الأحد 2 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • غزو العراق للكويت: بين هندسة مشروع الحماية الأمريكية ومعاقبة دول الخليج لليمن الموحد

غزو العراق للكويت: بين هندسة مشروع الحماية الأمريكية ومعاقبة دول الخليج لليمن الموحد

نعيش اليوم الذكرى السادسة والثلاثين لاجتياح العراق لدولة الكويت في 2 أغسطس عام 1990م، تلك الحادثة التي غيرت شكل المشرق العربي، وأعادت رسم خريطة النفوذ السياسي داخل منطقة الخليج العربي بصورة خاصة، والشرق الأوسط بشكل عام، فكانت حدثاً تاريخياً ومفصلياً جر المنطقة إلى حالة من التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية التي استغلت الأوضاع في منطقة الخليج باعتبارها الميدان المناسب لتأكيد تفرد هيمنتها على العالم الذي عاش الصدمة من الانهيار المتسارع الذي يعيشه الاتحاد السوفيتي، القطب الثاني في العالم، والقوة المكافئة للولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

إجتياح العراق للكويت جيتي
إجتياح العراق للكويت جيتي

 فكانت أحداث اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت الفرصة المواتية لإعلان الجانب الأمريكي قيادته للعالم منفرداً بعيداً عن الاتحاد السوفيتي الذي يحتضر، وساعد الأخير في تحقيق ذلك الإنجاز تهور القيادة العراقية التي خرجت للتو من حرب استنزاف دامت ثماني سنوات مع إيران، وهي تمتلك قوة عسكرية ضاربة وتسليحاً عسكرياً متقدماً، فانتفخ في الجانب العراقي زهو العظمة الذي نصب على إيقاع فخ مرتب تم تجميله لضمان عدم الخروج منه، والضحية التي دفعت ثمن ذلك التعجرف الممزوج بتعاظم القوة والانفراد غير محسوب العواقب في اتخاذ القرارات السياسية المصيرية كانت الشعب الكويتي ومعه الشعب العراقي، فضلاً عن استقرار المنطقة برمتها.

إن الاندفاع العراقي المشفوع بتعاظم القوة العسكرية التي تراكمت طوال فترة الصراع مع إيران في غزو الكويت مثل سابقة خطيرة في عدم قراءة مصالح العالم غير المرئية، ودفع العراق ومنطقة الخليج العربي ثمناً باهظاً جراء ذلك التهور المميت الذي أنهى حالة الاستقرار في المنطقة ودفعها نحو الارتماء في أحضان الجانب الأمريكي المتربص بكل ما يملك للدخول إلى المنطقة والاستقرار فيها تحت شعار الحماية، وكان قرار العراق اجتياح الكويت بمثابة الهدية التي تنتظرها أمريكا على طبق من ذهب للدخول إلى منطقة الخليج العربي، لكن تحت شعار تحرير الكويت تلك المنارة المشعة بالتنوير والإبداع في سماء الوطن العربي، وإسهاماتها التي لا يمكن حصرها في تقديم يد العون والمساعدة لمختلف الدول العربية، بما في ذلك اليمن بشطريه التي امتدت إليه يد الخير والعون الكويتية، ورغم المآسي والجراح لا زالت تلك الأيادي البيضاء ناصعة البياض في إنسانيتها وتعاملها مع الشعب اليمني ودعمه بمشاريع في مختلف المجالات الخدمية والتنموية وبناء الأرض والإنسان، إذ لا يمكن الجحود أو النكران لإرث الكويت الناصع الذي رسمته في جبين أبناء الشعب اليمني، وكان لها الفضل في قيادة عملية تحول كبيرة داخل اليمن في مجال التعليم ومؤسساته المختلفة التي جادت بها منذ سبعينيات القرن الماضي.

إن اجتياح العراق للكويت مثل نقطة تحول جذرية في مسار العلاقات الأخوية داخل المحيط العربي نتيجة حالة التباين التي أربكت المشهد والموقف العربي المشتت مما ساهم في استفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار من خلال حشد الطاقات اللازمة لتحرير الكويت والتأسيس لواقع سياسي جديد عنوانه بناء وجود دائم للأمريكيين داخل الخليج العربي الغني بالموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط. دفع العراق الثمن بشكل باهظ وقبله كانت الكويت التي تعرضت للتخريب الممنهج، ثم تدافع الجميع لدفع ثمن المغامرة غير المحسوبة للرئيس صدام حسين الذي أخذته نشوة الحرب العراقية الإيرانية لفتح باب مغامرة جديدة غير محسوبة العواقب، وكان الثمن الفوري الذي سدده العرب مباشرة بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية انتهاء حالة الهدوء في المنطقة وجعلها بؤرة للصراع والتوتر، وعلى رأس ذلك العراق الذي لم يغلق ملف اجتياحه للكويت إلا عام 2003م بعد أن اجتاحته القوات الأمريكية والبريطانية وقضت على حكم الرئيس صدام حسين، وقبل ذلك ونتيجة لطبيعة التدخل الأمريكي أصبح من الصعب خروج العرب بموقف موحد تجاه مختلف القضايا التي تهم المنطقة والإقليم بشكل عام.

والسؤال الملح: هل استفاد العراق من اجتياح الكويت، وهل كسب العرب شيئاً يذكر من وراء تلك الحادثة التي قضت على وحدة المشروع والمواقف العربية تجاه مختلف القضايا التي تهمهم؟

دفع العراق قبل أي شيء آخر الثمن غالياً من وراء تهوره غير المحسوب في الدخول إلى الكويت، وكان الثمن المباشر تدمير جميع المكتسبات الاستراتيجية التي كان قد حققها، فالجيش العراقي الذي مثل القوة الأولى في منطقة الشرق الأوسط تعرض للضرب والتدمير، والمستفيد هنا الكيان الإسرائيلي الذي كان ينظر للجيش العراقي كتهديد وجودي له، وكان الثمن الأكثر مأساوية تدمير نهضة العراق العلمية والثقافية التي كانت تشكل نموذجاً يحتذى به في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، لا سيما أن مستوى التطور العلمي بلغ أعتاب الدخول ضمن النادي النووي، ويشكل مفاعل تموز الذي تعرض للقصف الإسرائيلي في الثمانينيات إشارة واضحة على الخطوات التي قطعها العراق.

أما على مستوى الأمة العربية فقد ترتب على حرب الخليج الثانية تعرض اللحمة الأخوية بين العراق ودول الخليج الأخرى لهزة كبيرة كان من الصعب ردم تلك الهوة بينهما نتيجة اهتزاز الثقة بين الطرفين، ولم تقتصر الخسارة على الدول العربية المحيطة بالعراق، بل إن الخاسر الأكبر من أحداث غزو العراق للكويت كانت القضية الفلسطينية التي تعرضت لهزة كبيرة بعد أن دب الخلاف والصراع داخل دول الخليج القوة الاقتصادية الكبيرة داخل الوطن العربي الداعمة للقضية الفلسطينية، وكان الرابح الوحيد من ذلك الخلاف إسرائيل التي قال أحد كبار قادتها في تعليقه على الأحداث بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تأسيس وجودها الدائم في الخليج: "على الفلسطينيين اليوم أن ينزلوا من الشجرة" وهذه إشارة لمدى قوة موقف الفلسطينيين في أي مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، ورغم التحرك الأمريكي السريع الذي جاء بعد تحرير الكويت وضرب الجيش العراقي وإخراجه بالقوة منها في بحث القضية الفلسطينية والبدء في فتح مفاوضات الحل النهائي بينهم وبين الإسرائيليين بدءاً في مفاوضات مدريد وانتهاء باتفاق أوسلو، وكل ذلك رغم الخطوات المتقدمة في هذا الاتجاه لم يكن الهدف منه معالجة القضية الفلسطينية، وإنما محاولة أمريكية لسحب حالة الاحتقان العربي الشعبي تجاهها بعد ضرب العراق وتدميره.

لم تقف ارتدادات اجتياح العراق للكويت في مثل هذا اليوم من عام 1990م عند العراق نفسه وبقية دول الخليج العربي الأخرى، بل شملت تلك الهزات المنطقة برمتها، وكان اليمن الموحد أول البلدان العربية التي تعرضت لانتكاسة كبيرة نابعة من قناعة دول الخليج العربي باتهامه صراحة بالوقوف مع صدام حسين وتأييده لاجتياح الكويت، وكانت تلك الاتهامات مبنية على قناعات شخصية لا تستند إلى دليل ملموس يثبت تأييد اليمن لغزو الكويت، بالرغم من التحركات الماراثونية لقيادة اليمن لحل المشكلة في إطار البيت العربي، أي احتواء المشكلة وحلها في إطار جامعة الدول العربية، وكان لهذا الموقف تداعيات كبيرة اتهم على إثرها اليمن بتأييد الغزو العراقي للكويت، ودفع ثمن تلك التهمة طرد نحو مليوني مغترب من دول الخليج العربي، وشكل ذلك ضغطاً كبيراً على الموازنة العامة للدولة التي دخلت في أزمة اقتصادية خانقة هددت بانهيار الدولة التي كانت تعتمد على تحويلات المغتربين والإعانات الاقتصادية الداعمة لموازنة الدولة، والقاعدة الثابتة أن الجميع دون استثناء دفع ثمن تهور العراق بغزو الكويت وكانت اليمن أكثر الدول العربية تضرراً من جراء ذلك.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.