إمام فوق مقبرة
كفّر أهل السنة وكفّر علماء الزيدية الذين اعترضوا على مجازره. كفّر المطرفية وكفّر من أحبهم أو أحسن الظن بهم. الظن كفر والمحبة كفر. اليمن كله صار كفراً إلا هو ومن يحمل سيفه. كان عبدالله بن حمزة يرى خصومه خطراً يستحق الاستئصال. كل دائرة جديدة تحتاج إلى دائرة أوسع من الاتهام. ومع الوقت تصبح البلاد حقولاً متجاورة من الكفار المحتملين. الدماء تكتسب شرعيتها من الكلمات التي تسبقها، والمخالفة الفكرية تصبح جريمة ولم تعد رأياً آخر. وهكذا اتسعت الهوة حتى شملت كل من تردد في التصفيق.
كانت المطرفية تمثل تياراً فكرياً داخل الزيدية، خالفوا شروط الإمامة السلالية وبعض المسلمات المذهبية السائدة. رأى ابن حمزة في هذه الأفكار خطراً وجودياً وأصدر أحكامه النهائية. التكفير أولاً ثم الإبادة بعد ذلك. أطلق على ديارهم اسم "دار حرب" ثم أرسل جيشه إلى قاعة وسناع ووقش ومسور.
ما بين ثلاثين ألفاً إلى مائة ألف. تتباين الأرقام وتتفق على المشهد الواحد. الرجال تسقط كالسنابل والمساجد تهدم والمزارع تحترق، والماء في الآبار يعلوه الصدأ من كثرة الدم. القرى التي احتضنت المطرفية دفعت الثمن كاملاً. عشرات الآلاف سقطوا في واحدة من أكثر صفحات التاريخ اليمني قسوة.
لم يكتف ابن حمزة بالقتل. ألّف كتاباً بعنوان "الدرة اليتيمة في تبيين أحكام السبي والغنيمة". جلس يشرح أحكامه ويقنن إجراءاته ويمنحه غطاء فقهياً. النساء يتحولن إلى غنائم حرب والأطفال إلى ملكية قابلة للتوزيع. نساء المطرفية ونساء صنعاء ونساء تهامة، كلهن دخلن في هذا التصور الذي يجعل الإنسان مادة قابلة للقسمة بين المنتصرين.
لم تقف الجريمة عند خصومه الفكريين، صنعاء نفسها لم تسلم. عندما دخل الأيوبيون بقيادة الملك المسعود، انسحب ابن حمزة لكنه قبل أن يغادر هدم أسوار صنعاء. خرب الدور وجعل المدينة عارية، كأنه يقول لمن سيأتون بعده "إن لم تكن لي فلن تكون لأحد." حمل معه أعداداً من النساء والأولاد. المدينة كانت تواجه مصيرها وهو يجمع غنائمه البشرية، حتى النسب نفسه لم يكن حصانة كافية. حفيدات الهادي وجدن أنفسهن داخل دائرة التبرير ذاتها. قام بسبيهن وبرر ذلك بأن أهلهن كفروا. الفتوى كانت أوسع من الروابط والأنساب. آلة التكفير حين تبدأ بالدوران تبتلع الجميع.
الزنار ليس لليهود فقط. وضعه ابن حمزة على ظهور المطرفية. حبل من صوف يميزهم ويجعلهم أذلاء في أسواقهم ومساجدهم. فتاوى التكفير خرجت من فمه كالحمى. استباح دماءهم وأموالهم ونساءهم.
كل من بقي حياً حمل علامة الهزيمة على جسده، والنجاة لم تكن نهاية المحنة. ألزم المستسلمين بلبس الزنار، العلامة نفسها التي كانت تفرض على أهل الذمة. الإنسان يتحول إلى علامة تمشي في الطرقات، وكل من يراه يعرف مكانه في السلم الجديد الذي صنعته السلطة.
ذهب ابن حمزة إلى قبره حاملاً معه كتبه وفتاواه وغنائمه، لكن الزنار لم يذهب. بقي فكرة وبقي أداة. كل إمام بعده عرف كيف يصنع زناره الخاص. زنار لا يُرى بالعين لكنه يقطع الظهر.
