في 2013 سمعت لأول مرة عن رواية مغايرة لـ"الرواية الرسمية" التي أعلنت من الجناح المنتصر في أحداث 13 يناير 1986. هذا المكلل بالنصر الزائف قال إن الرفيق عبدالفتاح إسماعيل هو ضمن شهداء الحزب والدولة بعد أن تم قتلهم في قاعة اجتماع المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني في اليوم الأول للأحداث.
لكن زوجة "الشهيد" لم تقتنع بالرواية المكذوبة، لأن رفيقها هاتفها بعد يومين، وأبلغها أنه بخير. في فترة لاحقة تم عرض جثمان متفحم على المكلومة، فازدادت يقينًا بأن أبا صلاح موجود في مكان ما.
لجأ الرفاق في قيادة الحزب والدولة إلى الظهير القومي. وحسب حوار معمق أجرته الزميلة بشرى المقطري، مع فواز طرابلسي، صدر في كتاب في 2014، فإن الرقاق في القيادة طلبوا من فواز (صديق فتاح وموضع ثقة أسرته) أن يشارك في ترويج "الرواية الرسمية"، وقد فعل، لكنه فشل في إقناع الزوجة.
ما هي الرواية غير الرسمية؟

في صيف 2013 حدثني الصديق، الحاضر أبدًا، فهمي السقاف، أنه لم ينم الليلة السابقة بعد أن رجته وفاء عبدالفتاح إسماعيل (وهي محامية معروفة تعيش منذ 2015 في ألمانيا) أن يتعاون معها، ويسأل معارفه المهمين عن حقيقة مصير أبيها!
تعرف وفاء علاقات فهمي الواسعة (بسبب منطقته ومهنته) بقيادات رئيسية بينهم علي ناصر محمد ومحمد علي أحمد. وهذا الأخير كان فهمي أحد أعضاء فريقه الذي شارك في مؤتمر الحوار الوطني (2013). وهو أساسًا محرر رئيسي في ملف الاختفاء القسري الذي نشرته "النداء" في ربيع وصيف 2007، وأهم الفاعلين في إثارة الملف وتأسيس رابطة أسر المختفين قسريًا.

قال فهمي إن الأخت الغالية وفاء بدت له ابنة "مختفٍ قسريًا" ليس مسموحًا لها أن تطالب بكشف مصيره، لأن رفاقه قرروا أنه "الشهيد" الذي تزين صوره مقرات الحزب!
يومها سمعت من فهمي تفاصيل رواية غير حزبية، تفيد بأن الرفيق فتاح لم يقتل في مقر اللجنة المركزية، بل نجا مع علي سالم البيض، وغادرا المكان بمصفحتين، وقد ظهر البيض، وتم إخفاء فتاح!
سنة تلو سنة ظهرت تفاصيل إضافية وأسماء متورطين في تصفية الرجل.

في السنوات الأخيرة نوع الرئيس الأسبق علي ناصر محمد على هذه القصة، مؤكدًا أن الفريق الذي وقف ضده هو المتورط في "تصفية" فتاح.
من تجربتي كصحفي في ملف الاختفاء القسري، ترسخ لديّ يقين بأن أكثر القوى الحزبية انزعاجًا من فتح هذا الملف، كان المؤتمر الشعبي العام (حزب الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح) وحزب الرئيس الأسبق عبدالفتاح إسماعيل (الحزب الاشتراكي اليمني).
ولئن فهم موقف الحزب الحاكم في 2007 (المؤتمر)، فإن موقف الاشتراكي المريب كان يعني أن الحزب لم يتحرر من مثالب ماضيه، ولذلك لم يدرك منفعته (هو أولًا) من فتح قضايا المختفين قسريًا، وأغلب هؤلاء هم من مناضلي الحزب شمالًا وجنوبًا، قبل الوحدة وبعدها.
منذ أيام كتب العديد من الأصدقاء بلغة ناقمة على الرئيس الأسبق علي ناصر محمد، بسبب حواراته في فضائية "العربية"، لكنهم، جميعًا للأسف، لم يطلبوا من الرئيس الأسبق تقديم شهادته إلى مؤسسة دولية أو محلية ذات صلة. لم يطلبوا منه، أو من غيره في قيادة الحزب والدولة في 1986، الإدلاء للصحافة ولمنظمات حقوقية بشهادات موثقة حول ما لديهم من معلومات، وعدم الاكتفاء بجمل مبهمة وأحيانًا تهكمية يساء فهمها، تتسبب بالألم لأسرة عبدالفتاح إسماعيل ومحبيه!
