الإثنين 3 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • تحالف المصالح: عندما يلتقي الدين بالسلطة (٢ - ٢)

تحالف المصالح: عندما يلتقي الدين بالسلطة (٢ - ٢)

يدخل في إطار التوظيف السياسي للدين ما يقوم به الحكام من استقطاب للعلماء والفقهاء والمتصوفة، وتقريبهم وإغداق العطايا عليهم، بهدف توظيف مكانتهم في قلوب العامة لتحسين صورة الحاكم، ونيل التأييد لقراراته، ولبعض جوانب سياساته النفعية، بوصفها داخلة في نطاق "المصلحة" التي تندرج تحت مظلة الولاية العامة.

غير أن الحاكم لا يحتاج دوماً إلى استقطاب الفقهاء واستمالتهم إلى بلاطه، فهناك صنف آخر من الفقهاء يسعى هو إلى خطب ود السلطة والتقرب من الحاكم والتزلف إليه، سعياً وراء مكاسب مادية، دون اكتراث بثقل المسؤولية الدينية والأمانة الملقاة على عاتقهم، أو بمدى شرعية الدور المنوط بهم. وهؤلاء هم "فقهاء السلاطين" على الدوام، الذين شكلوا عبر التاريخ أحد أسباب بلاء الأمة الإسلامية وتقهقرها الحضاري.

وفي هذا السياق، ظل الدور السياسي للزوايا الصوفية دوراً أساسياً في مراحل متعددة من التاريخ الإسلامي والحديث، ولا سيما من خلال سعيها إلى تثبيت أركان سلطة الدولة. ولعل ذلك يفسر الدعم المعنوي والمادي الذي قدمته بعض السلطات الإسلامية للزوايا الصوفية. ففي ظل النظام العثماني خلال القرون الأربعة الأخيرة، أولت الدولة اهتماماً كبيراً بالزوايا من خلال ترميم مقراتها، وصرف الإعانات المادية والعينية، والحفاظ على مكانة أقطاب التصوف. كما تكرر هذا النموذج في العهد المعاصر، كما في حالة السلطة الحاكمة في المغرب الأقصى، التي تبنت بعض المهام التي سبقتها إليها السلطات العثمانية، رغم أنها لم تخضع لحكمها.

ولأن العرب "أمة إقرأ" لا تقرأ تاريخها في الغالب، وإن قرأت نخبها السياسية بعض صفحات من أسفاره، فإنها تقرؤه في الغالب للتسلية وملء الفراغ، أو بدافع الاطلاع المجرد وفق قاعدة "العلم بالشيء خير من الجهل به". كما أنها لا تحسن في الغالب إدراك جوهر ما قرأته من حقائق تاريخية نسبية، ولا توظفها في مراجعة مواقفها، أو في تنظيم شؤون واقعها، أو في رسم ملامح مستقبلها. ولذلك فهي تكرر أخطاء السابقين، وتنقل تجاربهم إلى الحاضر على نحو يبدو فيه إكراه للحاضر على قبول الماضي، متجاهلة خصوصية كل من الماضي والحاضر وظروفهما. وبذلك تعيد إنتاج أخطاء تجاوزها الزمان والمكان، لتجعل منها ترجمة عملية لتصوراتها.

على النقيض من ذلك، نجد النخب السياسية في المجتمعات الغربية ذات التاريخ المشبع بالتجارب المتصلة بجدلية السلطة والمعارضة، قد قادها وعيها إلى إدراك ماهية السلطة ووظيفتها، وإلى أن السلطة وسيلة لخدمة مصالح المجموع العام لا المصالح الجزئية والفردية الخاصة. فهي، بوصفها ممثلة لمجتمعاتها، تتناوب على ابتكار فرص للتنمية المستدامة، وخلق مناخ ملائم للإبداع الكفيل بإنتاج معالجات لسائر القضايا والإشكالات التي تواجه مجتمعاتها، كما يشهد بذلك واقعها الراهن.

إن ما يشهده المجتمع العربي من توظيف سياسي للدين بصور مختلفة، يكشف عن إشكالية عميقة الجذور في بنية التراث العربي الإسلامي. وهي إشكالية يدرك أبعادها عناصر النخب الثقافية غير المنتمية إلى مؤسسة السلطة قديماً وحديثاً، بينما لا تدركها بالصورة ذاتها النخب السياسية الحاكمة، لوقوعها تحت طائلة إغراء السلطة وإغواء النفوذ.

وإذا تأملنا بعض وقائع التاريخ السياسي العربي، نجد أن كثيراً من الأنظمة السياسية مدينة للدين في نشأتها. أي أن نشأتها كانت، بتعبير مجازي، ثمرة "مخاض" اقتران الدين بالسياسة. ففي نجد والحجاز - على سبيل المثال - قام نظام الحكم نتاج مصاهرة سياسية بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، "السيف والقلم"، مؤسس الدعوة السلفية الوهابية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي.

كما أن قيام الدولة العثمانية بوصفها استمراراً للخلافة الإسلامية وامتداداً لسلطانها على كثير من البلاد العربية، كان تحت مظلة الحفاظ على الأماكن المقدسة وحمايتها من الخطر الإسباني البرتغالي، في سياق سلسلة الحروب الصليبية التي اجتاحت العالم الإسلامي في العصور الوسطى. وبقي أثر هذه الثقافة كامناً في الخطاب العدواني لبعض القوى السياسية الغربية، وهو ما تجلى بوضوح في تصريح الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن عند غزو القوات الأمريكية للعراق عام ٢٠٠٣م.

وقبل ذلك كله، نشأت الخلافة الأموية والعباسية والفاطمية والأيوبية ودولة المماليك، وبعض الكيانات السياسية التي نشأت في أحضانها أو على هامشها.

وفي واقعنا العربي الراهن، لا تزال إشكالية التوظيف السياسي للنص الديني في إطار العلاقة النفعية بين الفقيه والسلطان تفرض حضورها بقوة في أتون الصراعات السياسية والأيديولوجية والعسكرية العربية، امتداداً لما كان عليه الحال في الماضي.

مع التأكيد على نزاهة الدين وبراءته من كل صور الاستغلال السياسي البراجماتي الفردي والفئوي وما في حكمها. إذ إن هذا السلوك الاستغلالي لا يسيء إلى الدين فحسب، بوصفه منظومة تعاليم وقيم وتشريعات شاملة لكل جوانب الحياة، بل يعمل أيضاً على تجفيف منابعه في قلوب معتنقيه، مما يفتح الباب واسعاً أمام الطعن فيه والنيل منه من خارج محيط معتنقيه.

الخاتمة:

إن إشكالية "تحالف المصالح" بين الدين والسلطة ليست وليدة اليوم، بل هي إرث الدينتاريخي متجذر، أعاد إنتاج نفسه بأدوات كل عصر. ولن يتسنى الخروج من دائرة هذا الاستقطاب إلا بفصل واضح بين وظيفة الدين بوصفه مرجعية قيمية وأخلاقية، ووظيفة السياسة بوصفها تدبيراً لشؤون الناس في إطار القانون والمصلحة العامة.

فلا الدين يحتاج إلى سلطة تحرسه بالقوة، ولا السلطة تحتاج إلى شرعية تمنحها فتاوى انتقائية. إن استعادة الدين لقداسته، واستعادة السياسة لعقلانيتها، مرهون بتحرير النص الديني من هيمنة السياسي، وتحرير القرار السياسي من وصاية المتاجرين بالدين.

وحينها فقط يمكن للأمة أن تقرأ تاريخها بعين ناقدة، لا لتكراره، بل لتجاوزه، ولتأسيس حاضر تستقيم فيه العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس المواطنة والعدل، لا على أساس التحالف بين السيف والقلم.