نطحة زيدان والبكاء على توتي
كرة القدم: تشجيع وسرد ودموع
هناك صورة انضمت الى الصور العديدة المعلقة على جدران الغرفة.صورة لنجم كان أخي يتحدث عنه بكثير من الاعجاب، وبقدر أكبر من التعالي كلما سألت عن اسم لاعب كرة قدم لا اعرفه، كان يعتبر جهلي بأسماء اللاعبين فرصة مثالية ليستعرض مهاراته وشغفه.
هذا بالذات كان أكثر شيئا يغيضني فيه، كان يعتبر نفسه قاموس النجوم الرياضية. في تشجيع المنتخبات اختار أن يكون ايطاليا، وأنا برازيليا، كان مجرد اختيار شكلي لانه كان يمارس سطوته الرياضية وبطشه وكنت مجرد مشجع مبتدئ عليه ان يقدم التنازلات ليس باختياري ، فحديث العهد بكرة القدم بالذات عليه ان يصغي وحسب.
فالمسألة هنا تتعلق بمسار زمني تصاعدي مشبع بالمعلومات، اسماء النجوم وتراكم الخبرة بالنسبة لهؤلاء المشجعين المتعجرفين ، اذ كنت انظر له وأصدقائه هكذا.
من هذه المنافسة داخل البيت بدأت علاقتي بحب وتشجيع كرة القدم، استمريت في تشجيع منتخب السامبا منذ مونديال 1990حتى 1998.
قبلها في الثمانينات كنت قد تابعت مباريات كأس العالم بالذات 86 لكن لا اتذكر تفاصيلها وما فعله مارادونا بالعالم يومها.

رغم ان مارادونا كان يسكن خيالي منذ وقت مبكر، لم أكن أفهم آنذاك معنى ان يقود لاعب بلاده إلى لقب عالمي؛لكن اسمه و حضوره كانا كافيين ليخلق الاعجاب للإبد، إذ كان دايجو حديث العالم في كل مايفعله داخل المعلب وخارجه والذي امتد حتى ما بعد اعتزاله ودخوله مراحل علاجية للتعافي من التعاطي وغيرها من قصص مارادونا الملهم.
لاحقا اقتربت من عالم مارادونا والارجنتين فتحول الاعجاب إلى عشق وانتماء رياضي واصبح الارجنتين منتخبي الذي رافقته في الانكسارات والافراح حتى زمن ميسي.
منتصف التسعينات كان التشجيع قد خرج من البيت إلى المدرسة ثم الحي بفعل شقيقي وبعض الاصدقاء كنا نلعب كرة القدم،نقلد النجوم،و نرتدي قمصانهم باعتبارها جزء من هوايتنا الرياضية وهويتنا التشجيعية المتواضعة،
ما تبقى اليوم هنا من ذكريات التشجيع المستمرة ربما انعطفت به الكلمات الى هذا النص المفعم بقصص وحكايات كرة القدم التي لا تتوقف عن ادهاشنا لتبقى هذه اللعبة كأكبر معمل لأفراح الشعوب وأحزانهم وحافلة بالدراما ، حتى لحظاتها الاخيرة و معها تمضي الفصول بين خيالات لاعبين ومدربين نحفظ اسمائهم ونتذكر حتى مشاعرهم ومواقفهم وتاريخهم باق معنا،
قصة خسارة البرازيل التي قرأنها لاحقا مثلا لكأس العالم في عام 1950 اعلنت بعدها الحداد وغيرت قميص منتخبها إلى الابد .
قبل ايام غادر المدرب الفاتن “بب غوارديولا “ناد مانشيستر سيتي بعد عشر سنوات من التدريب وجلب البطولات بالجمله وشاهدنا كمية الاحتفاء بتاريخه وكيف جرى توديعه.
عدد من اللاعبين ايضا شاهدناهم يغادرون انديتهم بالكثير من الحفاوة والحزن كمحمد صلاح ليفربول، وليفاندوفيسكي غادر برشلونة وغيرهم.
الكثير من النجوم تبقى مسيرتهم حافلة بالانجازات وتصريحاتهم المثيرة حتى لحظة الوداع، ومن لا يتذكر نهضت مارادونا الارجنتيني بنادي نابولي الايطالي ولا يزال يعتبر حتى اليوم-رمز استثنائي اطلق اسمه على ملعبهم، ايضا مارادونا نفسه الذي حقق كأس العالم بهدف مغشوش بيده وليس بضربة رأسه اثار الجدل لكنه عندما سأل عنه قال تصريحه الشهير : انها يد الله”.
اما رونالدو الظاهرة البرازيلية علق على اصابته في الركبة التي ابعدته عن الملاعب فقد قال: كنت افضل ان لا اتعرض لتلك الاصابات، لكنها غيرت حياتي ، لقد جعلتني انسانا افضل”.

روبارتوباجيو عندما اهدر ضربة الجزاء في نهائي كأس العالم 1994 وخسرت بلده ايطاليا البطولة اطلق مقولته الحزينة: لقد مت واقفا"دليلا على انكساره من الداخل لحظتها.
ميسي الذي افتتن به جيل كامل اثار-هو الاخر-ضجة عالمية وهو يغادر ناديه المفضل برشلونة في صيف 2021بعد ان قضى فيه 21 سنة.

نطحة زيدان الشهيرة في نهائي كأس العالم 2006بين فرنسا وايطاليا حين لحق المدافع الايطالي ماتيرازي بزيدان ووجه له كلمات لم يعرفها احد حتى اليوم ،فنطحه زيدان برأسه بقوة في الصدر وجرى طرده من المباراة وخسرت فرنسا النهائي.

في نظري ان اعظم وداع وكلمات موثرة في كرة القدم في القرن الواحد والعشرين -بكيت معها بشكل ملفت- رغم ان لم اكن اشجع حتى نادي روما الايطالي، كان للنجم فرانشيسكو توتي في مايو 2017بعد ان اسدل الستار على مسيرته الكروية مع ناديه روما والتي امتدت لاكثر من ربع قرن، في ليلة الوداع التاريخي تحولت المدرجات الى بحر من الدموع والتصفيق ، ولم يستطع توتي نفسه اخفاء تأثره وهو يودع النادي الذي قضى فيه حياته الكروية كلها،لم تكن تلك مجرد وداعية ورحيل الاسطورة واحد نجوم النادي،بل كانت خاتمة قصة وفاء نادرة بين توتي وجماهير وادارة روما،لذلك بقيت واحدة من أكثر المشاهد تأثيرا في تاريخ لعبة كرة القدم.
كبرنا فرحنا وحزنا مع منتخباتنا و أنديتنا في لحظات التشجيع،وظل هذا الشغف يرافقنا حتى اليوم في متابعة كرة القدم بالذات بوصفها نوعا من الفن الادائي ومع كل تلك المهارات المكشوفة التي يقوم بها اللاعبون امام العالم.
اليوم ونحن على عتبات مشاهدة نسخة جديدة من بطولة كأس العالم اتذكر تلك الايام والليالي التي عشناها في تعز وعدن و صنعاء برفقة ركائز وجواهر الاصدقاء و الزملاء الرياضيين اثناء بطولة كأس العالم بأغلب نسخه المتعددة بالالفين حتى 2014 قبل الانقلاب وسقوط الدولة وكان يتشكل الطقس اليومي منذ منتصف النهار ويمتد حتى بعد منتصف الليل،طقس بديع تتخلله المناكفات والمهاترات الرياضية بشكل لطيف وبلا احقاد أو ضغائن فقط بروح رياضية وشغف وحب كبير للحياة.
