الثلاثاء 9 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • رسالة الأستاذ أحمد جابر عفيف التنويرية يمكن إحياؤها

رسالة الأستاذ أحمد جابر عفيف التنويرية يمكن إحياؤها

اختتمت مقالي السابق، تحت عنوان (أحمد جابر عفيف، إنجازاتٌ وطنيِّةٌ دون ضجيج)، بفقرة تضمنت ثلاث أمنيات. الأمنية الأولى: تخليد جامعة صنعاء اسم مؤسسها الأستاذ أحمد جابر عفيف، بإطلاق اسمه على قاعة من قاعاتها الكبرى. والأمنية الثانية: تكريم الدولة له، اعترافاً بما قدم من خدمات لليمن وتشجيعاً لغيره على الاقتداء به. وذلك بإطلاق اسمه على المدينة السكنية التي أنشأها للموظفين، محدودي الدخل، لتصبح (مدينة أحمد جابر السكنية) أو (مدينة العفيف السكنية). والأمنية الثالثة: محافظة ورثته على إرثه الثقافي، المتمثل بمؤسسة العفيف الثقافية، وتطويره.

أحمد جابر عفيف
أحمد جابر عفيف

وقد تلقيت رسائل من بعض الأصدقاء، تضمنت تعليقات على أمنياتي تلك، أجمعت كلها على أن أمنياتي لا يمكن أن تتحقق، في ظل الظروف البائسة التي يمر بها مجتمعنا اليمني، والتي لم يشهد لها تاريخنا الحديث مثيلاً.

وتعليقاً موجزاً على تعليقات الأصدقاء، أقول: هل كانت الأمنيات إلا تعبيراً عن شوق إلى تحقيق ما لا يمكن تحقيقه في اللحظة الراهنة، ويبدو تحقيقه في زمن قادم ممكناً، بالإرادة القوية وبذل الجهد اللازم لتحقيقه؟ إنني أشارك الأصدقاء الأعزاء في تقديرهم، بأن هذه الأمنيات البسيطة، صعبة التحقيق الآن. فهي على الأغلب، في حالتنا الراهنة، أشبه بالسهل الممتنع، رغم بساطتها وسهولة تنفيذها.

وأود هنا أن أتوقف قليلاً عند هذه الأمنيات الثلاث، أمنية أمنية:

الأمنية الأولى: تخليد جامعة صنعاء اسم مؤسسها الأستاذ أحمد جابر عفيف، بإطلاق اسمه على قاعة من قاعاتها الكبرى. وهذا أمر سهل وميسور. لا يحتاج إلا إلى اتخاذ قرار في مجلس الجامعة، وتحديد القاعة وتعليق لوحة الاسم على مدخلها.

الأمنية الثانية: إطلاق اسمه على المدينة السكنية التي أنشأها للموظفين، محدودي الدخل، لتصبح (مدينة أحمد جابر السكنية) أو (مدينة العفيف السكنية). وهذا إجراء ليس معقداً، ولا يحتاج إلا إلى اتخاذ قرار من قبل الجهة الرسمية المعنية، شريطة أن يستجيب الشعب لذلك. وفي تقديري أنه سيستجيب. لأن سكان المدينة السكنية أنفسهم سيكونون في مقدمة المستجيبين. ولكن إذا تعذر القرار الرسمي، فيمكن استبداله بقرار شعبي.

فنحن نعرف أن وجود أماكن دون أسماء أمر لا يمكن تصوره. تماماً مثلما لا يمكن تصور وجود أشخاص دون أسماء. وتُطلق أسماء الأماكن عادة، لأول مرة، من قبل جهة ما، أو يطلقها الشعب بصورة تلقائية. وتترسخ بعد ذلك وتستمر كأسماء شائعة، دالة على تلك الأماكن، رغم محاولة تغييرها لاحقاً بأسماء جديدة. لأن الشعب نفسه يقاوم تغييرها، بصورة تلقائية أيضاً. والأمثلة على ذلك كثيرة. فشارع فؤاد في القاهرة، المنسوب إلى الملك أحمد فؤاد الأول، تم تغيير اسمه بعد ثورة يوليو المصرية، ومع ذلك ظل الشعب المصري يسميه (شارع فؤاد). وشارع هائل في صنعاء، أطلقت عليه الجهات الرسمية المعنية أسماء أخرى، لم يستطع أي منها أن يمحو اسمه الشعبي (شارع هائل). ومثله شارع صفر، في مدينة العفيف السكنية. أطلقت عليه الجهات الرسمية اسمين متتاليين على الأقل (شارع الشهيد حسن الحريبي) و (شارع الشهيد لطف القحوم). وظل شارع صفر هو الاسم المتداول شعبياً. وهذا يعني أن الشعب وحده يستطيع أن يغير الأسماء الأصلية، أو يتمسك بما أصبح مألوفاً لديه.

فلو توافق سكان هذه المدينة السكنية وحدهم، تخليداً لاسم من كان وراء إنشائها، وأطلقوا عليها اسم (مدينة العفيف السكنية)، لشاع الاسم ورسخ وأصبح هو الاسم المتداول شعبياً، الذي لا يمكن تغييره.

الأمنية الثالثة: المحافظة على الإرث الثقافي، المتمثل بمؤسسة العفيف الثقافية، من قبل ورثة الأستاذ أحمد جابر عفيف، وتطويره. وهذه أمنية يدور على هامشها حالياً جدل في وسائل التواصل الاجتماعي، ينطلق جميعه في تقديري من حرص على استمرار دور المؤسسة في حياتنا الثقافية. ويدفعني، رغم عدم الرغبة في الخوض فيه، إلى التوقف قليلاً عند جوهر الموضوع، وهو الثقافة، والبيئة الحاضنة للثقافة المساعدة على ازدهارها.

من المعروف تاريخياً أن الانسان انتقل من حالة الانشغال بما هو ضروري لاستمرار حياته، إلى الاشتغال بالفكر والثقافة، عندما توفر له قدر من الاستقرار والرفاه. فتحقق له بذلك متسع من الوقت، أتاح له التفكير والتأمل والتفلسف والاشتغال بالعلم.

فإذا ما قسنا واقعنا الحالي، من منظور هذه القاعدة التاريخية، فإننا لا بد أن ندرك بأننا انتقلنا إلى الخلف نقلة هائلة، من مرحلة الاستقرار والرفاه النسبي، المهيِّئة للاشتغال بالثقافة، إلى مرحلة الانشغال بما هو ضروري لاستمرار حياتنا، أي إلى الانشغال بلقمة العيش الضرورية، التي عزت على معظم الأفراد والأسر في هذا البلد المنكوب. فقد تجاوزنا مستوى الفقر، إلى مستوى الجوع. وهذه النقلة الهائلة تفقد المرء توازنه، وتجعل كل همه توفير الطعام الجاف لزوجه وأطفاله، ووالديه إن كانا على قيد الحياة. فالاشتغال بالثقافة وازدهارها، في واقع كواقعنا المزري، يصبح ترفاً لا نقدر على تحمل كلفته.

من هنا انطفأ الوهج الذي أوقده الأستاذ أحمد جابر عفيف، المتمثل بمؤسسته الثقافية، التي بزت سواها من المؤسسات، بما فيها المؤسسات الرسمية، المدعومة بأموال الدولة. انطفأ الوهج، لأن الواقع انحدر نحو الأسوأ، وتراجع إلى مرحلة تاريخية بدائية، سبقت اشتغال الانسان بالفكر والعلم. وأصبح ما نظنه ثقافة، تعبر عن نفسها في وسائل الاعلام والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية ووسائل التواصل الاجتماعي، مجرد صخب، يدفن الثقافة ويعبد الطريق للجهل.

وفي واقعٍ انحدرنا به وانحدرنا معه إلى هذه الدرجة من السوء، كان من الطبيعي أن تختفي المؤسسات الثقافية، أو تُجمَّد، بما فيها مؤسسة العفيف الثقافية. فبعد وفاة الأستاذ أحمد جابر، في عام 2010م، لم يُدع، بحسب علمي، مجلس أمناء مؤسسة العفيف للاجتماع ولو مرة واحدة، ليضع للمؤسسة خطة عمل مرنة، تتناسب مع مستوى الانهيار العام في الحياة اليمنية، وتقاوم العواصف الهوجاء، التي تقتلع جذور الخير في حياتنا، وتحول الأمنيات الجميلة إلى كوابيس مفجعة.

وبعد وفاته بأقل من عام هبت انتفاضة الشباب التي تفاءلنا بها، هبت دون برنامج سياسي واضح، ودون قيادة رشيدة. فترتب على تلك الانتفاضة ارتباك عام في الحياة السياسية وفي بنية الدولة وأداء أجهزتها، مهد للولوج في دائرة الفوضى (الخلاقة)، التي ما نزال نعيش أسوأ فصولها، والتي تعطلت فيها عجلة الحياة الطبيعة بكل جوانبها، بما في ذلك الجانب الثقافي.

وفي هذا الجو الخانق، وتعطل عجلة الحياة الطبيعية، إلى درجة قطع الرواتب والمعاشات وتقطيع أوصال الجغرافيا اليمنية، تم التصرف بالمؤسسة ووقفيتها، وفقاً لوصية جديدة، كما فهمت مؤخراً، وضعها الأستاذ أحمد جابر قبل وفاته. فإذا صح أن الأستاذ أحمد قد وضع وصية جديدة، غير الوصية المنشورة في كتابه (شاهد على اليمن)، وتم التصرف بالمؤسسة ووقفيتها بناءً عليها، فإن إظهارها سوف يضع حداً للجدل المثار، الذي لا جدوى منه ولا نفع، ويوجه الأذهان إلى التفكير في كيفية إحياء دور المؤسسة الثقافي التنويري في المستقبل، ولو بهيكلية جديدة ومقر جديد، عندما تنقشع الغيوم وتصفو الحياة، وتتهيأ الظروف للاشتغال بالفكر والثقافة. هذا أمر في نظري أهم من الجدل الدائر، بل إنه يمكن أن ينقل الجدل إلى مستوى أرقى وأكثر فائدة وجدوى. فعجلة الحياة لا بد أن تدور من جديد، بكل مظاهرها الإيجابية، بما فيها المظهر الثقافي.

لقد تعطلت المؤسسة، وغاب دورها الثقافي التنويري كلياً. بغياب صاحبها، الأستاذ أحمد جابر عفيف، الذي سبق زمانه اليمني، في اهتماماته وفي طموحه التنويري، وفي كفاءته الإدارية التي كانت بمثابة ظاهرة فريدة لم تتكرر، تجاوزت الواقع الإداري المتخلف في اليمن، ولامست مستوى الإدارة الحديثة في أرقى البلدان المتطورة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر: كان الأستاذ أحمد يحرص على وضع جدول اجتماع مجلس أمناء المؤسسة مسبقاً، قبل أن يوجه الدعوة إلى أعضاء المجلس. ثم يبعث لكل عضو إلى منزله ملفاً مكتملاً، يحتوي على جدول الاجتماع وكل الأوراق المتعلقة بالموضوعات التي ستناقش فيه. ويعطي وقتاً كافياً للأعضاء لدراسة محتويات الملف، يمتد أياما، قبل موعد الاجتماع. وبعد أن يناقش المجتمعون الموضوعات المحددة في الجدول، ويتخذوا القرارات اللازمة بشأنها، يحرص الأستاذ أحمد على متابعة تنفيذ القرارات متابعة يومية، ويذلِّل بنفسه أي عقبات قد تعترض تنفيذ هذا القرار أو ذاك. ولذا ترك غيابه فراغاً، لم يستطع أحد أن يملأه بعده. فضاعت المؤسسة، قبل أن يتم التصرف بها.

وفي تقديري أن التفكير الآن يجب أن يتوجه إلى كيفية إحياء دور المؤسسة الثقافي التنويري، كما أراد المؤسس لهذا الدور أن يكون. وهذا هو الأمر الجوهري، الأكثر أهمية في الموضوع كله. ويمكن تحقيقه، عند توفر الشروط الطبيعية للعمل الثقافي دون عوائق. حتى وإن كانت مكتبة المؤسسة قد رُحلت إلى جامعة صنعاء، ومقر المؤسسة الأصلي لم يعد موجوداً. فإن تكوين مكتبة جديدة وتوفير مقر جديد أمران ممكنان، إذا توفرت الإرادة وفُهم الدور المناط بالمؤسسة، وأهميته في حياتنا الثقافية. وفي هذا السياق تغدو مبادرة أبناء الأستاذ أحمد وأحفاده مطلوبة. وسيجدون كثيرين من مريدي والدهم ومحبيه يقفون إلى جانبهم، إذا عقدوا العزم على أن يحافظوا على الإرث الثقافي للأستاذ أحمد ويواصلوا رسالته التنويرية، ليبقى اسمه حاضراً في ذاكرة الأجيال اليمنية القادمة.