الخميس 18 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • من اغتال الدولة؟ قراءة نقدية بين شرعية الدستور وشرعية القوة

من اغتال الدولة؟ قراءة نقدية بين شرعية الدستور وشرعية القوة

ليست المأساة اليمنية في نقص الأبطال، بل في فائض المرويات التاريخية الذاتية التي تفصل من التاريخ ما يعزز تصوراتها وتحيزاتها وأوهامها، وتظل تتخبط كالخاطب ليلًا وهي بعيدة عن المنهج وإن ادعت، مرويات وأحاديث تعبر المراحل وتؤسس لذاتها قناعات تختزل من خلالها تاريخ شعب كامل في أشخاص، وتختزل أزمة دولة في اغتيال فرد، مهما كانت مكانته أو حجم مشروعه.

ولذلك فإن أخطر ما يواجه الوعي اليمني اليوم ليس تزوير الوقائع بقدر ما هو إعادة إنتاجها بصورة عاطفية تجعل النقد مستحيلًا، وتجعل كل محاولة للمراجعة تبدو وكأنها اعتداء على الرموز لا سعيًا لفهم التاريخ.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري:
هل كانت أزمة اليمن نتاج اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي عام 1977م، أم أن جذور الأزمة أقدم من ذلك، وتتصل بطبيعة بناء السلطة والدولة منذ البدايات الأولى للجمهورية؟
من جنازة الشهيد ابراهيم الحمدي وشقيقه
من جنازة الشهيد ابراهيم الحمدي وشقيقه
لقد أعادت بعض الكتابات المعاصرة، ومنها ما كتبه الأستاذ قادري أحمد حيدر، حول "الدولة العميقة" واغتيال الحمدي، فتح الملف من زاوية تربط اغتيال الرئيس بمواجهة مشروع وطني لبناء الدولة الحديثة. وهي قراءة تحمل كثيرًا من العناصر المهمة، لكنها تظل بحاجة إلى مساءلة نقدية لا تقل أهمية عن مساءلة خصوم الحمدي أنفسهم.
فالمشكلة لا تكمن في الدفاع عن الحمدي أو الهجوم عليه، وإنما في طبيعة المنهج الذي نقرأ به التاريخ.
الدولة العميقة أم المفهوم المطاط؟
حين يجري الحديث عن "الدولة العميقة" في العلوم السياسية، فإن المقصود بها شبكات النفوذ الدائمة داخل مؤسسات الدولة من أجهزة أمن واستخبارات وبيروقراطية ومصالح اقتصادية قادرة على التأثير في القرار السياسي بمعزل عن تغير الحكومات.
غير أن هذا المفهوم يتحول أحيانًا إلى مظلة فضفاضة تضم الجميع:
المشايخ، والضباط، والأجهزة الأمنية، ورجال الدين، والقوى الإقليمية، والمليشيات، والبيروقراطية، والإعلام.
وعندما يتسع المفهوم إلى هذا الحد يفقد قيمته التفسيرية.
فإذا كانت كل هذه القوى هي "الدولة العميقة"، فما هي الدولة الشرعية إذن؟
وهنا يتحول التفسير من تحليل سياسي إلى سردية مفتوحة يمكن أن تُسند إليها أية نتيجة مسبقًا.
بين سؤال الاغتيال وسؤال الدولة
ينطلق كثير من المدافعين عن تجربة الحمدي من سؤال:
الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي- منصات التواصل
الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي- منصات التواصل
من اغتال الحمدي؟
بينما يغيب السؤال الأهم:
لماذا أصبحت الدولة أصلًا رهينة شخص واحد؟
فالدولة الحديثة لا تُقاس بقدرة قائدها على الإنجاز أثناء وجوده، بل بقدرتها على الاستمرار بعد غيابه.
ولو كانت المؤسسات أقوى من الأفراد لما تحولت البلاد إلى أزمة وطنية شاملة بمجرد اغتيال رئيس.
إن المعضلة الحقيقية ليست في اغتيال المشروع، بل في أن المشروع لم يتحول إلى مؤسسات قادرة على حماية نفسها من الاغتيال.
ما الذي كان قائمًا قبل 13 يونيو؟
تكاد بعض السرديات السياسية تبدأ التاريخ من 13 يونيو 1974م، وكأن ما قبلها كان فراغًا كاملًا. يمكن الرجوع إلى منشوري السابق بصفحتي على "فيسبوك" بعنوان "من نقد الانقلاب إلى نقد البنية: قراءة في أزمة الدولة اليمنية بين النعمان والإرياني والحمدي".
غير أن الوقائع تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا.
احمد النعمان
احمد النعمان
فبعد سنوات الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية والصراع الإقليمي، نجحت قيادة الجمهورية ممثلة بالقاضي عبدالرحمن الإرياني والأستاذ أحمد محمد نعمان ورفاقهما، في تحقيق جملة من التحولات المفصلية:
تثبيت الاعتراف بالجمهورية. وفي هذا الجانب يمكن العودة إلى كتاب وثيقة مؤتمر حرض وما جرى من حوارات شاقة حول اسم وطبيعة النظام وشكله، لأن القتال المستمر لايزال قائمًا، والتقاطعات والتجاذبات الخارجية الداعمة قد وصلت إلى قناعة راسخة من الواقع بضرورة
الوصول إلى المصالحة الوطنية.
إنهاء جزء كبير من الحرب الداخلية، تبعها نقل اليمن من الحرب إلى شرعية الدولة.
بناء دستور للدولة.
إنشاء مؤسسات تشريعية.
إجراء انتخابات وتمثيل سياسي.
الاعتراف باستقلال الجنوب. ولقد لقي الاعتراف باستقلال اليمن الجنوبي اعتراضات من المشايخ والعسكريين لكن كان الرد عليهم بالأهمية الوطنية والسياسية.
الشروع أيضًا في التفكير الدستوري العام للوحدة اليمنية.
تجنب الانزلاق إلى حروب جديدة بين اليمنيين.
لم تكن تلك التجربة مثالية، ولم تكن دولة مكتملة الأركان، لكنها كانت محاولة للانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة.
وهذا فرق جوهري كثيرًا ما يتم تجاهله.
الفرق بين مشروع الدولة ومشروع السلطة
مشروع الدولة يقوم على المؤسسات والقانون وتوزيع السلطات.
أما مشروع السلطة فيقوم على الأشخاص مهما حسنت نواياهم.
ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بأهداف حركة 13 يونيو، بل بوسيلتها أيضًا.
فأول ما أعلنه بيان الحركة كان:
تعليق الدستور.
حل مجلس الشورى.
نقل السلطة إلى مجلس قيادة عسكري.
وهنا يظهر التناقض التاريخي الكبير:
كيف يمكن بناء دولة المؤسسات من خلال تعطيل المؤسسة الدستورية الوحيدة القائمة آنذاك؟
قد تكون هناك مبررات سياسية أو أخلاقية أو إصلاحية، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن مصدر الشرعية انتقل من النص الدستوري إلى القوة العسكرية.
وهذه مسألة تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة النظام السياسي نفسه.
مفارقة الرجل ومفارقة التجربة
يبدو الحمدي في كثير من الكتابات بطلًا منفصلًا عن النظام الذي صنعه.
لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.
فكثير من القوى والضباط الذين ارتبطت أسماؤهم بالمراحل اللاحقة صعدوا داخل البنية التي تشكلت بعد 13 يونيو.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا:
إذا كانت الدولة العميقة قد اخترقت التجربة إلى هذا الحد، فهل كانت المشكلة كلها خارج السلطة، أم أن جزءًا منها كان داخل بنية السلطة نفسها؟
إن النقد التاريخي لا يكتمل بتحميل الآخرين المسؤولية وحدهم، بل بمساءلة التجربة ذاتها عن خياراتها وتحالفاتها وأدواتها.
من المأساة إلى القطيعة المعرفية
لقد عاش اليمنيون عقودًا طويلة من الانقلابات والاغتيالات والحروب والانقسامات.
وفي كل مرة جرى البحث عن منقذ جديد، بينما بقيت البنية المنتجة للأزمة على حالها.
ولهذا فإن المراجعة المطلوبة اليوم ليست مع هذا الزعيم أو ذاك، وإنما مع الفكرة نفسها:
فكرة أن الوطن يمكن أن يُبنى بالقوة أكثر مما يُبنى بالمؤسسات.
وفكرة أن الشرعية يمكن أن تستمد من النوايا الحسنة أكثر مما تستمد من الدستور والقانون.
وفكرة أن الزعيم الصالح يمكن أن يكون بديلًا عن النظام الصالح.
لقد أثبت التاريخ اليمني، منذ ما قبل الجمهورية وحتى اليوم، أن الأشخاص يرحلون، بينما تبقى المؤسسات وحدها القادرة على حماية الدولة.
الخاتمة
إن القضية ليست في تمجيد الإرياني أو النعمان، ولا في إدانة الحمدي أو تمجيده. أو من قتل من؟ لأن ما تم هو داخل بنية السلطة والحركة وعسكرها التي اختارها الحمدي بنفسه، وليست في الدفاع عن انقلاب أو مهاجمته.
القضية الحقيقية هي في القدرة على قراءة التاريخ خارج العاطفة.
القاضي عبدالرحمن الإرياني
القاضي عبدالرحمن الإرياني
فإذا كانت الجمهورية قد وُلدت من أجل بناء دولة القانون، فإن معيار النجاح لا يكون بعدد الخطب ولا بحجم الشعبية ولا بكاريزما القادة، بل بمدى ترسيخ المؤسسات واستقلالها عن الأشخاص.
ولهذا يبقى السؤال الأوسع مفتوحًا:
هل كانت أزمة اليمن نتيجة اغتيال رجل؟ أم نتيجة عجز النخب اليمنية، على اختلاف اتجاهاتها، عن تحويل الدولة من مشروع أشخاص إلى مشروع مؤسسات؟
ذلك هو السؤال الذي مايزال ينتظر إجابة، وهو السؤال الذي ربما يفسر لماذا مازال اليمن، بعد أكثر من نصف قرن، يدور في الحلقة نفسها.
من اغتال الوحدة؟ من إعادة إنتاج أزمة الدولة إلى إعادة إنتاج أزمة الوطن
إذا كان الجدل اليمني قد ظل لعقود طويلة يدور حول سؤال: من اغتال الحمدي؟ فإن التجربة التاريخية اللاحقة تفرض سؤالًا أكثر اتساعًا وأشد إلحاحًا:
من اغتال مشروع الوحدة اليمنية؟
فالوحدة التي أُعلنت في 22 مايو 1990م لم تكن انقلابًا عسكريًا، ولا حركة تصحيحية، ولا انتصار طرف على آخر، بل كانت في جوهرها اتفاقًا سياسيًا سلميًا بين دولتين قائمتين، لكل منهما مؤسساته ودستوره وجيشه ونظامه السياسي.
لحظة توقيع اتفاقية الوحدة اليمنية عام 1990
إعلان الوحدة
ولهذا تكتسب الوحدة اليمنية أهمية استثنائية في التاريخ الحديث؛ لأنها مثلت لحظة قطيعة مع منطق القوة الذي حكم اليمن طويلًا، ومحاولة للانتقال إلى منطق التوافق السياسي والشراكة الدستورية.
للمرة الأولى لم تُحسم المسألة اليمنية بالدبابة، بل بالتوقيع.
وللمرة الأولى لم يكن المشروع قائمًا على غلبة فريق على فريق، بل على الاعتراف المتبادل بين شريكين سياسيين.
ومن هنا تكمن المفارقة الكبرى.
فإذا كان كثيرون يرون في اغتيال الحمدي اغتيالًا لمشروع دولة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا نسمي ما جرى لمشروع الوحدة الذي انتقل فعلًا من الحلم إلى الواقع؟
لقد دخل اليمنيون إلى الوحدة وهم يحملون معهم إرثًا ثقيلًا من الانقلابات والاغتيالات والصراعات الأيديولوجية والعسكرية، ولم ينجحوا في إجراء مراجعة حقيقية للبنية السياسية التي أنتجت تلك الأزمات.
بقيت ثقافة الغلبة أقوى من ثقافة الشراكة.
وبقي الولاء للقوة أقوى من الولاء للمؤسسة.
وبقيت الدولة تُفهم باعتبارها أداة سيطرة لا إطارًا جامعًا للمواطنة.
ولهذا لم تلبث التناقضات القديمة أن عادت للظهور داخل الدولة الموحدة نفسها.
سرعان ما تحولت الشراكة إلى صراع نفوذ، وتحول الدستور إلى ساحة تأويل سياسي، وعادت الاغتيالات السياسية لتضرب المجال العام، وعادت مراكز القوى التقليدية والعسكرية والقبلية والحزبية لتتنافس على اقتسام الدولة بدلًا من بنائها.
وهنا تتجلى المعضلة اليمنية في أوضح صورها:
فالأزمة لم تكن في غياب المشاريع الوطنية، بل في العجز عن حماية تلك المشاريع بمؤسسات مستقلة وقواعد دستورية ملزمة للجميع.
فكما لم تستطع الجمهورية حماية نفسها من الانقلابات، لم تستطع الوحدة حماية نفسها من منطق الغلبة.
وكما جرى من قبل نقل الشرعية من المؤسسات إلى القوة، جرى لاحقًا نقل الشراكة الوطنية إلى موازين القوى العسكرية والسياسية.
وكانت حرب 1994م التعبير الأكثر وضوحًا عن عودة الأزمة القديمة بثوب جديد.
حرب ١٩٩٤
حرب ١٩٩٤
فبدلًا من الاحتكام الكامل إلى الدستور وآليات الدولة الوليدة، جرى الاحتكام إلى موازين القوة والسلاح.
وعند تلك اللحظة بدأ المشروع الوحدوي يفقد أحد أهم أسسه: فكرة التوافق الطوعي بين الشركاء.
ومنذ ذلك التاريخ أخذت الأزمة تتراكم طبقة فوق طبقة.
ضعفت المؤسسات.
تضخمت السلطة.
تآكلت الثقة الوطنية.
وتراجعت المواطنة أمام الانتماءات الضيقة.
حتى وصلت البلاد في النهاية إلى الانهيار الشامل الذي نشهده اليوم.
ولهذا فإن استمرار السجال عند حدود 13 يونيو 1974م، أو عند حدود اغتيال الحمدي وحده، لا يكفي لفهم المأساة اليمنية.
فاليمن لم يتوقف عند 1977م.
لقد جاءت بعد ذلك تجربة الوحدة، ثم أزمة الشراكة، ثم حرب 1994م، ثم تآكل الدولة، ثم الانهيارات المتلاحقة التي أوصلت البلاد إلى وضعها الراهن.
ومن هنا فإن السؤال التاريخي الأهم لم يعد:
من اغتال الحمدي؟
ولا حتى:
من انتصر في صراعات الماضي؟
بل:
لماذا فشلت النخب اليمنية، على اختلاف اتجاهاتها، في تحويل الجمهورية والوحدة معًا إلى نظام مؤسسي مستقر؟
ذلك أن الجمهورية كانت محاولة للانتقال من حكم السلالة إلى حكم الدولة.
والوحدة كانت محاولة للانتقال من الانقسام إلى الشراكة الوطنية.
لكن كليهما اصطدم بالبنية نفسها: بنية القوة والغلبة واحتكار القرار.
ولهذا فإن المراجعة المطلوبة اليوم ليست مراجعة الأشخاص، بل مراجعة الثقافة السياسية التي أعادت إنتاج الأزمة جيلًا بعد جيل.
فالأمم لا تبنى بالحنين إلى الزعماء، ولا بإعادة تمثيل معارك الماضي، بل ببناء مؤسسات تجعل مصير الوطن أكبر من مصير الأفراد.
وهذا هو الدرس الذي ما يزال التاريخ اليمني يكرره منذ أكثر من نصف قرن، دون أن تجد النخب الشجاعة الكافية للإصغاء إليه.