الإثنين 27 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • زياد الرحباني.. موسيقى تشبه الناس تماماً

زياد الرحباني.. موسيقى تشبه الناس تماماً

زياد الرحباني.. موسيقى تشبه الناس تماماً

بعد عام على رحيل زياد الرحباني ما زالت جمله تتردد بنفس الحيوية التي خرجت بها أول مرة. حين وُلد كان الجميع يعرف الطريق الذي يفترض أن يسلكه ابن فيروز وعاصي والوريث الطبيعي لواحدة من أكثر التجارب الفنية حضوراً في الوجدان العربي. لكنه اختار طريقاً آخر منذ البداية. صنع أسلوبه الخاص وخرج به إلى شوارع بيروت حيث الضجيج والحرب والسياسة والناس العاديون.

في منزل تعبر فيه الموسيقى بين الغرف، كبر زياد. منحت هذه البيئة طفلاً فضولياً فرصة نادرة ليرى الفن من الداخل. جلس أمام البيانو مبكراً، وقرأ أكثر مما يليق بعمره. وعندما كتب "صديقي الله" في الثالثة عشرة من عمره ظهرت ملامح عقل يطرح الأسئلة قبل أن يبحث عن الإجابات. دخل اسمه الحياة الفنية من باب واسع، وجاءت أغنيته "سألوني الناس" بلحن حمل رائحة البيت الرحباني لكنه حمل أيضاً نبرة جديدة يصعب الخلط بينها وبين أي نبرة أخرى. استقل صوته من تلك اللحظة عن أصوات الجميع. وبعد سنوات قليلة صارت فيروز امرأة واقعية بعدما عاشت طويلاً في صورة خيالية بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية.

الرحباني في مرحلة الطفولة- Getty
الرحباني في مرحلة الطفولة- Getty

غيّرت الحرب الأهلية لبنان والتقط زياد هذا التغيير قبل غيره. ازدحم مسرحه بالمواطنين أكثر من الأبطال. الطبيب والممرض والموظف والسائق والزعيم، جميعهم دخلوا الخشبة وهم يحملون عيوبهم كاملة. وحين قدم زياد مسرحيته "فيلم أميركي طويل" بدا المستشفى نسخة مصغرة عن البلد. وفي "نزل السرور" حضرت الطبقات الاجتماعية بكل تناقضاتها. أما في مسرحية "بالنسبة لبكرا شو؟" فقد ترك المستقبل معلقاً فوق رؤوس الجميع.

من قلب هذه التجربة جاءت سخرية زياد. التقط المفارقة من الأحاديث اليومية فبدت شخصياته مألوفة إلى درجة مؤلمة. كل مشاهد يعرف واحداً منها، وربما يرى نفسه فيها. تعامل في الموسيقى مع الألحان بحرية كاملة. دخل البيانو والساكسفون والجاز إلى أعماله مجاوراً للعود والمقامات الشرقية. لم يشعر المستمع أن هناك معركة بين عالمين، لأن زياد جعل الاثنين يتحدثان اللغة نفسها. وهذا ما أبقى أعمال مثل "أنا مش كافر" و"مونودوز" و"صباح ومسا" تحمل طزاجة لا يستهلكها الزمن.

زياد الرحباني وفيروز
زياد الرحباني وفيروز

الجيل الذي ينتمي اليه زياد هو جيل انهيار الأفكار الكبيرة. فقدت الشعارات بريقها وبدت الأحزاب نسخة أخرى من السلطة التي وعدت بإسقاطها. فابتعد عن البطولة الجاهزة وترك الإنسان وحيداً أمام يومه العادي. العامل والموظف والمرأة التي تعود إلى منزلها محمّلة بتعب المدينة، جميعهم كانوا أبطال عالمه الحقيقيين. أخذ الخسارة كما هي ووضعها أمام الجمهور دون تجميل ولم يحولها إلى مناسبة للبكاء، فجاءت أعماله مليئة بالارتباك الإنساني. وحين يردد "بتذكر إني مش منيح"، فهو يفتح نافذة على حياة تختبئ خلف عبارة قصيرة. يتحول السؤال اليومي "كيفك؟" إلى امتحان للصدق، لأن الناس اعتادت الإجابات الجاهزة أكثر من الاعتراف بما تشعر به.

احتفظ بمسافة واحدة من كل يقين وهو يكتب عن اليسار وينتقد اليمين، واهتم بالإنسان الذي يدفع الثمن في كل مرة لأن الخسائر كانت تصل إليه أولاً، فجاءت كتاباته بعيدة عن الاصطفافات وقريبة من التجربة اليومية التي عاشها اللبناني والعربي. السياسي في أعماله شخص يعرف كيف يبدل كلامه، والسلطة عنده كانت تستحق الشك دائماً مهما تغيّرت أسماؤها. وبقي الإنسان مركز اهتمامه، وظل الوجع اليومي المادة الخام التي يعود إليها في كل مرة. ترك زياد الرحباني طريقة مختلفة في النظر إلى الحياة. علّم جمهوره أن الموسيقى تستطيع أن تناقش السياسة، وأن الجملة البسيطة تحمل من المعاني ما تعجز عنه الخطب الطويلة. وبينما يترك الفنانون أعمالاً، ترك زياد طريقة جديدة للإصغاء إلى الإنسان.