الثلاثاء 28 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • معضلة البحر في العقل اليمني: من ثغر يُحرس إلى سيادة تُهدر

معضلة البحر في العقل اليمني: من ثغر يُحرس إلى سيادة تُهدر

تمتلك اليمن سواحل بحرية طويلة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، ورغم أهمية هذه المسطحات المائية في عملية التجارة البحرية التي درّت عليها الأموال وكانت سببًا رئيسًا في الثراء الاقتصادي الذي شهدته اليمن في عهد الدولة الرسولية، وامتد ذلك حتى حكم الطاهريين الذين استفادوا من العائدات المالية التي جنوها من ميناء عدن بفضل ازدهار التجارة البحرية، فإن ذلك المورد سرعان ما أغلق بابه بعد نجاح البرتغاليين في السيطرة على تجارة الشرق مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وكانت تلك السيطرة السبب الرئيس في اضمحلال دولة الطاهريين وسقوطها بصورة نهائية على يد المماليك عام 1517م.

 ورغم إدراكهم المبكر لأهمية البحر وخطره في التأثير على التجارة، وهو الأمر ذاته الذي دفع السلطان الطاهري عامر بن عبدالوهاب الطاهري إلى طلب النجدة من المماليك في مصر، ليس لشيء إلا لإدراك السلطان لإمكانات المماليك البحرية في مواجهة البرتغاليين الذين يملكون أسطولًا بحريًا حديثًا وقويًا لا يقوى الطاهريون على مواجهته لأنهم لا يملكون قوة بحرية رادعة تساعدهم في مواجهة التحدي البرتغالي على السواحل اليمنية، ومن أجل مواجهة ذلك استعانوا بالقوة البحرية للمماليك التي جاءت إلى اليمن لحمايته من الخطر البرتغالي، وتجسّد حماسهم في تلك الحملة البحرية بالقضاء على قوة الطاهريين التي استدعتهم لنجدة اليمنيين من هجمات البرتغاليين على السواحل والموانئ.

لم يستوعب اليمنيون مبكرًا أهمية المسطحات المائية الكبيرة التي تحيط بهم من الغرب والجنوب، وهذا يفسّر السبب وراء عدم ظهور أي قوة بحرية يمنية تستفيد من البحار المفتوحة التي تطل عليها البلاد، وظل فهمهم محدودًا لطبيعة الجغرافيا وأهمية الموقع الجغرافي الذي يؤهّل اليمن لأن تكون قوة بحرية مركزية في المنطقة بحكم امتلاكها سواحل طويلة على امتداد جنوب البحر الأحمر حتى المحيط الهندي، وظل البحر معضلة حقيقية أمام اليمنيين على الرغم من المخاطر التي لحقتهم منه، بدءًا بالحملة الرومانية سنة 24 ق.م، ثم الغزو الحبشي لليمن، وتتابعت الحملات البحرية حتى التاريخ الحديث الذي جسّد فيه الأوروبيون في مطلعه التهديد البحري لليمن وسواحله وموانئه، ثم جاء العثمانيون على واقع التهديدات الأوروبية بأساطيلهم البحرية إلى بحار اليمن، وانتهت جهودهم بالسيطرة على مدينة عدن وشنق آخر الحكام الطاهريين للمدينة عام 1538م. كل تلك المخاطر الحقيقية التي عايشها اليمنيون من البحار المحيطة بهم لم تؤهلهم إلى قراءة أهمية البحر ومواجهة التحدي القادم منه طوال قرون التاريخ الحديث، ولم تصل طموحاتهم في هذا الجانب إلى إيجاد أسباب تجعلهم قادرين على مواجهة المخاطر البحرية التي تحدق بهم بين الحين والآخر.

والسؤال الملح في هذا المقام لماذا لم تتحول اليمن إلى قوة بحرية على الرغم من امتلاكها سواحل بحرية طويلة ومسطحات مائية هائلة ومفتوحة على العالم تؤهل البلاد لأن تصبح القوة البحرية الأولى في المنطقة برمتها؟

إن القراءة الموضوعية لطبيعة اليمن الجغرافية والمؤهلات البحرية والمسطحات المائية التي تحيط بها تعد من حيث الموضوع عاملًا مساعدًا في خلق قوة بحرية كبيرة بفضل ذلك، ورغم ذلك لم تصل اهتمامات اليمنيين في هذا الجانب إلى الوصول إلى أدنى الأسباب التي تؤهلهم للدخول في عالم القوى البحرية لوجود مجموعة من العوامل التي حالت دون الوصول لتلك الغاية، منها:

أولًا: البعد الديني: لعب النص الديني دورًا في ابتعاد اليمنيين عن البحر طوال فترات التاريخ الحديث، إذ لعبت الأسباب الدينية التي فسّرت التعامل مع البحر وفق المنظور الإسلامي للبحر واقتصار النشاط فيه على التجارة القادمة من الخارج أو ركوب البحر للجهاد، ورغم أن الجزئية الأخيرة كافية لبعث الطاقات وإنتاج السفن البحرية العملاقة لتكون أسطولًا بحريًا قويًا يقوم بمهمة الجهاد تماشيًا مع الفكر الديني الذي جعل النشاط في البحر مقتصرًا على الجهاد، ورغم أن البحر لعب دورًا في دعم تدفق الموارد المالية على اليمن من خلال النشاط التجاري النشط في الموانئ اليمنية، فإن الدولة قائمة على فكرة "الجهاد الدفاعي في الجبال" وأي تفكير خارج ذلك الإطار يشكّل مخالفة دينية، لأن البحر لم يكن يُنظر إليه كمجال للسيادة والاقتصاد بل ظل النظر إليه كـ "ثغر" يجب حراسته بشكل بدائي بالفقهاء ورجال القبائل لا بأسطول بحري حديث ومتطور، لأن ذلك يتطلب الأخذ بأسباب العلم وذلك يقود إلى ما يمتلكه الآخر الذي ننعته بـ "الكافر" من إمكانات ووسائل حديثة في صناعة السفن الحربية لبناء الأسطول البحري، وأن أي تعامل من هذا القبيل معه لإرسال بعثات علمية أو جلب خبراء يُعد موالاة للكفار، وتلك النظرة الدينية القاصرة أبعدت اليمنيين عن فهم واستيعاب أهمية الموقع الجغرافي والمسطحات المائية المفتوحة التي تحيط بالبلاد والبناء عليها، بدعوى الابتعاد عن موالاة الكفار وحرصًا على عدم إدخال البدع من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وذلك حرم اليمن من الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي يمتلكها الآخر في بناء أسطول بحري قوي أو بناء موانئ حربية تساهم في حماية سواحل البلاد وموانئها، والحجة أمام أي خطوة من هذا القبيل الخوف من توسع النفوذ الأجنبي "الكافر" داخل البلاد "دار الإسلام"، وكان مثل ذلك التفكير الديني المتصلب كفيلًا بحرمان اليمن واليمنيين من الاستفادة من البحر.

ثانيًا: النظرة السياسية: لم تكن النظرة والبعد السياسي الذي سيطر على اليمن منذ الانسحاب العثماني الأول من اليمن عام 1635م بعيدًا عن إطار النظرة الدينية التي خيّمت على تفسير مجمل الحياة السياسية في ظل حكم الدولة القاسمية التي تعد أهم الدول اليمنية التي سيطرت على جميع أراضي اليمن التاريخية من ظفار شرقًا حتى باب المندب ومن عدن جنوبًا حتى القنفذة شمالًا، ورغم أن قيام الدولة اليمنية القاسمية متزامن مع نشأة دولة اليعاربة في عمان نحو 1620م، إلا أن المقارنة بينهما بالنسبة للقوات البحرية وما يتعلق بها لا يمكن إطلاقًا نظرًا لوجود فارق هائل في مختلف المجالات البحرية، فاليعاربة بجهودهم الحثيثة وإرادتهم الصلبة تمكنوا من كسر هيبة البحرية البرتغالية في الخليج العربي ومياه المحيط الهندي وشرق إفريقيا، ثم وراثة البرتغاليين عام 1650م والتحول إلى أكبر إمبراطورية عربية بحرية في منتصف القرن السابع عشر الميلادي.

والسؤال الجوهري لماذا اليمن إذن؟

كان بإمكان اليمن أن يتحول إلى إمبراطورية بحرية قوية مثل العمانيين بالضبط، لا سيما أنه يمتلك السواحل والبحار المفتوحة والإمكانات والموارد المالية اللازمة لبناء ذلك، لكن الشيء المختلف هو مستوى وحجم التفكير لدى القيادات السياسية التي تحكمت بصنع القرار السياسي، التي لم يخرج مستوى تفكيرها عن النظرة الدينية التي أعاقت أي خروج سياسي عن التفكير المألوف، فظل اليمن حبيس ذلك التفكير على الرغم من حاجته الكبيرة والملحة لأسطول تجاري كبير لتصدير البن الذي كان أهم سلعة تجارية رائجة خلال تلك الفترة، وكان بالإمكان التفكير بشكل أكثر واقعية باعتبار أن اليمن دولة بحرية والواجب معها بناء أسطول بحري قوي يحمي مقدرات البلاد ومصالحها التجارية في موانئها الحيوية، والنتيجة الطبيعية التي جناها اليمنيون نتيجة التفكير السطحي جاءت على شكل احتلال بريطانيا لمدينة عدن عام 1839م بحجة حماية المصالح البريطانية في مياه البحر الأحمر والهند، مستغلين ضعف اليمن وانعدام أي قوة بحرية يمكن أن تدافع عن موانئه وسواحله، وانتهى الحال بالبلاد إلى التشطير والانقسام الذي فُرض قسرًا بفضل الاحتلال الذي قادته مصالحه إلى تمزيق لحمة اليمن.

ظلت علاقة اليمن بالبحر رهينة حسابات دينية ضيقة لم ترَ مصالح البلاد الحيوية بين أمواج البحر المتلاطمة لأن التفكير انصبّ على البر والاستقرار في الجبال وترك السواحل ليقرر مصيرها الاحتلال، ورغم تخلص اليمنيين من قتامة وبشاعة الاحتلال ظلت المخاوف قائمة لا سيما في اليمن الشمالي بعد ثورة 1962م، في حين اختلف التفكير بالنسبة لجنوب اليمن بعد الاستقلال عام 1967م، وكانت نظرة كل شطر على النحو الآتي:

الشطر الشمالي: انصبّ الفكر الأساسي بعد الثورة على بناء القوة البرية لحفظ النظام وتثبيت أركان الدولة الجديدة بعيدًا عن أي تفكير استراتيجي بالاتجاه نحو البحر لأهميته البالغة في حماية سواحل البلاد وموانئه.

الشطر الجنوبي: بالرغم من اختلاف التفكير الأيديولوجي والنظرة الدينية فإن اليمن الجنوبي اهتم ببناء الجيش البري كحارس لمقدرات الدولة والثورة والنظام السياسي، وظل الاهتمام بالقوة البحرية مهملًا لأن البحر يُعد بوابة محتملة لتدخل القوى الإمبريالية.

ورغم ذلك ساعد شطرا اليمن بالتعاون مع القوات البحرية المصرية في إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر عام 1973م التي رجّحت كفة مصر وأعلت كلمتها في أيام الحرب، كما ساهمت في مساعدة اليمن الشمالي على حماية الجزر في البحر الأحمر من قيام إسرائيل باحتلالها ردًا على التعاون مع مصر في الحرب، ورغم أهمية البحر لم تدرك دولة الوحدة أهمية بناء قوات بحرية يمنية قوية تعمل على حماية السواحل والموانئ والجزر، إذ لم يستوعب الجميع الدرس والعبر من التاريخ بأن اليمن دولة بحرية لا برية، والدليل الواضح أمامنا لحاجتنا الملحة لبناء قوة اليمن البحرية احتلال جزيرة حنيش عام 1995م وانتهاءً بتفجير المدمرة الأمريكية "كول" في ميناء عدن عام 2000م، فضلًا عن وجود أعمال القرصنة ضد السفن قبالة السواحل اليمنية، وهذا يتطلب الخروج عن المألوف والاستمرار في تكديس بناء القوات البرية، في حين أن البحر وما ترتبط به من مصالح جيوسياسية وحيوية لليمن لا يزال مكشوفًا إلى اليوم، لا نعلم من المستفيد من بقاء قوة اليمن البحرية مغيبة وغير موجودة لحفظ مصالح البلاد وحماية مقدراته، إلا أن الأمر الواضح أن حكومة صنعاء أدركت أهمية البحر وبنت عليه توجهاتها وقراءتها للأحداث والواقع السياسي، وكانت خياراتها سليمة وقراءتها ثاقبة في تقدير الموقف وبناء القرار السياسي المؤثر في الأحداث.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.