عبدالغني ثابت... أحد حراس الفكر الناصري في اليمن

هناك أشخاص لا تحتاج إلى أن تعرف سيرتهم الذاتية، فمجرد الجلوس معهم يكشف لك تاريخًا كاملًا من النضال، وعمرًا طويلًا من الصدق، ومدرسةً في الوفاء والثبات.
ومن هؤلاء، كان لقائي في القاهرة بالأستاذ عبدالغني ثابت، أحد أبرز القيادات التاريخية للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وأول أمين عام للتنظيم بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990.
أما نحن، تلامذته ومحبيه، فكنا نناديه ببساطة: الأستاذ. وبعض رفاقه القدامى كانوا يلقبونه بـ "الطويل"، ليس لطول قامته المميز فحسب، بل لأن قامته الوطنية كانت، وما زالت، أطول من أن تُقاس بالأمتار.
عرفت الأستاذ عبدالغني منذ سنوات طويلة، لكن كل لقاء معه يضيف إلى معرفتي به شيئًا جديدًا. فهو من أولئك الرجال الذين لا يتغيرون مهما تغيرت الظروف، ولا تتبدل مبادئهم مهما تبدلت الأزمنة.
لقد وهب حياته كلها للتنظيم الناصري. لم يكن العمل التنظيمي بالنسبة له وظيفة، ولا وسيلة للوصول، ولا محطة في حياته، بل كان حياته نفسها.
وأذكر جيدًا أنه قال لي يومًا في القاهرة، وهو يستعيد وصية رفيق دربه وقائده الشهيد عيسى محمد سيف:
"قال لي عيسى: لا تجعل أي مهمة أخرى تنافس العمل التنظيمي إذا أردت أن تحافظ على التنظيم."
ولم تكن تلك الكلمات مجرد ذكرى يرويها، بل كانت منهجًا عاش به عشرات السنين.
لهذا، إذا سألته عن حياته، أجابك ببساطة الصادقين:
"لا حياة لي إلا التنظيم... والتنظيم هو حياتي."
وعلى الرغم من كل هذا الالتزام، اكتشفت اليوم وجهًا آخر للأستاذ، ربما لم تتح لنا الحياة أن نراه من قبل.
وجدته جدًا عاشقًا لحفيدته الجميلة جنات محمد عبدالغني، ذات الأعوام السبعة، التي رافقته في رحلته العلاجية إلى القاهرة، برفقة والدها محمد.
كانت جنات تسرق ابتسامته في كل لحظة، وتخرج من داخله ذلك الحنان الذي لا يعرفه إلا المقربون منه.
كان واضحًا أن لهذه الطفلة مكانًا خاصًا في قلبه، وأنها قادرة، بابتسامتها البريئة، على أن تنسيه أوجاع المرض وتعب السنين.
رأيت في عينيه حب الجد الذي يمنح أحفاده من قلبه أكثر مما يمنح نفسه.
ورغم سعادتي بهذا الجانب الإنساني الجميل، ظل أكثر ما يدهشني فيه هو صدقه.
صدقٌ نادر... لا يتكلفه، ولا يتصنعه، بل يعيشه.
وتواضع الكبار الذي يجعلك تنسى أنك تجلس أمام واحد من أهم القيادات السياسية والتنظيمية في اليمن.
معه لا تشعر بالوقت.
بل تشعر أنك تجلس أمام مكتبة تمشي على قدمين.
كل حديث يقود إلى حكاية، وكل حكاية تحمل درسًا.
ولا يكاد يخلو مجلس من استحضار رفاق الدرب الذين عاش معهم سنوات النضال، وفي مقدمتهم الشهيد القائد عيسى محمد سيف، والأستاذ محمد إبراهيم، وربيعان، والأشول، وغيرهم من الرجال الذين صنعوا مرحلة كاملة من تاريخ الحركة الوطنية اليمنية.
كان يتحدث عنهم كما لو أنهم غادروا المكان قبل دقائق، لا قبل سنوات.
وفاءٌ لا يتغير.
وذاكرة لا تزال تحفظ تفاصيل الرفقة والنضال كما تحفظ أسماء الأبناء.
ولمن عاشوا تلك المرحلة، كان الأستاذ عبدالغني ثابت جزءًا من المشهد اليومي للتنظيم.
إذا ذهبت إلى مقر الأمانة العامة أو اللجنة المركزية، وجدته هناك.
بين الملفات والأوراق.
يكتب.
ويرتب.
ويخطط.
ويتابع.
وإذا احتاج الأمر، كما كنا نقول مازحين:
"يكوّلِس"...
وهي كلمة صنعناها من "الكواليس"، لأنه كان حاضرًا في كل ما لا يراه الناس، بينما كان غيره يظهر في الواجهة.
وكنا، نحن الشباب، عندما نتجه إلى مقر التنظيم، تكون وجهتنا الأولى مكتبه.
فوجوده وحده كان يمنحنا شعورًا بأن كل شيء بخير، وأن التنظيم ما زال يقف على أرض صلبة.
بعد لقائنا اليوم، سرنا معًا في شوارع القاهرة.
ثم جلسنا على ضفاف النيل، فوق أحد جسور المدينة، نحتسي الشاي، ونتحدث طويلًا.
لم يكن حديثًا عن الماضي فقط.
بل عن تنظيمٍ ما زال واقفًا رغم العواصف.
وعن فكرٍ ازداد رسوخًا مع مرور الزمن.
وعن رجالٍ رحلوا بأجسادهم، لكنهم ما زالوا يعيشون في ضمائر من عرفوهم.
في تلك اللحظات أدركت أن الأفكار الحقيقية لا تموت برحيل أصحابها.
بل تنتقل من جيل إلى جيل، ما دام هناك رجال يحملونها بإيمان وصدق.
خرجت من ذلك اللقاء وأنا أكثر يقينًا بأن الأمم لا تُبنى فقط بالمؤسسات، بل تُبنى أيضًا برجال نذروا أعمارهم للمبدأ، دون انتظار منصب أو مكسب أو ثناء.
سيبقى الأستاذ عبدالغني ثابت، في نظري، واحدًا من أولئك الرجال الذين اختاروا أن يعيشوا أوفياء لفكرة آمنوا بها، فصاروا جزءًا من تاريخها، وجزءًا من ذاكرة كل من سار معهم.
وإذا كان التاريخ يُكتب عادةً بأسماء القادة، فإنه يُحفظ أيضًا برجال أوفياء حملوا الأمانة بصمت، وعملوا في الظل، وظلوا ثابتين على مبادئهم حتى آخر الطريق.
حفظ الله الأستاذ عبدالغني ثابت، ومتّعه بالصحة والعافية، وأطال عمره، ليبقى شاهدًا حيًا على مرحلة من أنبل مراحل النضال الوطني، ومدرسةً تتعلم منها الأجيال معنى الوفاء للمبدأ، والصدق مع الوطن، والثبات على القيم مهما تبدلت الظروف.
