الإعلام بين السلطة والفساد
عندما تتحول المنابر إلى أدوات لحماية النخب
أزمة اليمن خلال العقود الماضية ليست أزمة حرب فقط، بل كانت أيضًا أزمة منظومة كاملة أعادت إنتاج نفسها سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا في كل مرحلة من مراحل التحول. فالأسماء تتغير أحيانًا، والشعارات تتبدل، لكن الشبكات ذاتها ظلت حاضرة في المشهد، تنتقل من سلطة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، دون أن تفقد امتيازاتها أو نفوذها.
ومن بين أكثر الظواهر إثارة للقلق استمرار جزء من المنظومة الإعلامية في أداء دور لا يتعلق بكشف الحقائق أو مساءلة أصحاب القرار، بل بحماية النخب السياسية والاقتصادية التي راكمت نفوذها وثرواتها خلال العقود الماضية، فبدلًا من أن يكون الإعلام سلطة رقابية مستقلة، تحول في بعض الحالات إلى مظلة دعائية تعيد تدوير الوجوه نفسها، وتقدمها للرأي العام باعتبارها خبراء ومنقذين وصناع قرار، رغم ارتباطها بمراحل من الفشل السياسي والاقتصادي والإداري.
لقد شهد اليمن خلال العقود الماضية انتقال عدد من الشخصيات النافذة من مواقع إلى مواقع أخرى دون انقطاع حتى في شمال اليمن. فمن عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح إلى الحكومات المتعاقبة والشرعية ومؤسسات الدولة المختلفة، بقيت شبكات المصالح ذاتها حاضرة داخل مفاصل القرار والإعلام والاقتصاد. ولم يكن مستغربًا أن تنتقل بعض الشخصيات من موقع المسؤول التنفيذي إلى موقع المستشار، ثم إلى موقع الخبير أو الناطق غير الرسمي باسم السلطة، بينما تبقى الامتيازات مستمرة والأسماء متكررة.
وفي موازاة ذلك نشأت فئة من الإعلاميين الذين لم يعودوا يمارسون دور الصحفي أو المحاور المستقل، بل تحولوا إلى مروجين دائمين للنخب ذاتها. فالحوارات التي يفترض أن تكون مساحة للمساءلة والمحاسبة تحولت إلى منصات للعلاقات العامة، يتم فيها تقديم الشخصيات النافذة باعتبارها جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة، بينما تغيب الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة وإهدار الموارد العامة.
واللافت أن بعض هذه الشخصيات التي تظهر باستمرار في المنصات الإعلامية ارتبط اسمها بمراحل شهدت تراجعًا حادًا في الخدمات الأساسية، وتدهورًا في الاقتصاد، وانهياراً لمؤسسات الدولة، وأزمات مزمنة في الكهرباء والطاقة والنفط والإعلام الرسمي. ومع ذلك تستمر في الظهور باعتبارها مرجعيات وخبرات وطنية، بينما يغيب أي نقاش جدي حول مسؤوليتها السياسية أو الإدارية عن الإخفاقات المتراكمة.
وفي الوقت الذي يعيش فيه ملايين اليمنيين أوضاعًا معيشية قاسية داخل البلاد وخارجها، تستمر حالة من الغموض بشأن العديد من المؤسسات والهيئات والمراكز التي تُرصد لها موازنات وأموال عامة رغم محدودية أثرها أو غياب نشاطها الفعلي عن المشهد العام. وتزداد التساؤلات حين تتحول بعض المواقع العامة إلى مساحات مغلقة لإعادة توزيع الامتيازات بين الدوائر نفسها، بينما تبقى الكفاءات الحقيقية والوطنية خارج المشهد، بل يجتمع الجميع إلى إنهائه.
إن المشكلة لا تكمن فقط في الفساد المالي أو الإداري، بل في الثقافة التي تحيط به وتحميه. فحين يصبح الإعلام شريكًا في صناعة الصورة بدلًا من كشف الحقيقة، وحين تتحول المنابر إلى أدوات لتلميع المسؤولين السابقين والحاليين ومسؤولي حتى الحوثي، فإن الفساد لا يعود مجرد ممارسة فردية، بل يتحول إلى منظومة متكاملة قادرة على إعادة إنتاج نفسها باستمرار.
كما أن أخطر ما في هذه المنظومة أنها لا تكتفي بإهدار الموارد، بل تسهم في إضعاف ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها. فالمواطن الذي يرى الوجوه ذاتها تتنقل بين المناصب لعقود طويلة دون مساءلة، ويشاهد الخطاب الإعلامي ذاته يعيد تسويق الفشل باعتباره نجاحًا، يفقد تدريجيًا ثقته بإمكانية الإصلاح الحقيقي.
ولا يقتصر الأمر على طرف سياسي واحد، فاليمن اليوم يعاني من شبكات مصالح متعددة ومتداخلة، بعضها مرتبط ببقايا النظام السابق، وبعضها نشأ خلال سنوات الحرب، وبعضها استفاد من الاقتصاد الموازي، والذي يستفيد من باب المندب الذي ترعرع في ظل غياب الدولة وتفكك المؤسسات. وقد أنتجت هذه البيئة طبقة جديدة من المنتفعين الذين راكموا النفوذ والثروة، بينما كانت البلاد تخسر مواردها ومؤسساتها وفرصها التنموية.
وفي خضم هذه الفوضى برز اقتصاد حرب واسع استفاد من الانقسامات السياسية والعسكرية ومن الأزمات المتلاحقة. وبينما كان المواطن العادي يواجه الغلاء وانقطاع الخدمات وتراجع فرص العمل، كانت شبكات المصالح المختلفة تجد دائمًا طرقًا جديدة للحفاظ على امتيازاتها ومصادر دخلها.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط الفساد ذاته، بل غياب المساءلة الحقيقية عنه، فالدول لا تنهار بسبب الأخطاء وحدها، بل بسبب قدرة الفاسدين على الإفلات من المحاسبة وإعادة إنتاج مواقعهم ونفوذهم في كل مرحلة جديدة مع فاسدين وأقرباء جدد.
ولهذا فإن استعادة دور الإعلام المهني المستقل أصبحت ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن استعادة مؤسسات الدولة نفسها، فالإعلام الذي يخشى مساءلة المسؤولين ليس إعلامًا، والصحافة التي تتحول إلى منصة لتسويق النخب ليست سلطة رقابية، بل جزء من الأزمة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه اليمنيون منذ سنوات كيف يمكن بناء دولة جديدة إذا كانت الوجوه التي أدارت مراحل الفشل السابقة ماتزال هي نفسها التي تتحدث باسم المستقبل؟ وكيف يمكن استعادة ثقة الناس بالمؤسسات، بينما يستمر تدوير النفوذ والامتيازات داخل الدوائر ذاتها، في وقت يدفع فيه المواطن وحده ثمن عقود من الأخطاء والحروب والفساد؟ وكيف نتخلص من إعلاميين هلاميين يضعون نفس الأسئلة المكررة لتلميع فسدة قد نهشوا حتى إيرادات مراكز إعلامية لدى سفارات في دول عربية بحكم أنها مغلقة، وتذهب ميزانيتها لأبنائهم اللاجئيين في أوروبا.
