من يحتكر الإرادة الجنوبية؟
منذ الإعلان عن التحالف الوطني الجنوبي، انطلقت حملة جاهزة من الاتهامات والتخوين، وكأن مجرد طرح رؤية سياسية مختلفة أصبح خروجاً على "الإرادة الجنوبية". لكن السؤال الذي يتهرب منه أصحاب هذه الاتهامات هو: من الذي يحدد هذه الإرادة؟ ومن الذي منحه الشعب تفويضاً حصرياً للحديث باسمه؟
الحقيقة أن الإرادة الجنوبية ليست ملكاً لتنظيم أو مجلس أو قيادة سياسية، وإنما هي إرادة ملايين البشر الذين يختلفون في الرؤى والاجتهادات، ويتفقون في حقهم بمستقبل أفضل. أما تحويلها إلى شعار يحتكره طرف واحد، فذلك لا يختلف كثيراً عن الممارسات التي ثار الناس ضدها في الماضي.
بعد سنوات طويلة من الصراع، يجد المواطن الجنوبي نفسه أمام واقع صعب؛ خدمات منهارة، واقتصاد متدهور، وأوضاع معيشية قاسية، فيما تحولت القضية التي قُدمت للناس باعتبارها قضية عدالة وكرامة إلى ساحة للصراعات والانتهاكات وتصفية الحسابات السياسية. والأسوأ أن كثيراً من المظاهر التي كانت تُنتقد في الأنظمة السابقة أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة وأسماء مختلفة.
الجنوب اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مشروع سياسي واقعي يحفظ كرامة الإنسان أولاً. فالكرامة ليست نتيجة لاحقة للمشروع السياسي، بل هي أساسه. وإذا كان المواطن فاقداً للأمن والحقوق والخدمات، فإن أي حديث عن الانتصارات الكبرى يصبح بلا معنى.
لقد أثبتت التجارب أن العنف وحده لا يبني أوطاناً، وأن القوة مهما امتلكت من نفوذ لا تستطيع أن تصنع استقراراً دائماً. لذلك فإن المخرج الحقيقي يكمن في بناء دولة عادلة تقوم على الحكم الرشيد وسيادة القانون، دولة تكفل الشراكة وتمنع الهيمنة والاستبداد، وتمنح المحافظات والأقاليم صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها في إطار دولة اتحادية حديثة.
الدولة الاتحادية ليست تنازلاً لأحد، بل صيغة تضمن العدالة وتوزيع السلطة والثروة، وتمنع عودة المركزية المتسلطة التي عانت منها مناطق كثيرة، ومنها عدن. وهي كذلك الطريق الأقصر لإيقاف الصراعات وفتح الباب أمام التنمية والاستقرار.
أما الذين يعتقدون أن المستقبل يمكن أن يُصنع بالإقصاء والتخوين وفرض الرأي بالقوة، فإن التجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن هذا الطريق لا يقود إلا إلى مزيد من الأزمات. وما فشل في تحقيق أهدافه خلال السنوات الماضية لن ينجح بتكرار الأدوات نفسها.
ليس المطلوب أن يتفق الجميع على رأي واحد، بل أن يتفقوا على حق الجميع في الاختلاف. فالأوطان تُبنى بالشراكة، لا بالاحتكار، وبالعقل، لا بالغضب، وبالمشاريع القابلة للحياة، لا بالشعارات التي تستنزف الناس دون أن تقدم لهم حلولاً.
وفي النهاية، تبقى قيمة أي مشروع سياسي بما يحققه للإنسان من أمن وكرامة وعدالة، لا بما يرفعه من شعارات أو يدعيه من تمثيل حصري للإرادة الشعبية.
