الأحد 2 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • في رحاب ديوان السعادة.. كلمةٌ في الفن والمحبة والذاكرة الجميلة

في رحاب ديوان السعادة.. كلمةٌ في الفن والمحبة والذاكرة الجميلة

بين طيات الحياة، ثمّة أماكن قليلة تسبقها الروح قبل الجسد، وتُبحر فيها المشاعر قبل الخطى. ومن بين هذه الأماكن النادرة، يقف "ديوان السعادة" شامخاً، اسمٌ على مسمّى، وملاذٌ للقلوب المتعبة والأفئدة الظمأى إلى الجمال والسلام.

في هذا الديوان، يُشرق الأستاذ محمد قائد سيف، رجلٌ من طينة الزمن الجميل، تفيض محياه البشاشة، وتتوسّد أخلاقه الوداعة. يستقبلك بابتسامةٍ تسبق الكلام، وتحتضنك بمراسيم المحبة الخالصة، فتغدو بطاقة الدخول إلى هذا المكان هي القلب النقي، والروح التي تشتهي السلام، لا غير.

محمد عبدالله قائد
محمد قائد

وهناك، في رحاب الديوان، تتماوج المشاعر على إيقاعات الدان والمرجح والوسطى والسارع، من حضرموت إلى صنعاء، إلى تعز وعدن ولحج وكل مناطق اليمن، بأصوات الملالاة ونغمات الطار والإنشاد الروحي التي تمد روحك بنغماتٍ تُعيد ترتيب وجودك، فتحلّق في فضاءات المكان وكأنك وحدك تملك الوجود بما حوى، متشبعاً بالبهجة، محاطاً بأرواحٍ لا تعرف من الحياة إلا الفن الخالص والجمال الأثير.

وقد كانت لي سعادةٌ مضاعفة؛ إذ كان لي في صنعاء منتدى صوفيّ فكريّ فنّي ثقافي استمرّ أكثر من عشر سنوات بلا انقطاع، حتى شاء الله أن ينتقل موقع عملي إلى مدينة أخرى. وحين عرفت من صديقي الحبيب الأستاذ محمد قائد في القاهرة أن له ديواناً في صنعاء يحمل الهدف نفسه، ويضمّ كثيراً من الإخوة والأصدقاء الذين كانوا من رواد ديواني السابق، ازددت فرحاً، وتشرفت بزيارته مراراً كلما تواجدت في صنعاء، فألفيته وفياً لتلك الروح ذاتها، حافظاً للعهد الجميل.

يميناً محمد عبدالله قائد، الفنان رشدي العريقي، الفنان اسامه المقدم وعازفي الإيقاع
يميناً محمد عبدالله قائد، الفنان رشدي العريقي، الفنان اسامه المقدم وعازفي الإيقاع

في ديوان السعادة، تدرك يقيناً أن الفن والموسيقى ليسا ترفاً ولا كمالاً، بل هما رحلة الخلود، ومرتكزات جلجامش في مقاومة الفناء. تدرك أنهما وحدهما القادران على هزيمة الزمن، وأنهما رسالةٌ أزلية لا تعرف السقوط.

فالعباسيون مضوا، لكن أصوات إبراهيم الموصلي وزرياب مازالت ترنّ في الآذان. وسقطت الأندلس من على الخريطة، لكن موشحاتها مازالت تغنّي في القلوب. وتلاشت دويلات اليمن وسلطناتها، لكن أشعار ابن فُليته الحكمي والمزاح الموزعي والقمندان والفضول والمحضار مازالت تُذكّرنا بأن الجمال لا يموت، كما قال أخونا الدكتور علي البريهي في مقالته الأنيقة عن هذا الديوان.

ولم يكن ديوان السعادة مجرد مجلسٍ للقاءات، بل صار مساحةً لترميم الروح . إنه مكان يعيد للإنسان شيئاً من سلامه الداخلي، ويوقظ فيه ذائقته الجمالية التي كادت تطمسها قسوة الحياة. إنه تذكيرٌ بأن الحياة تستحق أن تُعاش بفرح، رغم كل شيء، وأن أجمل ما نحلم به هو أن تتحول مجالس اليمانيين إلى دواوين للسعادة والاخاء؛ تنبض بالفن والأدب، وتزرع الألفة والمحبة.

كلمة تقدير ووفاء:

ولأن الجمال يليق بالجميلين، والجميلون لا يُنسون، أتوجّه بخالص التحية والتقدير إلى أخي وصديقي العزيز الدكتور علي البريهي، ذلك الأكاديمي اليمني الرائع الذي بشغفه الكبير بالفن والأدب، وبحروفه الموشاة بالصدق، أراد أن يضيء بهذه اللفتة الكريمة على مكانة الأستاذ محمد عبدالله قائد سيف، ذلك الإنسان الذي جعل من ديوانه واحةً للجمال والمحبة.

فشكراً لك يا دكتور علي على هذه الروح النبيلة، وشكراً للأستاذ محمد عبدالله قائد سيف على هذا الملاذ الجميل، وشكراً لكل من يؤمن أن الفن رسالة، وأن السعادة حق.