عبدالرحمن منيف وروايته مدن الملح: بادية الظلمات.. الجزء الخامس والأخير (الحلقة الرابعة)

ظَلَّتْ مُورَان تنتظر وَتَرتَقِب. الرِّجَال يَعُودونَ مُبكِّرين؛ لِيسمعُوا الإذاعات، والنساء يَجمعنَ الأخبارَ من خَدَم القُصُور والماشِطات، وَيُضِفنَ الكَثير.
وَيُعَلِّق عُمير على الأحداث بِتشفِّي. أمَّا مفلح فَيُسمِّي خريبط الثَّورَ الكَبير، وَتَحدَّدَت عُيون أهل مُورَان، وَدَقَّ سَمعُهُم، وَافتَرشُوا الأرض؛ كَمَا فَعَلوا في مَرَض خريبط، وزواج وإزاحة خزعل.. والانتظار مَملُوء بِالنُّكَت وَالسُّخريّة(1).
قَالَ راكان لِعَددٍ من المُهنِّئينَ مِنْ أقربائه الذينَ أشاروا إلى تَندُّر أهل مُورَان: «إذا رِجَال خَلُّهُم يحملون.. والله لا طَلِّع حَليب أمهاتهم من خُشُومهم ويوشوفون»(2).
يَسرُد القَسوَةَ المتناهية في إعدام سَبعة أطفال من «دولة الدَّوَاحِس»؛ اتُهِمُوا بالتفجير في السُّوق العتيق، وأمام وزارة الدفاع..
أجسادهم الهزيلة الدَّالَّة على الجُوع، وَالبُؤس، وَالتَّعذيب.. مَلابسهم المُمَزقَّة؛ مناظرهم التَّعيسة؛ يُقَدَّمُون ضَحايا للصراع بين الدَّوَاحِس، وأولاد خريبط.
تستضيف مُورَان أعدادًا هَائلةً من شيوخ البَدو وحراساتهم وأقربائهم، وَتُغدِق عليهم الهَدايَا والأموال.
طَالِبٌ يُحَضِّر دِراسَتهُ للدكتوراه؛ عندما شَاهَدَ منظر الإعدامات.. مَزَّقَ أوراق بحثه، وَيَسخَر من المستر كرستوفر الذي صَدَّعَ الرؤوس حَولَ مشاهد القسوة في إسبانيا؛ وذنب المعدمين أنهم ينتمون لدولة معادية(3).
في الحُدُود بَحَثُوا للعثور على أحدٍ من الدَّوَاحِس، فلم يَجِدوا؛ وفي «الطَّرِيفَة» لم يجدوا مَنْ تنطبق عليه الأوصاف المطلوبة كَـ «أضَاحِي».
حِينَ لَم يَتِمَّ العُثُور على أحدٍ من الدَّوَاحِس؛ جَرَى البَحث في السُّجُون.
أُعدِمَ خميس البطي الذي ينتظر الأمر بالإفراج عنه؛ وَقَد كَانَ لإعدامهِ أثَرٌ عَميق، وَأدَّى إلى رُدُود الفِعل. فخميس البطي من أقدم السُّجَناء وأشهرهم، وَيَحظى بِسُمعَة طبية دَاخِلَ السجن وخارجه، وَكَانَت أسرتُهُ تنتظر الإفراج عنه.
صَمتٌ قَاسٍ.. لم يجرؤ أحَدٌ على أن يتكلم؛ لأنَّ رَائحةَ الدَّم كانت ثقيلة، وَتَملأ الجَوَّ.. حَتَّى النظرات التي تبادلها الأخوة كَانَت سَريعة مُتردِّدَة، ثُمَّ انسحَبَت؛ لتتركَّز على السُّلطان.
وَلأنَّ العُيُون كَانت كأفواه البنادق، كَدَوَّامَات المياه؛ فَإنَّ الاضطرابَ اشتدَّ بفنر؛ فَتحرَّكَ أكثرَ من مَرَّة.
قال: «وأنا اللي أمرت، وَقُلت لراكان: أعدموا عشرين، ثلاثين؛ تصير السلطة مِثلَ السَّاعة لا تقَدِّم ولا تؤخر، ويصير النَّاس مثل المحبس في اليد؛ تقول لهم: موتوا يموتوا»(4).
تَساءلَ سَنَد عن شَرعِيَّة الإعدامات، وعن المحاكمات؛ وكانت ردود فنر قَاسية. أمَّا عُمَير، فَبكَى، ولم تَتأخَّر الحَرب بين الطرفين، بَعدَ شُهُورٍ من التعبئة والتحريض(5).
يَسرد التَّغيُّرات التي أحدثتها الحَرب مَعَ الدَّوَاحِس: التَّغيُّر في الخِطَاب. حتى يونس شاهين الذي عُرِفَ بِالصَّوت الهادئ حَدَّ الخَجَل، ظَهَرَ برفقة السُّلطان؛ تَغَيَّرَت صورته وشكله: الكلام الهادئ الذي يغلب على كتاباته.
يُشِيد ببطولات البَدو، وَجَمعَ مجموعات من المقالات والدراسات في كتاب؛ كُلُّهَا تؤكد أنَّهُ لا يمكن كَسبُ الحرب إلا إذا كان البدو مَادَّتَها الأساسية. الاهتمام بأشعار البادية (الزوامل) (الكاتب).
امتلأت مُورَان بأعداد من كِبَار البدو وحُرَّاسِهم وأتباعهم. اتخذت الكلمات صيغة أزيز الرَّصَاص، والخطاب قذائف، وتغيرت الأسواق والأماكن والمطاعم، وَجَرَى توقيع اتفاق حول تَعديلات في مدينة السُّلطَان والبناء، وفي توريد السِّلاح.
أحسَّ ليفي أنَّ وجود «اليانور» في أيِّ لِقَاء يكون فيه راكان مَوجودًا أمامهم؛ خُصُوصًا عِندمَا تَضَع يدها فَوقَ يَدِهِ؛ لِتُحَاولَ أن تلفت نظره؛ أن تكلمه؛ فَعندئذٍ يصبح إنسانًا آخر(6).
في اليوم التَّالي وَقَّعَ العَقدَ الجديد الخاص بصفقة السِّلاح. لَعِبَ ليفي دَورًا رَئِيسًا؛ لَيسَ في ترتيب العقد فقط؛ وَإنَّمَا في تمرير بعض البنود الخَاصَّة(7).
يَكتب حَمَّاد رِسَالةً إلى صَديقٍ له بعد تَعيينهِ سَفيرًا في اليابان، وَيَشكُو رَغبَتهُ المُطلَقة، ودوره في التحول، وأنه لولا موقفه وتأييده، لَمَا نَجَحَ فنر، وَأنَّهُ كَانَ كُلَّ شَيء..
«صَاحبنا يريد مِمَّن حَولهُ أن ينفذوا الأوامر».
وَينصح بعدم الاستقالة، وَأنَّ الشَّوَاغِر كلها قد مُلِئَت، وَأنَّ الدَّولة سَيطَرت على التِّجَارة، وَعَلى كُلِّ شَيء، وأنه لا يمكن العمل في أيِّ مَجَال دون الرِّضَى من صاحبنا.
يَنصح بالابتعاد عن مُورَان، وَيَردُّ عليه صديقه أنَّ رسالته لو قُرِأَت؛ تكون النتائج وخيمة، وَأنَّهُ أحرَقَها بعد القراءة، وينصحه بعدم الكتابة لحظة الانفعال، ويخبره أنه ينوي قضاء إجازته في إسبانيا؛ مُتمنيًا الالتقاء.
في مُورَان يجري الحديث عن الذين صَاروا فَوقَ الرِّيح؛ وهم الذين يُؤَمِّنُونَ تموين القُصُور، وَحَاجات الجيش وأرزاقه.
سَافَرَ شَدَّاد بخيله إلى مصر.. قال السُّلطان: «آل المطوع راحوا لعدانا اللي يريدون روسنا».
قال راكان: «آل المطوع يلعبون بذيلهم».
رَدَّ فنر: «بَعدَ اليوم ما يفلت مِنَّا أحد. اللي يجي بالفلوس نجيبه، واللي مَا يِجِي بالفلوس يجي بغيرها»(8).
يقول راكان: «إنَّ شَدَّاد التقى بِعُمَير لساعات، وَطَرَش فرس، وفلوس لشمران».
رَدَّ عليه: «شمران بالقفص، وأولاده عندنا». يقصد معتقلين (الكاتب).
قال السُّلطان يُخاطِب نفسه: «هذولا البدو مَا ينعطون وَجه، ومَا يشبعون؛ فيلزم الواحد ينقط لهم تنقيط؛ لا يشبعهم، ولا يجوعهم. إذا شبعوا؛ فَسَقُوا، وإذا جَاعُوا، يبيعون دينهم، وربهم، واللي يعطيهم. وَمَادام الله عطانا يلزم نذكرهم؛ نعطيهم؛ نربطهم بالحكومة؛ نشغل أولادهم؛ نخليهم حوالينا؛ نقول لهم: ذهب الحكومة قريب، وسيفها أقرب»(9).
الخَوف من الإعدامات تلاشى. الضِّيق بِالحَرب يَتَّسِع، وَالأعداد الذين دُفِعُوا للحرب عَادُوا لاجئين.
حرب الدَّوَاحِس مختلفة عن حرب خريبط؛ لأنَّهَا دَخَلت كُلّ بيت، وَكُلّ إنسان. خطباء الحرب وشعراؤها بَارَت سُوقُهُم، وبلاغات الحرب لم يَعُد أحد يَثِق بها.
سَنَد- عَاشِق البادية ضِدَّ الحَرب.
ازدادَ تَردُّد غزوان على مُورَان بعد توقيع اتفاق تَوريد السِّلاح، وعقد المدينة الجديدة.
انقسمت الشركة العالمية إلى فريقين:
الأول في مُورَان؛ وفيه غزوان أحيانًا، وَصفاء دَائمًا.
والثاني في سان فرنسيسكو؛ وفيه ليفي شاوات، واليانور أحيَانًا.
أعطى راكان صفقة سيارات نقل كبيرة لغزوان، بَعدَ أن كانت مُعطَاة لابن العليان. استاء ابن العليان، وَكَانَ راتب الحَفَّار يَنتَّظِر مُقَابلة راكان؛ مَوعُودًا بصفقة استيراد الرُز، وَالسُّكَّر، والشاي؛ فَدَخلَ مع غزوان؛ فأعطيت الصَّفقَة لغزوان، وَأعطِىَ راتب المواد المحلية كاللحوم، والخضروات، والخبز.
وَيَقوم غزوان باستيراد ملابس الجيش، وَالتَّجهيزَات الطِّبيَّة؛ إضافةً إلى الأغطية، وإطارات السيارات، ومستلزمات حرس القصور، ومستلزمات السُّجُون.
قال ابن البخيت: «هذا اسمه غزوان.. غزو واحد يكفينا»(10). وَأشَارَ إلى قِصَّة: «رَحِمَ الله النَّبَّاش الأول».
شَكَا رَاتِب لسعيد الأسطه أنه وَقَعَ في فَكَّي الذِّئب؛ لا يحلل ولا يُحرِّم؛ ومن يُشَابه أبوه فَمَا ظلم. وقال راتب بحسرة: «أخْ يا زبي! لو تحكي»(11).
عمير لم يَعُدْ يَخرُج من بيته بعد يَوم الإعدامات. قال لابنه: «يا وليد، أولاد خريبط ذئاب، وَشَمُّوا ريحة دم. وَالذِّئب إذا شَمّ ريحة الدم يقتل نفسه؛ إذا لم يجد من يقتل»(12).
قَالَ السُّلطان لراكان: «هذي مُورَان يا أبا منصور ما تفهم إلا بالعصا، ولا تتعلم إلا بالعين الحمرا...، وبالدَّم.. واللي يريد يجرب؛ خله يطلع قرعته»(13).
بَدأَ الصِّراع بين الشركة العالمية للاستيراد والتصدير، وَوَصلَ إلى المَحَاكِم في أمريكا.
تَوجَّهَ روبرت يونع إلى مُورَان؛ وفي اعتقاده أنَّ النِّزاع يُمكِن أن يَحلَّهُ القاضي بجلسة واحدة؛ وفي ذهنه أحكام قطع اليد، والرِّجْل.
وَصَلَ ليفي شاوات، وغزوان، واليانور، ونزلوا في إحدى استراحات راكان، وسُرعان ما قابلوه، وَأعطُوه صُورة سَيئة عن روبرت، ودوره في التعطيل والإعاقة؛ فَأمَرَ بِسُرعة ترحيله. وَأبلغَ راكان السُّلطان أنَّ روبرت مَتعَاون مع الدَّوَاحِس، ويبلغهم بأنواع الأسلحة، وَالتَّحرُّكَات، وَالخُطَط، وَأنَّ المعلومات دَقيقة وَصَادقة، وَأنَّ روبرت يونغ- شريك غزوان لم يرتح؛ لتأخر بناء المدينة الجديدة؛ لكن الدوائر الأمنية رَاقَبت بِدقَّة كُلَّ تحركاته؛ وَاتُخِذَ قرار بإبعاده.
وَكَان رأي السُّلطان اعتقاله، وتقديمه للمحاكمة، وإبلاغ أمريكا بذلك، وَتَولِّي ليفي المواجهة في المحاكم الأمريكية التي يثق في تطويلها؛ وَأنَّ المآل الصُّلح.
في الصَّيف اضطربت مُورَان، وَغَادرَهَا الهدوء الرَّجرَاج. قال عمير: «ابن أختي عوج؛ وما يشفيه إلا الموت».
وَصَلت كَمِّيَّات وفيرة من الأسلحة جَعَلت مساعد في حالة هيجان أقرب للجنون؛ بسبب تراخي المعارك.
قال راكان للسُّلطان: «للحرب رأس واحد؛ وأنت رأسها؛ فيلزم إيقاف سند عند حَدّه».
أثني على دور مساعد في وزارة الدفاع، وَطَلبَ عدم الاستقالة..
«َسَنَد أخونا.. ولا بُدّ يرده حليبه، أو ترده شهامته»(14).
أصبحت المعارك البرية شِبه مُستحيلة. زَوَّدَهُم غزوان بسبعة طيارين بعد أن رَفَضَ الطَّيَّارُون المحليون قَصفَ كُلِّ شَيء، وَقتلَ البشَر، وتهديم القُرَى، وَإحرَاقَ المحاصيل؛ فكانوا يَمتنعون، أو يُلقُونَ القَنابلَ في الصَّحراء.
جَرى الاعتماد على الطَّيران بصورة أساسية، وعلى الطيارين الأجانب، والموافقة على شُروطهم.
تَعرَّضَت حومة الوادي للقصف.. قُتِلَ العَشَرات، وَأحرِقَت الخِيَام، والنخيل؛ وَهَلاك الأغنام والجمال خطأ أو سهو؛ وَرُبَّمَا الأسباب أبعد من ذلك.
وَسُكَّان الحومة من أخوال سَنَد، وَكَانت الغَارَة رِسَالة إليه. أمَّا القوافل التي كانت تنتقل من الحُدُود إلى الدَّاخِل؛ فقد تَعرَّضَ عَددٌ منها إلى غَاراتٍ جوية مُدَمِّرة. فَإنَّ الكثيرين يُؤكدون أنَّ الطيارين الأجانب قَاموا بها؛ نتيجة أوامر صَدَرت إليهم؛ لكي يُعطوا دَرسًا أنَّ الحرب لا تميز بين الفُصُول، ولا توفر أحدًا؛ ولكي تثبت خَطأَ الذين تخلوا عن مُهِمَّاتِهم الحربية، وَفَضَّلوا العودة إلى أهاليهم وديارهم(15).
الدَّمار الذي ألحَقتهُ الغَارات الجوية في الحُدُود لا يُوصَف. بَعَثَ سند أخاه مُسفِر برسالة للسُّلطان: «تعلم يا فنر ما قصرت نحوكم.. كنت في حرب دائمة مع ربع خزعل؛ من أجلكم؛ فهل هذا جزائي؟!».
ثَلاثَة من أخوالي قُتِلُوا، وعشرات غيرهم. أمَّا الطَّرش، والزرع؛ فلا تسل. وَطَلب تغيير مساعد إذا أريد تَصَافي القُلُوب(16).
وَكَان غضب السُّلطان شَديدًا، وبدأ مساعد يلمح لراكان بضرورة قتل سند، ولم يوافقه راكان.
من شروط العقد مع الطيارين الأجانب والفنيين أن يحق لهم التَّمتُّع بالإجازات بعد ساعات من الطيران، أو شهور بالنسبة للفنيين، وتوفير وسائل الراحة والمتعة في القاعدة، وتوفير مطعمين: الأول في الطَّابِق الأرضي؛ مُشتَرَك مع العرب، وَأن يَكُونَ العَرَب من طَبَقة مُعَيَّنة.
والثاني في الطَّابق العُلوي، وفيه بَار؛ وهو مقصور على الأجانب، وَمَنْ يَدعونهم مِنْ الضُّيوف.
وَيَتضمَّنَ العقد استدعاء عَدَد من الفتيات أسبوعيًا بقدر عدد المُسجَّلَة أسماؤهُم من العَاملين في القاعدة.
يوافق مساعد؛ طَالبًا التفاهم مع راكان.
قال راكان: «يلزم وصولهم بالليل، ولا أحد يحس أو يدري».
وَقَدمُوا باسم مُمرِّضَات، وقد انتشرَ الخَبر، وَتَأخَّرَ عددٌ منهم، وكانت زيارات مساعد وراكان تَتِمُّ لَيلًا، وفي سِريَّة تَامَّة.
وَنُسِبَ نشر خَبَر الفتيات في القَاعِدة إلى سند، وَجَرى التَّدَاول بين مساعد وراكان، وَكَتبَ يونس شاهين عن خُطُورة التَّحريض، وحرب الإشاعات، والحرب النَّفسية؛ وَفُهِمَ أنَّ المَقَال يشير إلى سَنَد، وَيَتضمَّن تَهديدًا.
صفاء الشَّلَبي شَابٌ ذكي؛ يُوصَف بِالتَّعَاون والأمانة والفهم. الأمير راكان يُكِنُّ لَهُ وُدًّا خَاصًا. حِينَ وَصَلت الفتاة الفنلندية في السِّرب؛ أبدَى الأميرُ الإعجابَ بها.
استبقَاهَا صَفاء، وَبَقِيت شَهرًا كًاملًا، وَاستُبدِلَت بِأخُريَات: ثلاث سُويديتان، وأخرى من جُزُر هَاواي(17).
الشَّقراء الطويلة- صاحبة الأرقش أوكلي، أبدى راكان إعجابًا بها. قال له صفاء: «لا عَليكَ لن تَنامَ الليلة إلا في حضنك».
سَكِرَ والأرقش؛ حتى نوم الأرقش. يحمل الأفلام الجديدة، والعطور متعددة الاستعمالات.
وَيَتولَّى ليفي الأسرَاب عن طريق وكالات متخصصة؛ باعتبار ذلك جُزءًا من العمل، وَيَأخذ مئة دولار عن كُلِّ فتاة لِكُلِّ ليلة. وَتُحدَّد الأوصاف: الطُّول، لون البشرة، وأنواع الجمال المرغوبة أو المطلوبة(18).
لَفَت نَظَر راكان، وَهُوَ يُسَلِّمُهُ عَددًا من الشيكات= إمكانية التَّوظِيف في السُّوق المالية، والاستفادة من التنافس في المصارف(19).
دَعَا السُّلطَان إلى اجتماع «مَجلِس الحَلّ وَالرَّبط».. غَابَ عنه بعضُهُم؛ ومنهم سَنَد..
تَحدَّثَ السُّلطًان عن الحَرب المفروضة، وَرَبطَ الدِّفَاع بالاقتناع، وَتَمنَّى وجود سند؛ «لأسَألَهُ عن قوله: إنَّ الحرب خَايبة.. الحرب ما تحل مشاكل.. الحرب قَتَلت، وَدَمَّرَت.. مَنْ هُوْ سِوَى الحَرب؟!».
«وإذا الأعداء هَاجَمُونا، وَدَشُّوا عَلينا؛ شنوا اللي يلزم نقول لهم؟ لا يا جماعة؛ ما يصير!»(20).
تَبادلَ راكان ومساعد النَّظَرات، وَأظهَروا حَمَاسَهم.
طَلبَ إلى مساعد كَسر العظم في الحرب، والإسراع في الحسم، وَفَوَّضَه في اتخاذ ما يراه. وَطَلب من راكان المزيد من التشدد في مواجهة أهل مُورَان، وزيادة المعاناة والقمع.
وَشُكِّلَت لِجان مُتخَصِّصة؛ لمواجهة الإشاعات. أصبح التَّعويل -شِبه كُلِّي- على الحرب الجوية، وَأصبحَ الطَّيارون الأجانب هم القوة الأساس، وَطُلِبَ إليهم تدريب عدد من أبناء مُورَان.
أعطيت الأوامر لِلسِّرب الأول بالإغارة، وَتَحرَّكَ الطَّيارونَ السِتَّة الذين شَكَّلُوا السِّرب.
ارتَفعَت الطائرات، وَمُدَّ الاتجاه نحو الغَرب.. انفصلت أربع طائرات، وَلَم يُعرَف عَنها شَيء؛ هل أسقطت؟ هل ظَلَّت الطَّريق؟
وَرغم التَّعتِيم؛ تَأَّكَد لُجوء الطيران إلى الدَّوَاحِس.
وَأعلِنَ أنَّ الأمير سَنَد، وخمسة من إخوته الأمراء وَصَلوا، وَطَلبُوا حَقَّ اللجوء السِّيَاسِي(21).
وفي نفس الفترة جرت محاولة اقتحام الإذاعة في مُورَان.
النَّاس هنا لا يملكون الوسائل، وليس لديهم الضمانات؛ لمواجهة السلطة. فَإنَّ الكلمة -بالنسبة لهم- سلاحهم الوحيد أو الأساسي، ويجب ألا نستغرب إذا سمعنا أقسى الكلمات في وصف أعمال الحكومة أو تصرفاتها؛ لأنَّهَا الطَّرَف المُضطَّهِد، والطرف القوي في علاقات مختلفة بالأساس(22).
هذا ما قاله الصحفي الإنجليزي في توصيف حادثة محاولة اقتحام الإذاعة.
يونس شاهين الذي تَعوَّدَ أن يكتب مَقَالًا أسبوعيًّا؛ مُعبرًا عن موقف الدولة= بَدَت مقالاته مُرتَبِكَة وَغَامِضَة.
أعداد كبيرة بدأت تتوافد على مُورَان عَقِبَ الأحداث الأخيرة.. لِمَاذا جَاؤوا؟ ومَنْ هُم؟ وإلى مَتَى سَيبقُون؟
لا جَوَاب..
كَتَبَ صحفي إنجليزي: «مُورَان مدينة عجيبة؛ تشبه الصحراء بِكُلِّ تَفَاصيلها، وَأخلاقها، أو بالأحرى تُلخِّصها.. قادرة على استقبال كُلِّ شَيء، وَهضمِ كُلِّ شَيء؛ مثل النَّعَام، لكنها تعرف كيف تتظاهر بِالصَّمت، وَالسَّكِينة؛ حتى إذا جاءت لحظة الغَضَب لا تُبقِي وَلا تَذَر»(23).
تَعوَّدَت مُورَان أن تواجهَ المصاعب والأحزان بِالصَّبر، وَالسُّخريَّة، وسلاح أمضى الصَّمت.
كَتَبَ زائر أجنبي: «أغرب شَيء في هَذهِ البلاد أنَّ النَّاس لا يتكلمون.. إنَّهُم كَالسَّلاحِف يَغرقونَ في قَوَاقِعِهم، ويصمتون، ووحدها عيونهم التي تتكلم.. وتتكلم أشياء خطيرة أقرب إلى الحرائق»(24).
طُلِبَ من ليفي المَجِيء؛ لبحث صَفقة سِلاح جَديدة؛ فَكَانت صَفقةَ العُمر؛ كَمَا قال.
مُورَان تتغير.. يتراكم صَمتُهَا.. تَسمع كَثيرًا، وَتصمُت، وَوتيرة الحرب تتصاعد؛ على الأقل في الإذاعة، وَتُغَطِّي على كُلِّ مَا عَداهَا(25).
الأمراء الذين اختفوا عَادُوا. الأجانب جَاؤوا للتحقيق، إعادة تنظيم الجيش، إقامة أجهزة جديدة، وضع أنظمة حديثة لحراسة القصور.
الحرب بين السُّلطَة وَالدَّوَاحِس لا تقتصر على القنابل العَميَاء؛ اشتركت معها كلمات من نَفسِّ النَّوع. النَّاس يسمعون يصمتون.. السجون تمتلئ.. تحمل الزائرين سيارات، ثُمَّ تختفي، وَتَختفي معها أخبارُهُم.
جوائز المُبَلِّغِينَ عن الهاربين تزداد.. الجوع يَشتدُّ ويقوي.. السُّلطان: لا يُعرَف إن كَانَ مَريضًا، أم صَحِيحًا؟ مَوجودًا أم غَائبًا؟
يقول أوكلي لصفاء: «لَيسَ مُهِمَّتَنَا تغييرَ العالم.. مهمتنا أن نُلقِي القنابل حَسبَ الخَرائط، وأن نتلقى الأجُور، وأن نَلتقي بامرأة تُخَفِّف المَوتَ الذي نعيشه، ولا يطيقه حتى الخنازير..»، وَلَخَّصَ الطَّلبات في:
1-زيادة الرَّوَاتب إلى الضِّعف.
2-استمرار زيارة الفتيات؛ وبمعدل مَرَّة أسبوعيًّا. ولم تَتَأخَّر المُوَافِقَة عَلَى الطَّلَب(26).
الحَرب تُرَاوح مَكَانَها. الغارات تَتكثَّف أسبُوعيًا وَتَتَراجَع.. البَدو تَأخَّرُوا كَثيرًا رغم مُضَاعَفة الرَّوَاتب، وزيادة الأرزاق، والملابس.
قَصر السَّعد غَارق في حركة لم يستطع أحد أن يقدر احتمالاتها، وإلامَ سَتؤدي؟
الأمراء الكبار يَنتقلون من مَكانٍ إلى آخر سِرًّا، أو في مَواكب السُّجَناء الذين كانت تسمع أخبارهم بين فَترةٍ وَأخرى. لَم يَعُد يسمع أحدٌ عَنهم أيَّ شيء.
يونس شاهين بَعدَ العصبية التي ميزت مقالاته خلال الفترة اللاحقة للأحداث، بَدَا أكثر ثقةً، وَتَحديًّا.. «لا يَفُلّ الحَديدَ إلا الحديد، وعلى الباغي تدور الدَّوائِر»(27).
«مُورَان عيون تراقب، وأذان تنصت. أصِبتُ بالدُّوَار، اضطراب الحركة وتشابكها».
الهوامش:
(1) مدن الملح؛ بادية الظلمات، عبدالرحمن منيف، ص396.
(2) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(3) المصدر السابق، ص408.
(4) المصدر السابق، ص414.
(5) المصدر السابق، ص416-417.
(6) المصدر السابق، ص421.
(7) المصدر السابق، ص424.
(8) المصدر السابق، ص429-430.
(9) المصدر السابق، ص430.
(10) المصدر السابق، ص436.
(11) المصدر السابق، ص437-438.
(12) المصدر السابق، ص440.
(13) المصدر السابق، ص441.
(14) المصدر السابق، ص453.
(15) المصدر السابق، ص456.
(16) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(17) المصدر السابق، ص473.
(18) المصدر السابق، ص475.
(19) المصدر السابق، ص476-477.
(20) المصدر السابق، ص480-481.
(21) المصدر السابق، ص489.
(22) المصدر السابق، ص490.
(23) المصدر السابق، ص496-497.
(24) المصدر السابق، ص498.
(25) المصدر السابق، ص504.
(26) المصدر السابق، ص505.
(27) المصدر السابق، ص506.
