المرارة العابرة للحدود: قراءة في وجع النكسة من رصيف الغربة
الجزء الأول
مدخل: الوجع المقيم ومرارة الستين
11 يونيو 1967، هذا التاريخ، في عامه المقبل، يكون قد طوى ستين عاماً كاملة من مرارته. ستون عاماً والوجع جاثم في الذاكرة، حضوراً طاغياً يستعصي على المحو أو الطمس. كأنما الأحداث جرت بالأمس القريب، لا في قرن مضى. السبب في هذا الخلود المؤلم هو أنني عشت تلك الأيام بكل جوارحي الصبية في ربوع بلد كان، ولربما ما زال، ملاذاً آمناً للمهاجرين اليمنيين الذين فروا بوجعهم وطموحهم من بر الظلم والطغيان، باحثين عن الرزق والأمان منذ عهد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
لكن، ورغم وداعة هذا المستضيف تاريخياً، إلا أن الحقد المدفون جراء تقلبات السياسة، وجراء التوغل الصهيوني الخبيث في مفاصل النخبة الحاكمة هناك آنذاك – وعلى رأسهم الإمبراطور هيلا سيلاسي الكهنوتي الذي كان يتفاخر بجذور انتمائه الزائف إلى نسل سليمان عليه السلام – قد عمل بحقد دفين على إذكاء نيران الكراهية والغل ضد كل ما هو مسلم وعربي في تلك البلاد.

سأحاول في هذه التناول الإنساني والتاريخي أن أسرد حيثيات وتداعيات يوم النكسة المشؤوم. إن لتلك الهزيمة طعماً تفوق مرارته العلقم والصَّبِر، خاصة عندما تشهد سقوط أحلام أمتك بعيداً عن تراب الوطن، وفي بيئة بدت في عيون نخبها وجزء من مجتمعها كارهة، شامتة، ومتلذذة بغلّ واضح على خيبتنا كعرب. ولم يكن هناك من عرب في إثيوبيا يمثلون وجهاً لهذه الأمة ويحملون همّها سوى الجالية اليمنية، إلا ما ندر. للحدث حديث طويل، يمتد من الطفولة إلى ذروة الصدمة، ولا بد لي أن أطاله بكل تفاصيله وغصصه، فما زلت أستجر طعم تلك المرارة في حلقي وجسدي حتى هذا اليوم.
1. عتبات الصبا: شتات العائلة والتأجيل القدرّي
في عام 1966، أي قبل عام واحد بالضبط من يوم النكسة هذه، كانت أديس أبابا تشهد اجتماعاً عائلياً استثنائياً غيّر مجرى حياتي. قدم أخي محمد عبد الولي لزيارتنا. وكان الأخ الشقيق خالد هو الآخر قد صادف وجوده هناك حينئذ. أما أخي الثالث، عبده أحمد، فكان في اليمن في زيارة طال غيابه فيها، حيث كان يمثل الذراع المساعد والأساسي لنشاط الوالد التجاري. بينما كان خالد متفرغاً للدراسة بين مصر والعراق، إلا أنه تعثر في سنته الأخيرة هناك.
أما أنا، الصبي الممتلئ بالطموح وأحلام المستقبل، فقد أتممت حينها الصف الثامن في المدرسة الأولية الإعدادية، وهي المدرسة الخاصة التي أنشأتها بعض أعضاء الجالية لأبناء المهاجرين في حي "المركاتو" الشهير. في ذلك الصيف، حزم معظم زملائي حقائبهم وعادوا إلى أرض الوطن، وبقيت وحيداً، أترقب بفارغ الصبر لحاقي بهم لمواصلة دراستي في اليمن.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الصبي؛ فلأسباب اقتضتها الضرورة الأسرية والتجارية، طالت مدة زيارة أخي محمد لمساعدة الوالد في إعادة ترتيب أوضاعه وأوضاعنا جميعاً. وتمخض الرأي العائلي على قرار نزل عليّ كالصاعقة: أن أبقى – رغم حداثة سني – مع الوالد لمساعدته، وتأجيل رغبتي الجارفة في السفر إلى اليمن. قُضي بأن يُسمح لأخي خالد بالسفر إلى العراق لاستكمال الشهادة التوجيهية هناك، على أن يعمل محمد بعد عودته على إقناع عبده أحمد بالعودة من اليمن لإدارة الدكان، وحينها فقط أستطيع السفر لمواصلة تعليمي.
كان الوالد، برؤيته التقليدية الحريصة، يفضل بقائي معه بشكل دائم، ويرى أن ما تلقيته من علم في المركاتو كافٍ. وهو الأمر الذي رفضته بشدة وعناد صبي. وتدخل أخي محمد ليتولى بمسؤولية كاملة نفقات دراستي المستقبلية في اليمن بعد استكمال عام البقاء لمساعدة الوالد، حيث لم يكن الوالد مستعداً أو قادراً على تحمل تلك النفقات وقتها.
امتثلت للقرار، وبدأت نشاطي اليومي في الدكان. كنت في مرحلة حساسة جداً من العمر؛ فترة الانتقال العاصفة من الصبا إلى بدايات سنوات المراهقة. وهي فترة محملة بالاضطرابات النفسية والجسدية، تفاقمت معها مشاعـر الغربة والوحدة بعد سفر زملائي.
2. مرافئ الوعي: أثير القاهرة ومجلات المركاتو
تزامنت هذه التحولات الشخصية مع بدايات الثلث الأخير من عام 1966. وهو العام الذي كان يشهد حمى التحديات والتصعيد بين العدو الإسرائيلي ومصر العروبة، إلى جانب تداعيات حرب اليمن التي كانت مصر طرفاً أساسياً وثقيلاً فيها. هنا، في الشارع الإثيوبي الذي كان يكتظ بالحضور اليماني النابض، كان الجو مشحوناً بالترقب. ورغم أن عدداً قليلاً من المغتربين عادوا إلى الوطن منذ قيام ثورة سبتمبر بشكل جزئي، وقليل جداً عادوا نهائياً، إلا أن الجالية بقيت تعيش بوجدانها داخل الجغرافيا العربية. على مستواي الشخصي، شعرت باليتم الاجتماعي، فكل زملاء طفولتي تقريباً كانوا قد غادروا البلد وعادوا إلى أرض الوطن.
كانت أخبار التوترات القائمة على الساحة اليمينية، وحالات الشد والجذب التي اشتدت أكثر على جبهات دول الطوق العربي مع إسرائيل، تصلنا متواصلة صاخبة عبر المذياع. كنا نتحلق حول الراديو الخشبي الصغير لنستمع إلى "صوت العرب" من القاهرة، وهي الإذاعة الحاضرة في كل بيت ودكان، والبي بي سي اللندنية بالدرجة الثانية.
بجانب الأثير، كانت الصحافة المكتوبة تمثل زادنا القومي والفكري. كانت المجلات المصرية تصلنا بانتظام عجيب عبر مكتبة "بن سيليم الحضرمي" في الحي. مجلات "المصور"، "آخر ساعة"، و"روز اليوسف". ولم ينسَ الوالد نصيبنا نحن الصغار؛ فكان يحرص على اقتناء المجلات الثلاث الشهيرة للأطفال كل أسبوع دون انقطاع: "سمير"، "سندباد"، و"ميكي". بالإضافة إلى مجلتين شهريتين يقرأهما الوالد بعناية: مجلة "العربي" الكويتية برصانتها، ومجلة "منبر الإسلام".
كنا نتابع الأخبار بشغف وجنون يقترب من الهوس. وبحكم العلاقات السياسية المميزة التي كانت تربط الإمبراطور هيلا سيلاسي بالرئيس جمال عبد الناصر في تلك الحقبة، كانت التسهيلات لمرور هذه المجلات قائمة، فتصلنا دون انقطاع، وإن كان مقص الرقيب الإثيوبي يتدخل في بعض الأحيان ليحجب ما لا يعجب النظام الرجعي الذي تهيمن عليه الكنيسة.
ورغم أننا لم نكن من جيل النكبة (1948)، إلا أن مرارة ما جرى من ظلم شنيع على الشعب الفلسطيني كنا نستقي حيثياته وتفاصيله من خلال القصص المصورة التي كانت تسرد بشكل أسبوعي في مجلة "سمير" المصرية للأطفال. لقد غرس هذا الشحن العاطفي المبكر في وجداننا كصغار كرهاً دفيناً لكل شيء هو إسرائيلي، وبالضرورة كل ما هو يهودي في ذلك الوقت.
أتذكر بدقة كيف أن شخصية "بن غوريون" الكاريكاتيرية، بأنفه المعكوف ورأسه الأصلع المحاط بشعر كثيف يشبه جناح الدجاج فوق أدنيه، قد حُفرت في ذهني بقوة وبشاعة. وصلت بي المبالغة والخوف الصبياني إلى درجة جعلتني أفر ذعراً من أي شخص في الشارع يشابه تلك الصورة، حتى لو كان رجلاً مسلماً!
لقد نشأنا صغاراً في مهجرنا ونحن لصيقون تماماً بثقافتنا وتاريخنا المعاصر، كنا ندرك بوعي مبكر ما الذي يجري حولنا وما الذي يجب أن نكونه. ومهما كانت مرارة الأحداث محبطة، فقد كان الأمل والتفاؤل بالمستقبل العربي يملأ قلوبنا في تلك المراحل المبكرة من أعمارنا.
تفاعلنا بجنون مع الأخبار التي نتلقاها من مصدر واحد. مصدر لم نكن نخضعه للنقد العقلي أو الفحص، بل لإنفعالاتنا العاطفية وثقتنا العمياء في ماكينة الدعاية المصرية، وبالذات تلك النبرة الحماسية الهادرة التي كان يتولاها المذيع أحمد سعيد من إذاعة "صوت العرب". كنا نؤمن إيماناً مطلقاً بأن أي حرب قادمة سيكون مصير إسرائيل فيها الرمي في البحر. والأحاديث الأسطورية التي لم تكن تنقطع عن القائد العسكري، الفريق علي علي عامر، ومعرفته الخارقة بالخارطة المكانية للكيان الصهيوني، خلقت في أعماقنا هالة من الاعتزاز والفخر، حوّلتنا إلى كائنات تعيش في برج عاجي من الوهم.
3. الخلفيات والأسباب غير المباشرة لإعصار يونيو
قبل أن نسرد تفاصيل الأيام الستة العاصفة، لا بد من قراءة المشهد التاريخي الذي سبقه عسكرياً وسياسياً، وهو المشهد الذي كنا نتابعه في المهجر باعتزاز شارف حدود الغطرسة والتعالي:
تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (1964): شكل هذا التأسيس انطلاقة جديدة للعمل المسلح، وزيادة العمليات الفدائية ضد العمق الإسرائيلي من الحدود السورية والأردنية، مما رفع وتيرة التحدي.
حرب المياه (نزاع تصريف نهر الأردن): محاولة الدول العربية تحويل مجرى روافد نهر الأردن لمنع إسرائيل من استغلال مياهه، مما أدى إلى اشتباكات عسكرية وجوية محدودة بين إسرائيل وسوريا.
التحالفات العسكرية: توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وسوريا في نوفمبر 1966، والتي انضم إليها الأردن لاحقاً في مايو 1967، مما أعطى الشارع انطباعاً بأن الحصار العربي قد اكتمل.
الاشتباكات الحدودية المتصاعدة: تصاعدت الاشتباكات على الحدود السورية الإسرائيلية، وبلغت ذروتها في معركة جوية طاحنة في أبريل 1967 أدت إلى إسقاط طائرات سورية.
كنا نتابع كل تلك النذر باعتزاز أعمى. نتباهى بها أمام السكان المحليين وأمام الجاليات الأجنبية المقيمة في أديس أبابا. وحين كانت آلة الدعاية المصرية تبث أخبار تجارب صواريخ "القاهر" و"الظافر" بنجاحها المزعوم، خيّل إلينا – نحن صبية الميركاتو – أننا أمة خالدة لا تُقهر بكل المقاييس، وأن هذا الزمن هو الزمن العربي بجدارة ولا شريك لنا فيه.
4. المراهقة المندفعة وحكاية التاجر "يعقوب"
في هذه الأجواء المشحونة بالزهو، ظهر في حيّنا شخصية جديدة: "يعقوب"، وهو تاجر يهودي من أصول يمنية. كان يعقوب قد انتقل قريباً إلى حي الميركاتو هارباً مع عائلات أخرى من عدن، إبان اشتداد العمليات الفتالية والكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني. كان متجره يقع على شارع فرعي يتفرع من الشارع الرئيسي الذي يقع فيه متجر والدي.
كنت أتردد بصورة شبه يومية عليه، مدفوعاً بفضول صبي وعقلية مراهق مندفع بالحماس القومي والخطابات الملتهبة. كنت أقف في دكانه وأصارحه، بلا وعي أو دبلوماسية: "إن نهايتكم قد قربت.. لا مكان لكم سوى البحر، لتعودوا من حيث أتيتم".
أتذكر وجهه جيداً؛ لم يكن ينفعل أبداً، ولم يبدِ أية ردة فعل غاضبة أو عدائية. بل كان، على العكس، يبادل اندفاعي الطفولي بابتسامات هادئة، ابتسامات كنت أدرك لاحقاً أنها كانت تبطن سخرية مريرة وعميقة، تتضح في تفاصيل ملامح وجهه المستكين. كان يعقوب يرى ما لا نراه نحن المخدرين بأناشيد أحمد سعيد.
مع بداية أبريل 1967، عاد أخي عبده أحمد من اليمن بحسب الترتيبات السابقة، لتتهيأ أخيراً فرصة عودتي ومواصلة دراستي. لكن الأقدار كانت تطبخ للمنطقة بأسرها مصيراً آخر. كانت الأخبار الواردة من جبهات التوتر تتسارع بشكل جنوني، وبذات مع قدوم شهر مايو، جراء الخطوات التصعيدية المتبادلة التي هيأت الأسباب المباشرة للأزمة العظمى:
المعلومات الاستخباراتية السوفيتية: أبلغ الاتحاد السوفيتي مصر بأن إسرائيل تحشد قواتها على الحدود السورية لشن هجوم خاطف (وهي المعلومات التي تبين لاحقاً أنها لم تكن دقيقة).
إعلان حالة الطوارئ في مصر: قام الرئيس جمال عبد الناصر بنشر القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء في استعراض قوى مهيب.
سحب قوات الطوارئ الدولية (UNEF): طلبت مصر من الأمين العام للأمم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية المتمركزة في سيناء منذ حرب 1956، وتم تلبية الطلب فوراً.
إغلاق مضيق تيران (22 مايو): أعلنت مصر إغلاق المضيق في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته إسرائيل سبباً مباشراً للحرب وحصاراً بحرياً لميناء إيلات.
5. الأيام الستة: من نشوة الأوهام إلى ليل البكاء الشامل
عندما انطلقت الرصاصة الأولى صباح الخامس من يونيو، انحبست أنفاسنا في المهجر. انحصرت متابعتنا على ما ينقله "صوت العرب". كنا نود أن نسمع ما نحب ونشتهي فقط. فالنفس أنست وقتئذ لما تهواه من وعود النصر الآتية من مصر، مصر عبد الناصر، التي استقر عشقها في سويداء قلوبنا حتى أصبح من المستحيل علينا أن نستوعب أو نصدق غيرها.
إن الحديث عن تلك الساعات والأيام الستة يمس واحدة من أعمق غصات التاريخ العربي المعاصر؛ حيث لم تكن الهزيمة عسكرية في الميدان فحسب، بل كانت انكساراً نفسياً مروعاً ومدمراً. والسبب هو الفجوة الهائلة، والمخيفة، بين "الواقع البديل" والوهمي الذي رسمه لنا الإعلام، وبين الحقائق المُرّة والعارية على الأرض. لقد عاش المواطن العربي من المحيط إلى الخليج – وعشنا معه نحن أبناء الجالية في أديس أبابا – تلك الأيام الستة في حالة من "الانفصام الإجباري" الحاد، بين نشوة النصر الأسطوري ووهم القيادة، وبين قسوة السقوط المفاجئ إلى الهاوية.
وإليكم كيف عشنا تلك المأساة عبر أثير الإذاعة الحماسية:
المرحلة الأولى (5 - 7 يونيو): زمن البيانات الخيالية
تحول صوت أحمد سعيد إلى الأداة القيادية الأولى لتوجيه مشاعرنا. اعتمدت الإذاعة على بيانات عسكرية أولية حملت أرقاماً خيالية لإسقاط الطائرات الإسرائيلية. كنت أجلس، والوالد والجميع، مشدوهين أمام جهاز الراديو، ونحن نسمع عن إسقاط 20، ثم 50، ثم أكثر من 80 طائرة للعدو في الساعات الأولى!
كانت الأناشيد الوطنية الهادرة مثل "أصبح عندي الآن بندقية" و"وطني الأكبر" تصدح بين البيانات لتشحن مشاعرنا، والخطابات تعد بالجبهة الموحدة. سادت الشارع العربي، وشارعنا في الميركاتو، حالة من الابتهاج العارم. خرج الناس يهنئون بعضهم، ويوزعون الحلوى، ويرسمون خارطة جديدة للمنطقة. نمنا واستيقظنا على تلك الأصوات الفخورة، معتقدين أن جيوشنا باتت على مشارف تل أبيب.
المرحلة الثانية (7 - 8 يونيو): تسلل السّم
بينما كانت "صوت العرب" تستمر في بث الحماس، بدأنا بين الحين والآخر نلتقط الإذاعة البريطانية (BBC). وبالرغم من أننا كنا مبرمجين ومغسولي الأدمغة بأن لا نقبل حديثاً يعلو فوق صوت القاهرة، إلا أن شقوقاً مخيفة بدأت تظهر في جدار الوهم الذي خُدرنا به.
بدأ بعض المثقفين والمغتربين ممن يمتلكون أجهزة راديو قوية بالاستماع سراً للإذاعات الأجنبية، وكانت هذه الإذاعات تتحدث بصدمة عن تدمير كامل لسلاح الجو المصري وهو جاثم على الأرض، وعن تقدم إسرائيلي مرعب في سيناء والقدس والضفة.
بدأ الشك يتسرب كالسم البطئ في النفوس. عشنا حيرة قاتلة وممزقة: هل نصدق صوت وطننا وأمتنا الذي يبث الأمل، أم نصدق الإذاعات "المعادية" التي تنقل أخباراً تفوق قدرتنا على الاحتمال؟ كانت العاطفة والأمل يدفعان الأغلبية منا لتكذيب الأخبار الأجنبية واعتبارها مجرد حرب نفسية قذرة.
المرحلة الثالثة (9 يونيو): لحظة الحقيقة العارية
جاءت اللحظة التي انهار فيها كل شيء دفعة واحدة. لم تكن الصدمة تدريجية، بل نزلت كالصاعقة التي تضرب الرأس. في مساء 9 يونيو، أطل الرئيس جمال عبد الناصر عبر شاشات التلفزيون وأثير الإذاعات ليلقي خطاب التنحي الشهير. بدلاً من إعلان زحف النصر، استمعنا بذهول ووعكة في الكلمات وهو يقول بنبرة منكسرة: "إننا واجهنا نكسة خطيرة".
في تلك اللحظة الرهيبة، خرست تماماً النبرة الحماسية لأحمد سعيد. صمتت البروباجندا، وأدركنا فجأة، وبأقسى وأبشع طريقة ممكنة، حجم الخديعة. الطائرات التي قيل لنا إنها أُسقطت كانت طائراتنا نحن، دُمرت وهي جاثمة في مدارجها، وسيناء سقطت، والقدس والضفة والجولان أصبحت تحت الاحتلال البغيض.
كان ذلك المساء بحق هو "ليل البكاء العربي الشامل". ساد صمت رهيب ومقيت في البيوت والدكاكين والمقاهي في الميركاتو. وخرجت الملايين في عواصم العرب في حالة ذهول وهستيريا، مصدومة من حجم التضليل الذي عاشته لستة أيام كاملة.
6. ما بعد العاصفة: انكسار الصبي وحكمة التاجر يعقوب
انتهت الحرب عسكرياً في 10 يونيو. سكتت المدافع، ولكن حرباً أخرى ضروساً بدأت تعتمل في وعي الإنسان العربي وفي وجداني أنا الصبي المغترب. انهار نظام الموثوقية الشمولية، وأدركنا أن غياب الشفافية والاعتماد على الشعارات الجوفاء كانا سبباً في تعميق مأساتنا. وتحول اسم "أحمد سعيد" في ذاكرتنا الشعبية من رمز للحماس القومي إلى رمز لـ "بيع الوهم الإعلامي المبتذل". استيقظنا على واقع مرير، واستبدلنا نشوة النصر بمرارة الانكسار وبدء التفكير الجاد في السؤال الوجودي: "كيف حدث هذا؟".
على المستوي الشخصي، نالت الهزيمة من كبريائي الصبي تدميراً كاملاً. أنا الذي كنت أتنطط زهواً وفخراً أمام الجميع قبل الحرب وخلال أيامها الأولى، لم أعد قادراً على أن أرفع رأسي، تجمد كل شيء أمامي، واكتساني خجل ثقيل وغربة مضاعفة.
وفي أحد الأيام التي تلت الهزيمة، وأنا أمرّ مطأطأ الرأس، مكسور الوجدان، على الجانب المعاكس للرصيف حيث يقع دكان التاجر اليهودي "يعقوب"، لمحني وأنا في تلك الحالة من الذل والانكسار. لم يضحك، ولم يشمت علانية. خرج إلى باب دكانه، وناداني بنبرة هادئة:
"يا بن الفقي.. تعال، نحن ما زلنا أصحاب".
لم يكن في داخلي في تلك اللحظة أية ضغينة أو حقد نحوه، فقد كان الرجل صابراً وودوداً طوال أيام الحرب ولم يظهر سوءاً. دنوت منه بخطوات مثقلة بالخيبة بعد أن تجاوزت الطريق. نظر إليّ، وبدأ يتحدث ببعض التهكم الذكي المحمل بنبرته اليهودية المعهودة قائلاً:
"حصل خير.. بس الآن، بواخر تمر.. واحد لكم وواحد لنا".
لم أرد عليه بكلمة واحدة. فلم يكن لدي ما أقوله. كان له الحق الكامل في أن يقول ما يشاء، طالما أن حال أمتنا قد آلت إلى ما نحن فيه من ضياع وانكسار، وطالما أننا استيقظنا فجأة لنكتشف.. أننا كنا والوهم أصحاباً!
للحديث بقية ....
