أنيس حسن يحيى.. الحضور المتجدد في كل الأزمنة
في الثمانينيات، وتحديدًا في فترة الدراسة الابتدائية والإعدادية، كان والدي الراحل وبقية أبناء قريتي ومسقط رأسي "مزيبرات"، مولعين بمتابعة إذاعة عدن وبرامجها المختلفة، وكان والدي وجدّي عبدالله سعيد الحداد (وهو جد المهندس بسام عبده عبدالله سعيد الحداد) وجدي من جهتين لأنه متزوج بجدتي سعيدة بنت إسماعيل صالح الكناني، شقيقة جدتي لأمي (صفية بنت إسماعيل صالح الكناني)، إضافة إلى أن جدي عبدالله مقبل عبدالله الحداد، والد أمي، ابن عم جدي عبدالله سعيد عبدالله الحداد، وهم في مستوى أسري واحد، إذ كان هذا الرجل مولعًا بمتابعة أخبار وبرامج إذاعة عدن، إذ كان ممن هاجروا من أبناء أسرتنا (آل الحداد) إلى إثيوبيا في بداية القرن العشرين، مع عدد كبير من أبناء عمومته، للعمل في سكة حديد إثيوبيا التي أسستها إيطاليا الدولة المستعمرة لذلك البلد، ومات من أبناء عمومته ٤ من الرجال الذين هاجروا بحثًا عن الرزق.

ولا نحلق بعيدًا، لنعود إلى إذاعة عدن وتولع من ذكرت بهذه الإذاعة مرتبط بالطليان وإحضارهم "الريديو" إلى إثيوبيا، وبيعه هناك، حيث كان هذا الجهاز العجيب من أهم مقتنيات المهاجر اليمني العائد من إثيوبيا.
ولأن هذا الرجل كان متابعًا للأخبار التي تبثها إذاعة عدن، فقد كان يحكي أثناء مقيله عن تلك الأخبار، وعن خطوات تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية، وكان كثيرًا ما يذكر في السياق عددًا من القيادات البارزة في اليمن الديمقراطية الشعبية، وأبرزهم الراحل أنيس حسن يحيى عوض، وبقية رفاقه الذين كانوا في المشهد السياسي يومها.
وقد ظل أنيس حسن يحيى مرتبطًا في الذاكرة حتى تحققت الوحدة، إذ كان حاضرًا في المشهد السياسي والإعلامي، وكان بعد انتخابات ٩٣م مرشحًا للبرلمان عن دائرة من دوائر مدينة عدن، وكان في ما بعد رئيسًا للكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي اليمني. وعندما أعلن علي سالم البيض قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أثناء معارك حرب ٩٤م، كان أنيس حسن يحيى قد تعين رئيسًا للجمعية الوطنية، التي كانت برلمان تلك الدولة التي لم تعمر أكثر من شهرين أو أقل، ولم تعترف بها دول الخليج والجامعة العربية، واعترفت بها جمهورية أرض الصومال.
وعند اقتحام الشمال للجنوب غادر أنيس حسن يحيى البلاد مع بقية القيادات التي غادرت وعاشت في المهجر، حتى صدور قرار العفو العام من قبل علي عبدالله صالح، عن ١٦ قائدًا جنوبيًا أصدرت المحكمة في صنعاء أحكامًا متفاوتة بالإعدام وغيرها من الأحكام، وكان أنيس حسن يحيى أحد الذين صدرت بحقهم تلك الأحكام التي تم إلغاؤها في سنوات لاحقة لإصدارها، بعد أن أدان الداخل والخارج تلك الأحكام الصادرة بحق شركاء الوحدة، دون مراعاة للقيم والمبادئ الأساسية التي قامت وترسخت عليها مداميك تلك الوحدة التي ظلت قيمة عالية في أذهان المناضل الكبير أنيس حسن يحيى ورفاقه وأبناء جيله ممن تشربوا مبادئ وقيم تلك الوحدة في الكتب التي قرأوها وفي منشورات ومطويات أحزابهم التي كانت المرشدة والموجهة لهم.
وقد كنا نحن الشباب وأعضاء الحزب الاشتراكي اليمني المقيمين في العاصمة صنعاء، قد عرفنا الأستاذ أنيس حسن يحيى أثناء مجيئه إلى العاصمة صنعاء، وممثلو شباب الاشتراكي اليمني في مؤتمر الحوار الوطني الشامل كانوا أكثر احتكاكًا بهذا المناضل الفذ، ومن أولئك الشباب الرفيق عيسى البراق والمهندس بسام الحداد والرفيق وليد الأبارة، وسلسلة طويلة من رفاقنا في العاصمة صنعاء ممن لم تسعفني الذاكرة بتذكرهم، وكانوا في غالب الأحيان يتحدثون عن رزانة الرجل، وعن قدراته العجيبة لجذبهم في أحاديثه التي أثبتت قدرة قيادية فائقة ظل يتميز بها الأستاذ أنيس حسن يحيى إلى اللحظات الأخيرة من حياته رحمة الله عليه؛ كيف لا وهو من القيادات المؤسسة لحزب الطليعة اليمني؛ الحزب الخارج من رحم حزب البعث، وكان ممن وقعوا اتفاقية اندماج الفصائل السياسية في الجنوب اليمني إلى جانب قيادات أحزاب أخرى كانت موجودة في الواقع، وتشارك بفاعلية وحضور منقطع النظير، وظل في كل المراحل يحظى باحترام رفاقه شمالًا وجنوبًا، وسيظل المناضل الكبير أنيس حسن يحيى حاضرًا في ذاكرة الأجيال حضورًا لن يمحى مهما كانت الظروف والأسباب.
