سيد عبدالمغني!!
المكان ليس جغرافيا فقط،
بل هو الإنسان يصوغ فيه ما يُضاف إلى التاريخ، حتى وإن كان تاريخًا شخصيًا…
المكان شارع،
والشارع في ذاكرة الإنسان.
لم ينفصلا، ولم يحدث عند أيٍّ منهما انفصام.
علي عبدالمغني أول الثوار،
وعلي عبدالمغني، في قلب صنعاء، أول الشوارع الذي منه مرّ الثوار واليمنيون من أول النهار، والنهار أوله يوم أن شقّت مصر الشارع، بعد أن كان طريقًا بجانب السور الذي احتوى صنعاء في أعماقه…
شارع علي عبدالمغني شاهد على كل شيء، وسيأتي وقت يقول التاريخ سيرته وسيرة من مروا منه..
وهناك فيه كان أشخاص كعلامات لم تُمحَ من الذاكرة.
"السيد"، هذا هو اسمه المعروف منذ لحظة أن مرّت أقدامنا على رصيف الجهة اليمنى من شارع علي عبدالمغني…
قلت:
يا شوقي، أرسل صورة السيد.
فلم يتردد، أرسل صورًا، وأرفقها بوصف السيد بـ"الوفي"..

محمد عبدالحليم، صاحب البطاريات الجافة، من عدن إلى صنعاء، من عدن يوم كانت عدن، وفي صنعاء يوم أن كان الشارع يملأ الروح والوجدان، واليمن فيه ذاهبة آيبة، ترتاح قليلًا في منتزه التحرير وشاهي العليمي، لتعاود الانطلاق إلى فندق الزهرة، حيث تدور النقاشات يوم أن كان للناس حلم…
بطاريات "National" الجافة، الكل يبحث عنها، فيجدها عند محمد عبدالحليم، تستقبله ابتسامة السيد، التي كانت أحد عناوين الشارع الذي عمّ البلاد كلها، من صعدتها إلى مهرتها…
كان شوقي محمد عبدالحليم يدير، وكان السيد الوجه الذي يستقبل الناس، حتى قرر شوقي ذات لحظة أن يغلق. "لم يعد السوق والتجارة" بنبل أيام زمان، يمكنك أن تذهب إلى الصين، وتعود ببضاعة مقلدة، وتبيع للناس الذين لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا فبالمقلوب!

قرر، احترامًا للنفس ولقيم كانت تسود عالم التجارة، أولها كلمة شرف، "أن يغلق"، فهجر الشارع، وغاب السيد، وخسرنا نحن، كما خسرنا الفصول الأربعة، والشرق الأوسط، ودار القلم، والعدني لحميد هواش، وحتى مدرسة عبدالناصر سُحقت في لحظة قرار أهوج!!! كجزء من تصفية الحساب.
صار الشارع غريبًا، ونحن تهنا، أو كما قال المساح ذات نهار: "يا ابن عمي، صنعاء تكبر، والمساح ابن… يزغُر". …وأنا صرت في بيت بوس، والسيد لا تدري أين ابتلعه هذا البحر.. وشوقي لا يزال بأخلاقياته العالية، والعم محمد عبدالحليم ووري الثرى في المدينة التي أحبها، ولم تتركه "تعز".



