الغجرخراطية: من الدولة المؤجلة إلى سلطة الغنيمة
عدتُ إلى حكمة اليونان أبحث في مصطلحات الفلسفة السياسية، لعلّي أجد فيها ما يقارب ما يُسمّى تاريخيًا بالحكمة اليمانية، فلم أجد في الحالة اليمنية الراهنة ما يعبّر عنها أكثر من مفهوم الأوكلوقراطية (Ochlocracy)، أي حكم الغوغاء.
وهو مفهوم يقف على النقيض من جملة مفاهيم أخرى في الفلسفة السياسية اليونانية القديمة، إذ يعبّر عن حالة تُداس فيها الدساتير والقوانين تحت أقدام الغوغاء والدهماء، وتصبح إرادة القوة والانفعال بديلًا عن إرادة القانون والمؤسسات.
وإذا كان لا بدّ من تعريب هذا المفهوم بما يلائم الحالة اليمنية، فقد يكون مصطلح "الغجرخراطية" أكثر تعبيرًا عنها؛ فالغجر هنا يحيل إلى الفوضى والترحال خارج النسق المؤسسي، بينما يحيل الخرط إلى الكذب والدجل وتزييف الوعي، وهي أدوات كثيرًا ما استُخدمت في مصادرة حياة الناس ومقدراتهم واستقرارهم.
إن اليمن، في تاريخها الحديث، وخصوصًا بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، سواءً في الشمال او في الجنوب، لم تنجح في الدخول الكامل إلى الاجتماع السياسي بالمعنى الحديث، ذلك الاجتماع الذي لا يتجسد إلا في الدولة والنظام السياسي وفصل السلطات. فالدولة ظلت في كثير من الأحيان شعارًا أكثر منها واقعًا، والنظام السياسي أيديولوجيا معلنة أكثر منه مؤسسات فاعلة.
لقد رُفعت الدساتير والقوانين، لكنّها لم تُفعّل على النحو الذي يسمح بترسيخ التداول السلمي للسلطة. فلم تكتمل دورة سياسية مدنية مستقرة تقوم على الاحتكام للدستور والقانون دون أن تتعرض للانقطاع أو الإجهاض بفعل الانقلابات العسكرية أو تغوّل مراكز القوة.
وبدل أن تصبح الشرعية الدستورية المرجعية العليا، جرى تعليق الدستور عمليًا، وتأسست الفردية السياسية، وتم القبض على مفاصل الدولة من خلال القوة العسكرية والنفوذ الشخصي، حتى انتهى الأمر إلى سلطة أحادية تحتكر القرار وتضع المؤسسات في خدمتها.
ولذلك فإن المشكلة لم تكن في غياب الدولة فحسب، بل في حلول سلطة غنائمية محلها. سلطة لا تنظر إلى الوطن باعتباره عقدًا سياسيًا بين المواطنين، بل باعتباره غنيمة تُقتسم بين القوى المتغلبة. وفي هذه الحالة لا يعود الدستور مرجعًا أعلى، ولا القانون حكمًا بين المتنازعين، بل تتحول القوة إلى مصدر الشرعية، وتصبح مؤسسات الدولة مجرد واجهات لتوزيع النفوذ والمصالح.
وهكذا يجد الشعب نفسه عالقًا في حالة أقرب إلى ما قبل الدولة؛ حيث تتراجع المواطنة لصالح العصبية، ويُستبدل القانون بالقوة، والمؤسسة بالفرد، والدولة بالغلبة.
ليست دولةً، وإنما سلطةٌ غنائميةٌ بشعة.
ويبقى السؤال التالي مع كل انقلاب:
هل كان الانقلاب علاجًا للأزمة أم بدايةً لمرحلة جديدة من إعادة إنتاجها بأدوات مختلفة؟
نص البلاغ العسكري رقم (1) للحركة (بيان 13 يونيو 1974م):
"أيها الشعب اليمني العظيم..
أيها الضباط وضباط الصف والجنود الأشاوس في قواتنا المسلحة والأمن..
تلبية لنداء الواجب الوطني، واستجابة لضمير القوات المسلحة والأمن، التي هي حامية مكاسب الثورة والنظام الجمهوري؛ ونظرًا لما وصلت إليه البلاد من تدهور سياسي واقتصادي وإداري، عجزت السلطات القائمة عن مواجهته أو وضع حدٍ له، الأمر الذي هدد كيان الدولة والاستقرار العام؛ فقد قامت القوات المسلحة والأمن، بروح المسؤولية التاريخية، بالحركة التصحيحية بأسلوب سلمي أبيض، وتولت مقاليد الأمور في البلاد.
وإن القيادة العامة للقوات المسلحة، وهي تعلن هذا للوعي العام، تؤكد لأبناء شعبنا الأبي أنها لم تقم بهذا العمل إلا إنقاذًا للمصلحة الوطنية العليا، وحفاظًا على أهداف ثورة 26 سبتمبر الخالدة.
وتقرر اتخاذ الإجراءات الحازمة التالية فورًا:
تشكيل مجلس قيادة برئاسة العقيد إبراهيم محمد الحمدي يتولى إدارة شؤون البلاد وتسيير أعمالها.
إعلان حالة الطوارئ في البلاد حتى إشعار آخر. تعليق العمل بالدستور المؤقت وحل مجلس الشورى.
تلتزم الحركة بكافة المعاهدات والمواثيق الدولية والإقليمية التي وقعت عليها الجمهورية العربية اليمنية.
عاشت الثورة اليمنية، وعاش النظام الجمهوري حرًا مستقلًا، والخزي والعار للخونة والعبثيين.
صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة والأمن
صنعاء 13 يونيو 1974م".
كان انقلابًا عسكريًا متكامل الأركان، مهما تعددت الأوصاف التي أُطلقت عليه لاحقًا. فجوهر أي انقلاب يتمثل في استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة خارج الأطر الدستورية والقانونية القائمة، وهو ما يقر به البيان نفسه عندما يعلن انتقال السلطة إلى مجلس قيادة عسكري، وتعليق العمل بالدستور، وحل مجلس الشورى.
ويلاحظ أن البيان يبدأ بتوصيف الوضع القائم بأنه حالة من التدهور السياسي والاقتصادي والإداري، وأن السلطات القائمة عجزت عن معالجته. غير أن هذه المقدمة لا تقدم أدلة أو معايير محددة لهذا العجز، بل تكتفي بإصدار حكم سياسي عام يُستخدم لتبرير انتقال السلطة.
أما وصف ما جرى بأنه "حركة تصحيحية بأسلوب سلمي أبيض" فيثير تساؤلات مهمة. فإذا كان الاستيلاء على السلطة قد تم دون مقاومة واسعة أو اقتتال داخلي، فإن ذلك يكشف أيضًا أن القيادة السياسية القائمة، ممثلة بالرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني وحكومته، لم تدفع البلاد نحو حرب أهلية دفاعًا عن مواقعها.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت المؤسسة العسكرية تمتلك من القوة والانضباط ما يؤهلها للسيطرة على الدولة خلال ساعات، فلماذا لم يُسخَّر هذا النفوذ لدعم المؤسسات الدستورية وإصلاحها بدلًا من إلغائها؟
إن أخطر ما ورد في البيان ليس تغيير القيادة، بل تعليق العمل بالدستور المؤقت وحل مجلس الشورى، أي نقل الشرعية من القانون إلى القوة.
كما أن البيان يمنح القيادة العسكرية حق تعريف "المصلحة الوطنية العليا" دون تفويض دستوري.
وهنا تظهر المفارقة: يتحدث النص باسم الجمهورية في اللحظة التي يعلّق فيها أدوات الجمهورية الدستورية نفسها.
من زاوية نقدية أوسع
إن إعادة قراءة بيان 13 يونيو 1974م ليست لإدانته أو تمجيده، وإنما لفهمه بوصفه وثيقة سياسية مؤسسة لمرحلة مهمة من تاريخ اليمن.
لم يكن البيان مجرد إعلان لتغيير حكومة، بل إعلانًا لنقل مصدر الشرعية من الدستور والمؤسسات إلى القوة العسكرية.
وقد استند إلى لغة أخلاقية فضفاضة تتحدث باسم الشعب دون تفويض، وتدين النظام القائم دون مساءلة دستورية.
أما وصفه بأنه "سلمي أبيض" فلا يثبت الشرعية الدستورية، بل يصف فقط طبيعة انتقال السلطة دون قتال واسع.
ومن منظور النقد الدستوري، فإن البيان أقرب إلى تأسيس شرعية القوة منه إلى إصلاح شرعية الدولة.
السياق التاريخي والمقارنة السياسية
وفي هذا السياق تبرز تجربة الأستاذ أحمد محمد نعمان بوصفها إحدى المحطات المهمة في تاريخ الجمهورية، فقد استقال من مواقع السلطة منذ عام 1970م، وقدم رؤى إصلاحية داخل إطار الدولة لا خارجها.
كما أن الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني مثّل في تلك المرحلة محاولة للحفاظ على توازن دستوري هش داخل بنية سياسية مضطربة.
وقد أعاد الكاتب عبدالباري طاهر التذكير بهذه الوثائق، وأسهم في إنصاف المناضل الدستوري والصانع الأول للقضية اليمنية الحديثة أحمد محمد نعمان، في قراءته للمستقبل ونقده للأوضاع كحصيف في قراءة الواقع اليمني والسياسي عبر إعادة نشر رسائله واستقالته، بما يكشف اختلاف منطق الدولة عن منطق القوة، والشعور كمناضل بالمسئولية الوطنية.

الخاتمة المفتوحة
والملفت للنظر، لم يعد النعمان بعد استقالته ومحاولاته إصلاح الشأن، فالقوة التي استطاعت التنفيذ كان بمقدورها الذهاب في اتجاه إصلاح شامل!
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه مع كل انقلاب:
هل كان الانقلاب علاجًا للأزمة، أم بدايةً لمرحلة جديدة من إعادة إنتاجها بأدوات مختلفة؟
والسؤال الأهم بمن تم الانقلاب وعلى من ؟! لم يكن الوضع مثالي بل كان هناك تأسيس لتجربة دستورية تقريبًا مجلس نيابي يتكون من 120 نائبًا، 70 منهم بالانتخاب و50 بالتعيين، فالتعيين لأن الأمية كبيرة وانعدام الوعي السياسي، وهناك ضرورة وطنية لتعيين كوادر اكتسبوا الخبرات العلمية والفكرية. لقد كانت تجربة رائدة، وهذه التجربة هي التي كانت في محل الاستهداف من الداخل والخارج، ورجال هذه المرحلة كانوا من النضج الفكري والسياسي والفقهي والقانوني الدستوري، والأدبي.
لقد تم اغتيال الأستاذ النعمان من خلال اغتيال ووأد المشروع التأسيس للدولة باستهداف ابنه محمد، وتداخلت الشكوك وتشابكت الخيوط في عملية استهدافه، لقد كان رجل دولة وفكر مؤسس لها، فالشهيد محمد أحمد نعمان، لقي حتفه في بيروت بعد 14 يومًا فقط من الحركة التي سمت نفسها تصحيحية، وأثناء إبلاغه بالانقلاب كان حينها في الأردن، صمت وظل في ذهول، وبعد صمت طويل قال: كنا نريد عسكر لليمن لا يمن للعسكر، لقد دخلت اليمن بنفق العسكر ولن تخرج منه.
ويبقى السؤال الأوسع:
هل أسست هذه الوسيلة لدولة مؤسسات، أم كرست تقليدًا سياسيًا ظل يعيد إنتاج نفسه حتى اليوم؟
صور لمقال الأستاذ عبدالباري طاهر في جريدة "الثوري" اليمنية الصادرة يوم الخميس جمادى الأولى 1418هـ الموافق 18/9/1997م، العدد (149) الصفحة 4، 5، بعنوان "استقالة النعمان.. وقراءة المستقبل". فلقراءة المقال وإنصاف التاريخ ورجاله.
ملاحظا هامة:
- سعى النعمان والإرياني ورفاقهما لوقف حمام الدم وإقامة دعائم السلام في اليمن ومحاولة بناء الدولة، ولم تعترف السعودية بالنظام الجمهوري، تقريبًا حتى 1969م.
- رفض الرئيس الإرياني إقامة المعاهد العلمية في اليمن بناءً على الإلحاح المستمر والمقدم من السعودية، وتم تأسيسها في فترة الحمدي.
- التعاونيات تجربة يمنية تاريخية رائدة جزء من تاريخ الشعب اليمني في أرضه ومقومات وشروط وجوده خارج القوانين الرسمية، فرضت التجربة نفسها لعوامل طبيعية وزراعية وشروط ومقومات حياة. وفي فترة الحمدي تم إقحامها لتكون تحت إشراف رسمي بدلًا من أن تكون في صلب المجتمع المدني، وقامت بأعمال في البناء والتنمية من أموال المغتربين بدلًا عن الدولة.
