الثلاثاء 28 يوليو 2026

عظم الله أجركم أيها العرب

عظم الله أجركم أيها العرب
في جنازة الوقت
يوم حملتم نعش الأسئلة
وتركتم الأجوبة
تتسول عند أبواب السفارات
وشكر الله سعيكم أيها المواطن العربي
فقد أتقنت فن الاصطفاف
بين رغيف مؤجل
وخطاب نصر
لا يعرف سوى الميكرفون
نم هادئًا
فالأخبار تقاتل عنك
والخرائط تتغير دون أن تستأذنك
وأنت مازلت تحفظ النشيد
أكثر مما تحفظ أسماء الذين
باعوا الوطن في المزاد
يا سيد الهزائم المؤجلة
لا ترفع رأسك كثيرًا
فقد يسقط منه الحلم
أو يراك التاريخ
فتحرجه كثرة اعتذاراته
في كل عاصمة
منبر يتلو بيانات المجد
وفي كل زقاق
طفل يعد نجوم الكهرباء المنطفئة
ويكتشف أن الظلام
هو الخطيب الوحيد
الذي لا يكذب

عظم الله أجركم أيها العرب
فقد مات شيء منكم
ولم تجدوا وقتًا لدفنه
كنتم مشغولين بتصوير الجنازة
وتبادل العزاءات الرسمية
وتوزيع باقات الورد
على قبور الذين لم يموتوا بعد
وشكر الله سعيكم
أيها المواطن العربي
فقد أديت واجبك كاملًا
صفقت حين طلب منك التصفيق
وصمت حين صار الكلام تهمة
وحملت صورة الزعيم
أكثر مما حملت صورة أحلامك
يا ابن البلاد التي تملك ألف نشيد
ولا تملك رغيفًا
يا وريث الحضارات العظيمة
الذي يبحث عن تأشيرة
ليثبت أنه موجود
سلام عليك
يا آخر فرسان الطابور
يا من تقف منذ أربعين عامًا
أمام باب الفرج
وفي كل صباح يقولون لك
اقترب
ثم يوسعون المسافة

عظم الله أجركم أيها العرب
فقد أصبح الوطن نشرة أخبار
والشهيد رقمًا في جدول
واللاجئ ملفًا
والفقير مشروع صبر طويل
والحقيقة ضيفًا ثقيلًا
لا يُسمح له بالبقاء

أيها المواطن العربي
يا صاحب القلب الذي تعلم الهجرة
وهو في مكانه
يا من حفظ أسماء العواصم
ونسي اسم الحلم في داخله
لا تحزن
فقد بقي لك الكثير
بقي لك خطاب جديد
ووعد جديد
وانتصار جديد
سيأتي بعد انتهاء المعركة
بخمسين سنة
بقي لك أن تصرخ
نحن بخير
بينما تأكل الريح شبابيك بيتك
وبقي لك أن تقول
المستقبل لنا
وأنت ترى المستقبل
يهاجر على قدميه
يا سادة القصور العالية
يا الذين ينامون فوق خرائطنا
تذكروا
أن الشعوب ليست رمادًا
وأن الرماد أحيانًا
يتذكر شكل النار
فلا تكثروا من دفننا
لقد تعب الموت من خدمتكم
وتعب التاريخ من تصحيح أخطائكم
وتعبت الأرض من حمل الأسماء
التي سقطت عنها المعاني

عظم الله أجركم أيها العرب
ولكن لا تعتادوا العزاء
فربما ذات يوم
يأتي جيل لا يعرف كيف يبكي
لأنه تعلم كيف يفتح الباب
ويخرج من جنازته
وشكر الله سعيكم أيها المواطن العربي
لقد وصل البلاغ إلى التاريخ
أن هذا الشعب
لم يكن ميتًا
كان فقط
ينتظر اللحظة التي ينهض فيها
دون إذن من أحد

قال المواطن العربي للتاريخ
يا سيد الكتب القديمة
لا تكتب عني كثيرًا
فأنا أخاف أن تعرف الأجيال القادمة
أنني عشت طويلًا
ولم أمتلك سوى حق الانتظار
لا تذكر أنني كنت أعد الخبز
كما يعد الجندي رصاصه
ولا تذكر أنني كنت أضع أحلامي
في درج مقفل
كي لا يراها المفتشون
لا تقل لهم
إنني حفظت أسماء السجون
أكثر من أسماء الحدائق
وإنني عرفت أسعار الأزمات
قبل أن أعرف أسعار الفرح
وجاء الخطيب من فوق المنبر
أيها الشعب العظيم
نحن نعيش عصر الانتصارات
فنظر الشعب حوله
ولم يجد أن الجدران
تصفق للصوت
قال طفل صغير
يا أبي
أين هو الانتصار؟
فأجابه الأب
اسكت يا بني
ربما هو مختبئ
في بيان رسمي
لم يصل بعد
وشكر الله سعيكم أيها المواطن العربي
فقد أصبحت خبيرًا
في تفسير الغياب
إذا غاب العدل قلت مؤامرة
إذا غاب الخبز قلت أزمة
إذا غاب الحلم قلت
هذه هي الحياة
حتى صارت الهزيمة
تدخل بيتك من الباب
وتجلس إلى مائدتك
وتطلب منك الملح
يا أمة تملك منابر أكثر من المعارك
وخطبًا أكثر من الأفعال
وشعارات تكفي
لإطعام قارة كاملة
متى ستفهمين
أن الوطن ليس قصيدة تعلق على الجدار
ولا صورة ترفع في المناسبات
ولا كلمة تقال عند انطفاء الكاميرات
الوطن هو أم
تريد أن تنام دون خوف
وطفل
يريد مدرسة لا خندقًا
وشاب
يريد نافذة لا منفى

عظم الله أجركم أيها العرب
فالميت ليس رجلًا
الميت هو الوقت الذي نام على كتف الخطباء
وشكر الله سعيكم أيها المواطن العربي
فقد أتقنتم الوقوف في طوابير الخيبة
وأديتم صلاة الانتظار بخشوع
حتى صار الوطن
مجرد ختم على جواز السفر
يا سادة النشرات العاجلة
كم مرة مات هذا المساء
قبل أن تعلنوا الحداد عليه؟
وكم مرة صارت الخرائط
أرامل من غير عزاء؟
نحن أمة
تحفظ أسماء الهزائم أكثر مما تحفظ أسماء الأطفال
وتجيد التصفيق
أكثر مما تجيد كسر القيد
كل مدينة ترفع نعش أختها
وكل عاصمة
تكتب بيان الشجب
بحبر مستورد
ثم تعود إلى النوم
على وسادة المصالح
فلا تكثروا من البكاء
فالبكاء أيضًا
صار مؤسسة عربية مشتركة
لها قمم
ولها لجان
ولها بيانات ختامية
لا ينجو منها إلا الورق

عظم الله أجركم أيها العرب
فليس الميت هذا الذي حملتموه على الأكتاف
ولا ذاك الذي ودعته أمه بزغاريد مكسورة
الميت هو العمر الذي ظل ينتظر الفجر
فأدركه الليل شيخًا
وشكر الله سعيكم أيها المواطن العربي
فقد أجدتم فن الاصطفاف
حتى صارت الطوابير وطنًا بديلًا
وصار الانتظار نشيدًا قوميًا
يتلوه الأطفال في المدارس
كل صباح تفتح الصحف لتقرأ عدد القتلى
كما يقرأ الفلاح نشرة الطقس
وكل مساء تغلق التلفاز وتقول
غدًا لعل الله يبدل هذا الخراب
لكن الغد كان موظفًا حكوميًا
يوقع أوراق الأمس
ثم يغادر قبل انتهاء الدوام
أيها العرب
لا تبكوا كثيرًا فالدموع أيضًا
دخلت سوق الخصخصة
وأصبح لها رعاة رسميون
ومؤتمرات وعدسات عالية الدقة
لكنها لا تطفئ بيتًا يحترق
ولا تعيد طفلًا نسي اسمه تحت الأنقاض
أما الخطباء
فقد أطالوا الوقوف حتى ظنت المنابر أنها خلقت
لتكون مقابر للكلمات
كل خطبة تبدأ بالله
وتنتهي بسلامة الكرسي
وكل بيان يولد كامل الأناقة
ثم يموت قبل أن يجف حبر توقيعه
يا إخوتي
كم وطنًا يحتاج إلى جنازة
حتى ندرك أن الميت لم يكن الأرض
بل نحن
نحن الذين أضعنا المفاتيح
ثم اتهمنا الأبواب بالخيانة
نحن الذين ورثنا التاريخ
وبعناه بثمن خطاب وقصيدة مديح
وصورة تذكارية

عظم الله أجركم
فالعزاء طويل
والنعش يتسع كل يوم
حتى خلت أن الوطن هو آخر من سيدفن
عظم الله أجركم
فقد ماتت القبلة بين عاصمتين
ومات الطريق قبل أن يصل إلى طفل
يحفظ أسماء الدبابات
ولا يحفظ اسم الربيع
عظم الله أجركم
فكل راية أصبحت سارية لنصف وطن
وكل وطن صار نصف قبر
عظم الله أجركم
لقد انتصر العدو حين صار ينام مطمئنًا
ونحن نسهر نختلف على لون الأكفان
وشكر الله سعيكم أيها المواطن العربي
لقد بلغت من الصبر أن صار القيد اكسسوارًا وطنيًا
وصار الخوف نشيدًا رسميًا
وصارت الهزيمة وزارة سيادية
أيها العرب
لا تعتذروا للتاريخ
اعتذروا للتراب فقد تعب من حمل هذا الثقل
اعتذروا للأنهار فقد شاخت وهي تغسل صدأ سيوفكم
اعتذروا للسماء فقد أرهقتموها بصعود الدخان
ولم تصعدوا إليها دعاء واحدًا يليق بالأرض
أيها العرب
لا تقولوا سقطت مدينة
قولوا سقطنا
لا تقولوا ضاع وطن
قولوا ضعنا
لا تقولوا خاننا الزمان
فالزمان لم يحمل يومًا سكينًا إلى أعناقكم
أنتم من صقلتم السكين
ثم قلدتموها أوسمة الشرف
عظم الله أجركم
فقد صار الدم لغة رسمية
وصار الصمت دينًا مدنيًا
وصارت المقابر الحديقة الوحيدة التي تتسع للجميع
أيها العرب
ليس أخطر من عدو يعرف ماذا يريد
إلا أمة نسيت أن تريد
فليس في هذا الليل نجمة واحدة تبحث عنكم
حتى النجوم غيرت عنوان السماء
عظم الله أجركم
فقد ارتفعت الأعلام وانخفضت القامات
وكبرت المآذن وصغر الإنسان
وامتلأت الخزائن وفرغ الوطن
أيها العرب
ليس بينكم من ضيع القدس
بل كل واحد أضاع شيئًا منها
ثم عاد يبحث عنها في خطاب الجمعة
وشكر الله سعيكم
لقد حولتم الهزيمة إلى نشيد صباحي
والخنوع إلى حسن تربية
والصمت إلى حكمة
والجبن إلى سياسة
والتأجيل إلى مشروع نهضة
أيها المواطن العربي
نم
ففي نومك يزدهر الاقتصاد
وفي صمتك تستقر الأسواق
وفي خوفك يزداد الأمن
وفي انحنائك ترتفع أسهم الطغيان
نم
فقد تعبت من حمل رأسك على كتفيك
أيها العرب
كل عاصمة تبني سورًا
ولا مدينة تبني إنسانًا
كل خطاب يبحث عن كاميرا
ولا كلمة تبحث عن ضمير
كل مؤتمر يولد بصورة جماعية
ويموت دون شاهد قبر
من علمكم أن الأوطان تدار كما تدار الفنادق؟
يدخل الضيف ويخرج الضيف
ويبقى العامل الوحيد المقبرة
عظم الله أجركم
ولا أجر لكم
فقد صار التاريخ لاجئًا
وصارت الجغرافيا موظفة في سفارة الغريب
وصار البحر يحفظ أسماء أطفالكم
أكثر مما تحفظها مدارسكم
أيها العرب
لا تكثروا من القسم
فالله لا يحتاج كل هذا الحلفان
لكي يعرف من باع
ومن اشترى
ومن صمت
ومن صفق
ومن كان السكين
لا الضحية
عظم الله أجركم
لقد أصبح العدو أقل حاجة إلى جنوده
أنتم تؤدون المهمة مجانًا
تحرسون حدود خوفكم
وتزرعون أسلاككم في صدوركم
وترفعون المتاريس بين أخ وأخيه
ثم تسألون
من أين دخلت الهزيمة؟
أيها العرب
ليس الخراب أن يُهدم بيت
الخراب
أن يصبح الهدم وجهة نظر
أن يصبح الدم خبرًا عاجلًا
أن تصبح المحزرة رقمًا
أن يصبح الطفل هامشًا في آخر النشرة
عظم الله أجركم أيها العرب
ولا أجر لكم
فالنعش لم يعد يتسع لأسمالكم
صار يتسع لأحلامكم أيضًا
عظم الله أجركم
فالميت لا يحتاج إلى دموعكم
بل إلى غيابكم
أيها العرب
أنتم آخر الأمم التي تكتشف أن السكين لا تصبح وردة 
إذا غلفت بالبيانات
وأن المقبرة لا تصير وطنًا
إذا رفع فوقها العلم
عظم الله أجركم
فقد أتقنتم حياكة الأكفان
حتى ضاقت الأسواق بالثياب
وأتقنتم عد الشهداء حتى نسيتم عدد الأحياء
وأتقنتم دفن الحقيقة
قبل دفن أصحابها
أيها العرب
لا تسألوا من باع الأرض
اسألوا من اشترى الصمت؟
من ألبس الخوف بدلة الوطن؟
من حمل الخيانة وجهة نظر
والذل برنامج عمل؟
ويل لكم
حين يصبح الطفل أشجع من جيوشكم
ويل لكم
حين تصبح الأم أصلب من عروشكم
ويل لكم
حين يحمل الجائع كرامته
وتحملون حقائب المؤتمرات
أيها العرب
كلما سقط شهيد
وقفتم دقيقة صمت
لو جمعنا دقائق صمتكم
لكانت قرونًا كاملة من الجبن
عظم الله أجركم
لقد صار العدو يعرف أسماء عواصمكم
ولا يعرف اسم معركة خسرها أمامكم
أيها العرب
لقد تعب التاريخ من تكرار أسمائكم
وتعبت الخرائط من الاعتذار عن حدودكم
وتعبت السماء من استقبال شهدائكم
بينما الأرض مازالت تطرد أحياءكم
لا تقولوا
هذه مؤامرة
أنتم كنتم بابها
ومفتاحها
وحارسها
وشاهد زورها
ثم بكيتم لأن اللصوص دخلوا البيت

عظم الله أجركم
فالعار لم يعد حادثة
بل صار نشيدًا وطنيًا يحفظه الجميع
والهزيمة لم تعد استثناء
بل دستورًا غير مكتوب
والصمت لم يعد خوفًا
بل عقيدة تورث كما تورث أسماء العائلات
أيها العرب
ليس السؤال
متى ننتصر؟
السؤال
هل بقي في هذه الأمة من يخجل قبل أن يسأل؟

عظم الله أجركم
ولا أجر لكم
فقد ضاقت الأرض كن كثرة ما حملت أسماء المهزومين
وضاق البحر من جثث
كانت تحلم أن تصل إلى وطن
وضاقت السماء من دعاء الأمهات الذي يعود إليهن
مكسور الجناحين
أيها العرب
لا ترفعوا رؤوسكم
فالقمم لا تولد من أعناق اعتادت الانحناء
لعنة الله على يوم
صار فيه السيف حارسًا للغمد
والأسد خادمًا للقفص
والرجل ظلًا لخوفه
أيها العرب
ما عاد العدو يحتاج إلى احتلال مدنكم
لقد احتللتم أنتم قلوبكم بالرعب
وأغلقتم الأبواب على كرامتكم
ثم وضعتم المفتاح في جيب السجان
ويل لأمة
إذا جاعت باعت أبناءها
وإذا شبعت باعت جيرانها
وإذا خافت باعت تاريخها
وإذا خطبت باعت الله في أول مزاد
أيها العرب
كم مرة ستلثمون يد السكين
ثم تستغربون طعنتها؟
كم مرة ستصنعون الطغاة
ثم تلعنون الاستبداد؟
كم مرة ستعبدون الخوف
ثم تسألون أين الحرية؟
عظم الله أجركم
لقد أصبحتم أمة
إذا نطق فيها الحق
اعتقل
وإذا كتب الحبر الحقيقة
صودر
وإذا وقف الحر
اغتيل
أما الكذب
فله وزارة
وله ميزانية
وله نشيد وطني
أيها العرب
ما عاد في الوقت وقت للحياد
فالحياد حين يذبح طفل
خيانة
وحين تغتصب مدينة
خيانة
وحين يشنق الحق في الساحات
خيانة
لا تقولوا سنلتقي غدًا
فالغد مل انتظاركم
ولا تقولوا سيكتب التاريخ
فالتاريخ أغلق دفاتره حين رأى كم مرة أعدتم الخطأ
نفسه بأسماء جديدة
أيها العرب
أنتم لا تخسرون الحروب فقط
بل تخسرون المعنى
وإذا ضاع المعنى
صار الوطن فندقًا
وصار الإنسان رقم غرفة
وصارت الأمة إعلانًا قديمًا على جدار ينهار
عظم الله أجركم
ولا أجر لكم
فلا عزاء لوطن يتقن دفن الحقيقة
ويخاف أن يدفن الخوف
عظم الله أجركم
فقد حضر الجميع
وغاب الوطن
أيها العرب تقدموا
ليس لالتقاط الصورة
بل لاستلام التهمة
فليس في هذه القاعة بريء
ولا شاهد يغسل يديه في ماء الصمت
قفوا واخلعوا بلاغتكم
فاللغة لا تستر العار
واخلعوا أوسمتكم
فالحديد لا يصنع الرجال
واخلعوا أناشيدكم
فالطبول لا توقظ أنة نامت على كتف الوهم
أيها العرب أنتم لم تهزموا
أنتم تدربتم على الهزيمة حتى أتقنتموها
كما يتقن العابد صلاته
كل قبر في هذه الأرض يسألكم
كل أم تفتح الباب ولا يعود ابنها
تسألكم
وأنتم تجيبون ببيان
عظم الله أجركم
لقد صار البيان آخر أسلحة الجبناء
يخرج مكوي الكلمات
مصفف الفواصل
ثم يموت قبل أن يصل إلى آخر السطر
أيها العرب
لو كان للمحتل جيش
لاحتل عواصمكم
ولو كان للعار علم
لارتفع فوق قصوركم
ولو كان للتاريخ سوط
لما ترك ظهرًا إلا ووشمه بالهزيمة
يا أبناء الصحراء
كيف ضاقت صدوركم عن نسمة حرية
واتسعت لصحارى من الخوف
كيف حفظتم أنساب الخيل
ونسيتم أنساب البطولة؟
كيف أورثتم أبناءكم مفاتيح السيارات
ولم تورثوهم مفاتيح الكرامة
عظم الله أجركم
ولا أجر لكم
لقد أصبح الشهيد أكثر حياة من الأحياء
وأصبح الأسير أوسع حرية من السائرين
في شوارع الذل
وأصبح المنفي أقرب إلى الوطن
من سكان الوطن
أيها العرب
إذا مررتم على مرآة
فلا تنتظروا
قد ترون أمة كانت هنا
ثم غادرت دون أن تودع أحدًا
ولا تبكوا
فالدموع لا تنبت راية
ولا تحرر أسيرًا
ولا تعيد مدينة
ابكوا
حين تعجزون عن البكاء
فذلك هو الموت الحقيقي
عظم الله أجركم
لقد انتهت الجلسة
وبقي الحكم معلقًا
لان القاضي بحث طويلًا عن بريء
ولم يجد
عظم الله أجركم
ولا سامحكم التاريخ
أيها العرب
لا تدخلوا الغد
فالغد ليس يتيمًا ليتبناكم
اكسروا المرايا
فالوجوه لم تعد تحتمل الحقيقة
كل هذا الدم
ولم تخجل الأرض منكم
بل خجلت من صمتكم
أيها العرب
أنتم لا تخافون الموت
أنتم
تخافون الحياة إذا جاءت واقفة بلا سيد
لقد أصبح الطغيان طاعة
وأصبح الاعتراض معجزة
وأصبح الحر حالة نادرة
كالمطر في فم الصحراء
أيها العرب
ما عاد العدو يطاردكم
أنتم تحملونه في جيوبكم
في نشراتكم
في مدارسكم
في مناهجكم
في خوفكم
في صمتكم
في كل تصفيقة تقال في غير أوانها
عظم الله أجركم
لقد عبدتم الكراسي
حتى صار الوقوف جريمة
من قال إن القيود من حديد
القيود
فكرة
إذا سكنت الرأس
استغنت عن السلاسل
أيها العرب
كل هزيمة كانت تستأذنكم
ففتحتم لها الباب
وأجلستموها في صدر البيت
ثم ذبحتم آخر الناجين
بتهمة إزعاج الحقيقة
ويل لأمة
إذا غضب فيها الشاعر
خافت منه
وإذا تكلم الجبان
صفقت له
وإذا مر المنافق
فرشت له السجاد
أيها العرب
لن يلعنكم العدو
فهو يشكركم
ولن يكرهكم الطغاة
فأنتم أطول أعمارهم
ولن يخاف منكم المحتل
فأنتم تحرسون أبواب نومه
عظم الله أجركم
لقد مات السؤال
ومات الجواب
ومات الخجل
ولم يبقَ
إلا التصفيق التصفيق
للنشيد
وللنعش
وللجلاد
والجلوس
والهزيمة
كلما بدلت قناعها
أيها العرب
حين تقوم القيامة
لن يسألكم الله
كم خسرتم
بل ربما يسألكم
كيف رضيتم؟
عظم الله أجركم أيها العرب
أيها الواقفون في جنازة القرن
تحملون النعش بيد
وتوقعون شهادة الوفاة بالأخرى
أيها العرب
ما عاد في الأرض متسع لبيان جديد
فكل بيان يبدأ بالإدانة
وينتهي بإدانة الإدانة
ارفعوا الرايات أعلى
فلعلها تحجب عنكم رؤية الخراب
كبروا أكثر
فلعل الصدى يهزم الرصاص
صفقوا أطول
فلعل الأكف تنسى أنها خلقت لتقبض على الحرية
أيها العرب
كل نصر تعلنونه
يحتاج إلى مقبرة ليثبت وجوده
وكل لحد تروونه
يحتاج إلى شاهد خرج من التاريخ يبكي
لا تكثروا من ذكر صلاح الدين
فلو عاد لما عرف هذه البلاد
ولسألكم
أين الأمة التي تركتها؟
ولماذا صار السيف يتسول في متحف؟
ولماذا صار الحصان ينتظر تأشيرة عبور؟
أيها العرب
لقد صار الخوف عملة
يدفع في المدارس
ويصرف في الجامعات
ويستثمر في المساجد
ويورث كما تورث العقارات
عظم الله أجركم
ولا أجر لكم
فقد أصبح الكذب لغة أمًا
والصدق
لهجة منقرضة
أيها العرب
إذا مات شاعر
أقمتم له مهرجانًا
وإذا عاش شاعر وقال الحقيقة
أقمتم له محكمة
إذا صرخ طفل
قلتم قليل الأدب
وإذا صرخ طاغية
قلتم حكمة القائد
إذا ركع الجائع
قلتم قضاء الله
وإذا ركعتم للطغيان
سميتموه واقعية سياسية
عظم الله أجركم
لقد صار الوطن حقيبة
وصار المنفى عنوانًا
وصارت العودة أغنية قديمة يحفظها الجميع
ولا يمشي نحوها أحد
أيها العرب
ليس الخراب في المدن
الخراب
حين يصبح الإنسان خرابة
تمشي
عظم الله أجركم
فقد انتهى القرن
ومازلتم تختلفون
من يحمل النعش
عظم الله أجركم
ولا أجر لكم
أيها الذين ورثوا التاريخ كقصيدة عظيمة
ثم مزقوا الصفحة الأخيرة لأنها قالت الحقيقة
أيها العرب
لا تبحثوا عن العدو في آخر الخريطة
فلقد علقتموه في صدوركم منذ زمن
تفتشون عن خنجر خارج الجسد
ولا تسألون عن اليد التي أمسكته
أيها العرب
كم من مدينة ماتت واقفة
كم من نافذة ظلت تنتظر وجهًا لن يعود
كم من خبأت دمعتها كي لا تحرج القاتل أمام الكاميرا
عظم الله أجركم
فقد أصبح الدم رقمًا في جدول
وأصبح الخراب خلفية للنشرات
وأصبح الطفل خبرًا عاجلًا
ثم خبرًا قديمًا
ثم لا شيء
أيها العرب
في قصوركم مرايا كثيرة
لكن لا واحدة منها تجرؤ أن تعكس وجوهكم
فأنتم تخافون من المرآة أكثر من السيف
لأن السيف يجرح الجسد
أما الحقيقة فتفضح الروح
عظم الله أجركم
لقد صار الجلاد خبيرًا في الأمن
وصار الضحية خبيرًا في الصمت
وصار الشاهد خبيرًا في النسيان
أيها المواطن العربي
لا تقل ماذا أستطيع أن أفعل
فقد كان الخراب دائمًا يحتاج إلى جيش من الشامتين
لا إلى جيش من الأشرار
كان الباب مفتوحًا
لكنكم انتظرتم من يدخل أولًا
وكان القيد ضعيفًا
لكنكم خشيتم صوت كسره
وكان الفجر قريبًا
لكنكم أطفأتم المصابيح حتى لا يزعجكم
عظم الله أجركم
فقد صار الوطن صورة معلقة على جدار بعيد
تقبلونها كل صباح
ثم تخرجون لتخونوا معناها
أيها العرب
لا تسألوا أين ذهب المجد
لقد لمحه الغبار يمر وحيدًا
فأدار وجهه كي لا يراكم
عظم الله أجركم
ففي آخر الليل
لن يأتي منقذ ليحملكم
لن تنزل معجزة من السماء
لن يفتح التاريخ بابًا خلفيًا
سيبقى السؤال واقفًا أمامكم
ماذا فعلتم حين كان الوطن ينادي؟
عظم الله أجركم
فقد وصل الموت إلى آخر المقاعد
ولم يجد إلا الذين صفقوا له
أيها العرب
انهضوا من رمادكم
لا لتعلنوا النصر
فالنصر كلمة أكثر من اللازم على أفواه المنهزمين
انهضوا
فقط كي تروا ما فعلتم بأنفسكم
افتحوا دفاتركم
لا تقرأوا تواريخ الملوك
اقرأوا أسماء الذين لم تصل إليهم الكاميرات
اقرأوا
اسم الأم التي خبأت كسرة الخبز لثلاثة أطفال
ثم نامت بلا عشاء
اسم العامل الذي بنى قصور الآخرين
ثم عاد إلى غرفة لا تتسع لحلمه
اسم الشاعر الذي حمل وطنًا في قصيدة
فحوكم لأنه حمله أعلى من اللازم
عظم الله أجركم
لقد ظننتم أن الأمم تموت حين تقصف
لا
الأمم تموت حين تعتاد صوت القصف
أيها العرب
لا تخافوا من سقوط الجدران
فالجدران تبنى من جديد
خافوا
من اليوم الذي يصبح فيه الإنسان حجرًا في جدار
أيها العرب
كم تاجًا احتاج إلى رأس منحنٍ
وكم عرشًا احتاج إلى شعب واقف في الطابور
وكم سيفًا احتاج إلى يد ترتجف
عظم الله أجركم
لقد ورثتم بحرًا
فبعتم الشاطئ
وورثتم سماء
فأغلقتم النوافذ
وورثتم تاريخًا
فحولتموه إلى متحف للسياح
لكن
تحت الرماد شيء لم يمت
تحت الخراب خطوة لم تسمع
تحت الصمت حرف يبحث عن فم
أيها العرب لا تيأسوا
فاليأس أيضًا نوع من الاستسلام
ولا تنتظروا بطلًا يأتي
فالأبطال لا ينزلون من الأساطير
إنهم يخرجون من لحظة يقول فيها الإنسان كفى
عظم الله أجركم
لكن العزاء لم يغلق بابه
لأن في آخر البيت طفلًا يرسم شمسًا
وفي آخر الليل امرأة تخبئ مفتاحًا
وفي آخر الصوت صوتًا لم يتعلم كيف يموت
عظم الله أجركم
فقد دفنا ما يجب أن يدفن
الخوف والخضوع والصمت
أما الوطن
فلم يدفن
كان هناك
تحت الرماد
ينتظر صوتًا واحدًا يقول
لسنا بقايا أمة
نحن بداية الحكاية
عظم الله أجركم
وشكر الله سعيكم
لكن العزاء انتهى
فالأموات لا يحتاجون إلى قصائد
الأحياء
هم الذين يحتاجون إلى وطن