أزمات الخدمات في الجنوب... اللغز السعودي العصيُّ على الفهم
الاحتجاجات الشعبية الجارية حاليًا في المكلا وسيئون وعدد من مناطق حضرموت، ضدًا على تردي اوضاع الكهرباء والخدمات الأخرى هناك، ينسف الاعتقاد بأن أزمة الكهرباء في عدن مرتبطة بشكل كبير بمنع وصول الوقود من حضرموت؛ فهذه الأخيرة يبدو أنها ليست أفضل حالًا من عدن، وهي المحافظة النفطية المتهم محافظها بأنه يستأثر بنفطها ويحجبه عن المحافظات الأخرى. كما أن تلك الاحتجاجات في حضرموت، والتي تبدو نسخة طبق الأصل لذات الاحتجاجات، ولنفس معاناة عدن، تجبرنا على إعادة النظر والتحلل من نظرية المؤامرة باعتقادنا أن عدن مستهدفة من محافظ حضرموت ومن السعودية؛ فالسلطات المحلية ممثلة بمحافظي المحافظتين: عدن وحضرموت، مواليان تمامًا للسعودية؛ وبالتالي يكون من الصعب القول بأن السعودية تريد إفشال نفسها وإفشال السلطات المسنودة منها.
من المؤكد أن السعودية تعاني من مشكلة حقيقية وورطة غير مفهومة أبدًا، وتبعث على الغرابة، وهي تتعثر بتوفير الخدمات، وتتثاقل بعدم الضغط على السلطات الحكومية بتوفيرها؛ ولديها -أي المملكة- كل الوسائل والطاقات الهائلة لإحداث فارق حقيقي بالوضع القائم.
فلماذا لا تسعى لتوفير ولو الحد الأدنى من الخدمات، وهي قادرة عليها وزيادة؟ فهي الدولة النفطية العظمى والثرية بالشرق الأوسط وبالعالم، شيء محيّر بالفعل.
فاستمرار تدهور الأوضاع الخدمية يُقيد ضمن رصيد فشلها. وليس له أي مبرر ولا تفسير منطقي أبدًا، على الأقل حتى الآن. فهل دولة محورية وكبيرة مثل المملكة بهذا الغباء؟ أكيد لا؛ ولكن يظل تفسير صمتها أمام ما يجري وهي ترى فشلها وسمعتها قد صارتا على المحك، غير مفهوم.
... وبالمناسبة، السعودية قدمت وتقدم الكثير من الدعومات المالية والعينية، ولكنها تذهب عن قصد إلى غير مصباتها الصحيحة.
فالمملكة لاتزال منذ ستينيات القرن الماضي، وبالذات في الشمال، تضخ أموالًا طائلة، ولكنها تتبِع ذات الآلية الرتيبة القديمة الجديدة بتوزيع ذلك الدعم؛ أي أنها قدّمت وتقدم مليارات من الدعم المالي والعيني، ولكن لا يذهب الجزء الأعظم منه للتنمية ولانتشال الوضع الاقتصادي ومشاريع تنموية حقيقية ملموسة؛ بل تذهب إلى جيوب وحسابات جهات وشخصيات قبلية ودينية وعسكرية وسياسية، بصفتها الخاصة لا الرسمية. والغرض مؤكد أنه لكسب ولاءات واستمالة مواقف سواء عبر مسرب اللجنة الخاصة أو غيره.
السعودية ترى أنها ليست معنية بالقيام بإيجاد تنمية ونهضة اقتصادية في أي بلد تساعده، ولو كان هذا البلد بأهمية وخطورة اليمن الجار... فهي ربما ترى في هكذا نهضة باليمن خطرًا وكابوسًا في حال إن نهض اليمن وصار قوة اقتصادية وعسكرية على تخوم المملكة الجنوبية؛ والتجربة العراقية المريرة على جبهتها الشمالية لاتزال عالقة بالذهن السعودي؛ وتخشى بالتالي من تكراره في اليمن، سواء كان هذا اليمن واحدًا أو يمنٓين. والله أعلم.
