الإثنين 27 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • قراءة في كتاب "كابول حبيتي"- Geliebtes Kabul

سفرجلات أفغانستان.. كيف اختفت المدينة قبل أن تسقط؟!

قراءة في كتاب "كابول حبيتي"- Geliebtes Kabul

قراءة في كتاب "كابول حبيتي"- Geliebtes Kabul

**
عندما تسقط المدينة.. نسقط معها، بشرًا وشجرًا وحجرًا أيضًا، هذا ما خطته يوميات سفرجلات أفغانستان، لسان حالهن، لم نكد نتخفف من هول الكارثة للسقوط السابق أفغانستان في التسعينيات على أيدي طالبان، ها هم يحومون ويمشطون كابولتنا الحبيبة، ليسقطوها من جديد، آه، كم يكرهون معنى أن تكون هناك مدينة، وبوجع مستطير، تقول مريم بتعجب، كيف "يعيد التاريخ نفسه بسرعة مرعبة" (ص32).
في ثنايا اليوميات، يرتد الجرح الغائر الذي لم يندمل بعد منذ السقوط الأول، ليتجدد مرة أخرى بشكل أقسى وأعنف، وبمشهدية سريالية. هكذا باحت سفرجلات كابول بوجعهن المضاعف.

"لا أستطيع أن أتنفس"!
"كم أنا خائفة"!

لم تقلها فاطمة، بل أصبحت لسان حال السفرجلات، بل ولسان حال كل من يسكن كابول وأفغانستان. وعن تجدد الألم وذاكرة الخوف، تقول مريم: "أشعر بالخوف نفسه، بالصمت المخيف نفسه، عند سقوط كابول في المرتين".
أما الخوف من المجهول، فأشد فتكًا، خصوصًا عندما يرين طالبان بتلك الهيئة: الملبس واللحى والأسلحة وشرر النار تقدح من كل حركة وظل لافتراس كل ما ينبض بالحياة، والنساء أول محارقهم.
نساء كابول في ستينيات منصات
نساء كابول في ستينيات منصات
تفيض كلمات الوجع في كل حرف من الكتاب، ما بين الترقب، واقتحام المدينة، ونصب نقاط تفتيش في كل شبر. إنهم يفتشون حتى الهواتف، ويضربون ويقتلون، ويحولون المدينة إلى محكمة تفتيش تفتك بكل مخالف وغير مخالف أيضًا.

شلل الكتابة

ومن كتم الأنفاس إلى شلل الكتابة، أصبحت أقلامهن تشبههن، لا تتنفس، ولوحة مفاتيح الكمبيوتر صامتة، فمن سيعبر عن النفسية الهشة لما قبل السقوط الكلي، وسؤال، كيف لنا أن نستنشق ما تبقى من نفس ورحيق القلم؟
"لا أستطيع أن أكتب أيضًا" -لم تبح به "فرشتة" وحدها- "عن أي ألم ينبغي أن أكتب؟ أصابعي لا تستطيع أن تتحرك على لوحة المفاتيح".
تجيبها مريم: أنا أيضًا أصابعي لا تستطيع أن تكتب... دفتري وكتبي قرب النافذة وكأنها تسألني، لماذا لا أكتب، وبألم. "ربما يعرف دفتري أنه لم يعد لدى قلبي كلمات".
لتتدافع الفجيعة مع السقوط -الكارثة لكابول في 15 أغسطس:
"لقد احتلوا كابول"!
"سقطت كابول"!
هن والسفرجلة، كن شاهدات على سقوط المدينة لسان حالها -حالهن،: كانت هنا مدينة، من إنسان وطير، وأغنية، وسينما، ورقصة، كانت هناك امرأة بوجه مفتوح، يتنفس كما يتنفس العالم، كان هنا طفل يحمل حقيبته المدرسية، كالطفل بهلول، وحقول ممتدة من أزهار وأشجار اللوز، والصفصاف... الخ، كنا نتنفس في حضرة المدينة.
"لم أعد أسمع تغريد الطيور"، تقول صدف، "وحين حل الظلام، أظلمت قلوبنا أيضًا"!

من الاختفاء إلى السقوط

هل حقًا اختفت كابول قبل أن تسقط؟
ليست كابول وحدها اختفت قبل أن تسقط، معظم المدن والعواصم التي يحتلها الطغاة في كل العالم والتاريخ يسجل هذا الاختفاء والسقوط، ليست الحرب صانعتها الوحيدة، اختفت وسقطت كابول عندما بدأت النساء يختفين من المجال العام، بلا تعليم، الصراع على السلطة، هيمنة النقاب التشادور -العقلي والجسدي على النساء والطفلات، حيث لم يبقَ وجه مفتوح، ولا خصلة شعر تتنفس، احلامك تُضب بصك المنع والتجريم، الحاضر البائس، وانعدام آفاق المستقبل.
السفرجلات، يعلمن ويدركن أن كابول اختفت تدريجيًا، ليس بتواجد طالبان على أطراف المدينة، بل تغلغل ثقافتها في الريف والمدن، وان لها وجودًا في فكر وثقافة الكثير من الناس، خصوصًا القبائل، كانت ميدانًا جالبًا للجماعات المتطرفة من كل العالم، ليس فقط بأسامة بن لادن وغيرهم من أساطين طالبان وداعش.
اختفت كابول عندما سقطت الدولة، وأصبح سقوط المدن والقرى والنواحي بسهولة، الترقب والأخبار، وما يشاهده الناس من تدفق كائنات بهيئة طالبانية، مؤشر على أنهم مبثوثون وموجودون من قبل 15 أغسطس، صدقت "صدف"، وهي تكتب، في "أن كابول اختفت قبل أن تسقط"، (ص24،25).
كان كل شيء مهيأً لأن تسقط كابول ويغتال أجمل فيها: إنسانها.
لتصبح كابول مثل بقية المدن المنكوبة، تتأقلم مع قطع الكهرباء الإنترنت، فتفقد الاتصال بالعالم، لتنحفر أكثر من فجيعة مع وساوس قهرية، لذا كانت البسملة ومفتتح المجموعة، سؤال الاطمئنان، "هل أنتن بخير؟"، سؤال الحياة ومعنى أن تعيش لحظة بلحظة.
ما إن يصحو المرء صباحًا يرى كائنات تكتسح البيت والدفتر والشارع والملبس والمدرسة والجامعة والطبيعة؟ كائنات تفترس المكان وإنسانه، والزمان حاضرًا ومستقبلًا عدا ذلك الجحر -الكهف -الحفرة المصفدة على تقلبات الموت والموت الآخر، كائنات تجعلنا نتقاتل على الآخرة ومن يدخل الجنة ومن يدخل النار، لتصنع قطيعًا لانهائيًا في خدمة الرب -الطالباني.
نساءفي طابور للحصول على الحصص الغذائية © أسوشيتد برس
نساءفي طابور للحصول على الحصص الغذائية © أسوشيتد برس

وصلوا...!

لم يعد سؤال نيلوفر، هل سقطت كابول؟ قابلًا للتصديق أو التكذيب، لقد أصبح حقيقة، وكما تقول لارا: لا شيء ممكن يكبح وصول طالبان واحتلال كابول، ويتداعى صوت السفرجلات الهلوع، تأكيدًا، "وصلوا الآن وبدأ القتال، وأغلق كل شيء".
نيلوفر من مزار شريف: دخلوا منطقتنا، واجتمعوا بالمشايخ المحليين، قالوا لهم: لن نؤذيكم، على النساء الالتزام بقواعد الحجاب، صدف "هاجموا شارعنا"، فاطمة اقتحموا جامعتنا، أعادوا الفتيات من القاعات الدراسية، مريم: أغلقوا جامعة كابول، وووو
سقطت كابول، وأسقطتنا معها، وستبدأ فصول جديدة، ستكون النساء ومعهن شجرة السفرجل، ولاءات كثير ومتداخلة: لا أستطيع التنفس، لا أستطيع الكتابة، كما قالت فاطمة: "رؤوسنا تحت الفأس"، كيف يعاد التاريخ بهذه السرعة وبهذه الصورة المرعبة (ص32).
إحداهن: "كأني أعاقب الطفل الذي أحمله في بطني، جراء هذا الخوف اليومي الكبير".
تلك الحالة التي تعبر إحداهن في لجة الوجود أين نذهب، إذ تقول: "لا أستطيع المضيء قدمًا ولا الرجوع إلى الوراء". فقدان بوصلة أين نحن وماذا يحدث، وإلى أين؟
صدف: "حين حل الظلام، أظلمت قلوبنا، غدونا مثل الأشباح... أطفالنا يأكلون لقمتهم وهم خائفون"، كابول كل ساعة يكبر الخوف ويتعاظم.
وتواصل مريم: أبقى مستيقظة، وأتساءل كيف يمكنني أن أهرب من هذا البلد الملعون، في السابق كنت معاقة وحرة، واليوم إني معاقة مرتين!
إلى أين يمكنني الذهاب الآن؟
الأمل
باتول، وهي تعطي الأمل للأخريات، بأن "طالبان وجود مؤقت، وألا نفقد الأمل، فلنبقَ قويات، خصوصًا في زمن الدعايات والشائعات الكاذبة"، ومثلها نساء المجموعة، وإنسان أفغانستان: "سيأتي الضوء، لا بد، لكن عند نهاية الليل، يختفي الضوء"، وأمل جديد وهكذا..
ليست حكاية شعبية
أسئلة تتداعى تنبث بالقهر والغضب معًا، لماذا سقطت كابول؟ ومن هم الذين سلموها، بل باعوها؟ صدف: "لا أعرف من الذي باع البلد من جديد، لكنني رأيت أن أحدهم حدد ثمنه"، فاطمة: "رئيسنا باع البلد"، أما نورا، فتقول: "الراعي تحول إلى ذئب، لقد سلموا المدينة وأطفالها لهؤلاء الرجال المتوحشين".
هل من مجيب؟ نورا تنطق عن المسكوت عنه في الأنظمة السلطوية الغاشمة، أمام كذب وخداع الراعي المخاتل، تسقط المدن سريعا يلتهمها الذئب ويتجشأها قبورًا.
يا شجرة السفرجل ساعدينا وريقي المداد برحيقك في قلب الأقلام، وانقشي الكلمات على صفحات الدفاتر المنسية، ونطقي لوحة المفاتيح لتأخذ بيد كل مريمات "كابول"، لتشرق شمس الغد، وتجيب عن سؤال الحيرة:
"يا إلهي، منذ خمسة أيام لم أنظر إلى السماء ولا الأشجار، أين كنت خلال هذه الأيام الخمسة... إني أجلس في كرسيي المتحرك، والعالم في فوضى!".

جمهورية أفغانستان

محاولة بأن نقاوم بالكتابة، زينب تكتب على الجدران "الحرية"، "لا، لطالبان"، وبإصرار يطلقن على بلدهن "جمهورية أفغانستان"، تمردًا على التسمية الطالبانية الجديدة "إمارة أفغانستان الإسلامية".