ما سر تفوق الأندية الحضرمية على نظيراتها في اليمن؟

فرضت الأندية الحضرمية حضورها بقوة في منافسات الدوري اليمني لكرة القدم هذا الموسم، بعدما تصدرت مؤشرات الأداء والنتائج خلال الجولات الأولى، ما أعاد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل نجاح: ما الذي يجعل أندية حضرموت أكثر قدرة على المنافسة مقارنة بنظيراتها في بقية المحافظات؟
فمع ختام الجولة الرابعة من دوري الدرجة الأولى، أظهرت إحصائيات الاتحاد اليمني لكرة القدم تفوقاً واضحاً للأندية الحضرمية. فقد تصدر نادي المكلا الترتيب العام، محافظاً على شباكه نظيفة دون استقبال أي هدف، فيما جاء شعب حضرموت في المركز الثاني برصيد 12 نقطة، وهو الأعلى من حيث عدد النقاط المحققة، بينما حل تضامن حضرموت في المركز الرابع.
كما كانت مؤشرات الجولة الثالثة قد منحت نادي المكلا لقب الأقوى هجوماً، في حين تصدر شعب حضرموت قائمة أفضل الفرق دفاعياً، إلى جانب تصدر الناديين قائمة الأكثر تحقيقاً للانتصارات.
ولا يقتصر التميز الحضرمي على المستطيل الأخضر، بل يمتد إلى المدرجات التي تحولت إلى جزء من المشهد الرياضي. فالإيقاعات الشعبية الحضرمية وأهازيج الشرح والدان والعروض الجماهيرية التي تقدمها روابط المشجعين باتت تضفي طابعاً خاصاً على المباريات.
ويستعيد الصحفي أسامة عادل تجربة حضوره إحدى مباريات الدوري في ملعب بارادم بمدينة المكلا، قائلاً لـ«النداء»: "كنت أسمع كثيراً عن الألتراس الحضرمي، لكن ما شاهدته على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً؛ المدرجات ممتلئة، والجماهير تتابع المباراة حتى من فوق أسطح المباني المحيطة بالملعب، فيما تصدح الأغاني والشعارات والعروض الجماهيرية طوال اللقاء".
استقرار إداري
يرى الكابتن محمد إبراهيم عياش، مدرب نادي الهلال الحديدة، أن تفوق الأندية الحضرمية ليس وليد الصدفة، بل نتيجة عمل تراكمي بدأ منذ سنوات عبر الاهتمام بقطاع الناشئين والأشبال.
ويقول لـ«النداء» إن العديد من الأندية الحضرمية استثمرت في إنشاء مراكز تدريب متخصصة للفئات العمرية المختلفة، وعملت على تطوير ملاعبها ومنشآتها الرياضية، ما أسهم في رفد الفرق الأولى بمواهب جاهزة للمنافسة.

من جانبه، يشير المحلل الرياضي منصور الدبعي إلى أن أندية حضرموت لم تعد تشارك في الدوري باعتبارها "كمالة عدد"، بل أصبحت منافساً حقيقياً على الألقاب.
ويضيف: "قبل سنوات كان شعب حضرموت الممثل الوحيد تقريباً للمحافظة في دوري الأضواء، وكانت هناك مواسم اقترب فيها من الهبوط. اليوم تمتلك حضرموت خمسة أندية في الدرجة الأولى، وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة عمل إداري وفني منظم".
ويعتقد الدبعي أن أحد أبرز أسباب النجاح يتمثل في استمرار النشاط الرياضي على مدار العام، خلافاً لكثير من الأندية اليمنية التي تتوقف أغلب أنشطتها لفترات طويلة، ثم تعود للاستعداد قبل انطلاق المسابقات بفترة قصيرة.

أما لاعب المنتخب الوطني السابق محمد بقشان فيربط التفوق الحضرمي بحالة الاستقرار الإداري داخل الأندية، موضحاً أن غياب الصراعات والخلافات الداخلية ساعد الإدارات على التركيز في تطوير الفرق واللاعبين.
ويقول لـ«النداء»: "الاستقرار الإداري منح رجال الأعمال الثقة في هذه الأندية، فزاد حجم الدعم المالي والمجتمعي لها، وهو ما انعكس على جودة العمل الرياضي ومستوى الفرق".
جماهير تصنع الفارق
تضم محافظة حضرموت، وفق إحصائيات الاتحاد اليمني لكرة القدم، 46 نادياً رياضياً موزعة بين مناطق الساحل والوادي والصحراء.
وتبرز في الساحل أندية شعب حضرموت والمكلا والتضامن والشحر وغيل باوزير وسمعون وأهلي الغيل والديس الشرقية، فيما تضم مناطق الوادي والصحراء أندية سيئون وشبام وتريم وسلام الغرفة واتحاد سيئون وشباب القطن، إلى جانب عدد من الأندية الأخرى ذات الحضور المحلي.

وتشكل بطولة كأس حضرموت، التي تقام سنوياً بمشاركة معظم أندية المحافظة، أحد أهم عوامل التطور الرياضي، إذ توفر منافسة مستمرة تسهم في الحفاظ على جاهزية الفرق طوال العام، بحسب محمد بقشان.
كما يلعب الجمهور دوراً محورياً في هذا النجاح. فبحسب محمد باسليم، عضو رابطة مشجعي شعب حضرموت، لا يقتصر دعم الجماهير على الحضور والتشجيع فقط، بل يمتد إلى المساهمة المالية المباشرة عبر الاشتراكات والتبرعات.
ويقول: "كثير من الجماهير الحضرمية تعتبر أنديتها جزءاً من هويتها الاجتماعية، لذلك تحرص على دعمها مادياً ومعنوياً بصورة مستمرة".
نتائج تعكس حجم العمل
وتُظهر حصيلة الإنجازات الرياضية للأندية الحضرمية حجم التطور الذي حققته خلال العقود الماضية. ويعد شعب حضرموت من أكثر الأندية اليمنية تتويجاً، بعدما أحرز تسعة ألقاب رسمية، بينها كأس رئيس الجمهورية عامي 2000 و2006، وكأس الكؤوس في أعوام 1988 و1991 و1999 و2004، إضافة إلى لقبي كأس السوبر اليمني عامي 1995 و2013، فضلاً عن تتويجه بلقب الدوري التنشيطي عام 2020.

ويرى المحلل منصور الدبعي أن هذه النجاحات ترتبط بوجود رؤية إدارية واضحة تعتمد على التخطيط طويل المدى، وإدارة الموارد البشرية والفنية بصورة احترافية، فضلاً عن قدرة الأندية على الحفاظ على نجومها وعدم التفريط بهم بسهولة.
ويخلص الدبعي إلى أن تجربة الأندية الحضرمية تقدم نموذجاً مختلفاً في الرياضة اليمنية، يقوم على الاستقرار المؤسسي، والعمل المتواصل، والاستثمار في الفئات العمرية، والشراكة مع المجتمع المحلي، وهي عوامل أسهمت في تحويل أندية المحافظة من فرق مشاركة إلى منافس دائم على البطولات.
