بين أمواج البحر الأحمر وخطوط النار: كيف تحوّل اليمن إلى «مصيدة موت» للمهاجرين الأفارقة في 2026

مقدمة
بينما تتصدر الهجمات في البحر الأحمر والتصعيد العسكري في اليمن عناوين الأخبار، تتشكل بصمت مأساة أخرى لا تقل خطورة، لكنها تكاد تغيب عن الاهتمام الدولي
فعلى امتداد الممر البحري نفسه الذي تتنافس عليه القوى الإقليمية والدولية، يواصل عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة عبور البحر في قوارب متهالكة، ليجدوا أنفسهم في قلب حرب مفتوحة، وشبكات تهريب عابرة للحدود، وأزمة إنسانية تتفاقم عاماً بعد عام.
لم يعد باب المندب مجرد شريان للتجارة العالمية، بل تحول أيضاً إلى أحد أكثر الممرات هشاشة أمنياً، حيث تتقاطع المصالح العسكرية مع نشاط شبكات الاتجار بالبشر، بينما تتزايد التحذيرات من إمكانية استغلال بعض مسارات الهجرة غير النظامية من قبل عناصر إجرامية أو متطرفة، مستفيدة من ضعف الرقابة على أجزاء من السواحل اليمنية والقرن الأفريقي.
ورغم هذه المخاوف، يبقى الواقع الأساسي ثابتاً: الغالبية الساحقة من المهاجرين هم مدنيون فروا من الفقر، والنزاعات، والجفاف، والكوارث المناخية، بحثاً عن فرصة للحياة، لكنهم غالباً ما ينتهون ضحايا لعالم آخر من العنف والاستغلال.
أرقام قياسية… وأزمة تتسع
تكشف بيانات النصف الأول من عام 2026، الصادرة عن مركز الهجرة المختلطة (MMC)، والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وشبكات تتبع النزوح الإقليمية، عن وصول أكثر من 97 ألف مهاجر إلى السواحل اليمنية، وهو أحد أعلى المعدلات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
يعبر نحو 80% منهم عبر جيبوتي إلى سواحل لحج وتعز، بينما يسلك نحو 20% طريق بوصاصو الصومالية باتجاه شبوة وأبين.

لكن الأرقام تخفي مؤشراً أكثر خطورة؛ إذ تشكل النساء نحو 16% من إجمالي المهاجرين، بينما تمثل نسبة الأطفال رقماً مماثلاً، ويعبر كثير منهم دون مرافقة ذويهم، ما يجعلهم أكثر عرضة للاتجار بالبشر والاستغلال والعنف.
من رحلة هجرة… إلى اقتصاد للجريمة المنظمة
لم تعد شبكات التهريب مجرد وسطاء ينقلون الأشخاص مقابل المال.
فبحسب المسوح الميدانية لمركز الهجرة المختلطة، أفاد 83% من المهاجرين بأن المهربين كانوا المسؤولين المباشرين عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.

وباتت هذه الشبكات جزءاً من منظومة إجرامية عابرة للحدود، تمتد من دول المنشأ مروراً بدول العبور وصولاً إلى أماكن الاحتجاز داخل اليمن، حيث تتخصص في الابتزاز والاتجار بالبشر وطلب الفدية.
وتتوافق هذه النتائج مع تقارير دولية وثقت وجود مراكز احتجاز غير قانونية يتعرض فيها المهاجرون للضرب، والصعق بالكهرباء، والكي بالنار، وإطلاق النار على الأطراف، إضافة إلى إجبارهم على الاتصال بعائلاتهم أثناء التعذيب لإرغامها على دفع آلاف الدولارات مقابل الإفراج عنهم.
شهادة من داخل أحد السجون السرية
يروي يحيى (اسم مستعار)، وهو شاب إثيوبي يبلغ من العمر 24 عاماً، أنه أمضى عشرين يوماً داخل سجن غير رسمي في جنوب اليمن، يصفه المهاجرون بأنه من أكثر أماكن الاحتجاز عنفاً.
ولا تزال آثار التعذيب واضحة على جسده.

“يأتي الحراس لأخذ المحتجزين، ويقتادونهم إلى غرفة تعذيب، ويضربونهم بخراطيم المياه. كما يربطون قدميهم وساقيهم بأسلاك حديدية، ثم يشعلون النار في أطراف السلك حتى تصل الحرارة إلى مستوى شواء الجلد. كانوا يتحدثون بالعربية، ويبصقون علينا، ويشتموننا ويهددوننا. وأحياناً كانوا يمارسون العنف داخل الزنزانة أمام الجميع.”
اليمن… من محطة عبور إلى سجن مفتوح
مع تشديد الإجراءات على الحدود اليمنية السعودية واستمرار العمليات العسكرية في البحر الأحمر، تغيرت طبيعة الهجرة.
لم يعد اليمن محطة عبور قصيرة، بل أصبح مكان احتجاز طويل الأمد لعشرات الآلاف من المهاجرين.
وتقدر خطة الاستجابة الإقليمية للهجرة لعام 2026 وجود ما لا يقل عن 132 ألف مهاجر عالقين داخل اليمن، يتركز معظمهم في صعدة، وحجة، ومأرب، وعدن.

ويعيش هؤلاء في ظروف إنسانية قاسية، مع نقص الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، وغياب الحماية القانونية، الأمر الذي يزيد من مخاطر العمل القسري والاستغلال والاتجار بالبشر، وحتى التجنيد من قبل أطراف الصراع.
كما أدى التصعيد في البحر الأحمر إلى ارتفاع تكلفة التهريب، ودفع المهربين لاستخدام قوارب أصغر وأكثر خطورة، وتغيير نقاط الإنزال باستمرار، ما زاد من احتمالات الغرق وصعّب وصول فرق الإنقاذ إلى الضحايا.
باب المندب… نقطة التقاء الأزمات
لم تعد أزمة الهجرة منفصلة عن المشهد الأمني في البحر الأحمر.
فالتطورات العسكرية الأخيرة أعادت باب المندب إلى صدارة الاهتمام الدولي باعتباره أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وفي الوقت نفسه أحد أكثر الممرات هشاشة أمنياً.
ومع اتساع الضغوط العسكرية على خطوط الملاحة، توسعت أنشطة شبكات التهريب التي تستغل الفوضى لنقل آلاف المهاجرين عبر مسارات بحرية غير خاضعة للرقابة، ما يثير مخاوف من إمكانية استغلال هذه الطرق في تهريب أفراد أو مواد محظورة، وليس البشر فقط.

وتزداد هذه الهواجس مع استمرار نشاط حركة الشباب الصومالية، التي تمتلك خبرة طويلة في العمل داخل البيئات الهشة والاستفادة من شبكات التهريب والاقتصاد غير المشروع.
ورغم عدم وجود أدلة معلنة تثبت تسلل منظم لعناصر متشددة ضمن موجات الهجرة الحالية إلى اليمن، يحذر عدد من الخبراء الأمنيين من أن استمرار انهيار مؤسسات الدولة، واتساع نشاط المهربين، وضعف الرقابة على بعض السواحل، قد يهيئ بيئة تسمح باستغلال حركة الهجرة لأغراض تتجاوز الجانب الإنساني.
ولهذا، يؤكد الخبراء ضرورة الفصل بين الغالبية الساحقة من المهاجرين المدنيين وبين الحاجة إلى إجراءات أمنية فعالة تمنع استغلال معاناتهم من قبل الشبكات الإجرامية أو الجماعات المتطرفة.
مأساة داخل مأساة
اليمن يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
لكن داخل هذه الأزمة تتشكل مأساة أقل ظهوراً: آلاف المهاجرين الذين فروا من الفقر والنزاعات والكوارث المناخية، ليجدوا أنفسهم أسرى لشبكات الجريمة المنظمة في بلد أنهكته الحرب.
وأصبحت معاناتهم تجارة مربحة تديرها شبكات تمتد عبر عدة دول، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة، واستمرار النزاع، وانشغال العالم بالتصعيد العسكري في البحر الأحمر.
فجوة تمويلية تهدد جهود الإنقاذ
ترى خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين لعام 2026 أن الحلول الأمنية وحدها لم تعد كافية، وأن نقص التمويل الإنساني يهدد برامج الحماية والعودة الطوعية.
ورغم أهمية برنامج العودة الإنسانية الطوعية (VHR)، الذي يمثل فرصة النجاة الوحيدة لآلاف المهاجرين الراغبين في العودة إلى بلدانهم، فإن محدودية التمويل تقلص عدد المستفيدين، وتترك آلاف الأشخاص عالقين بين خطر البقاء في اليمن أو الوقوع مجدداً في قبضة المهربين.
الخلاصة
تكشف تطورات عام 2026 أن أزمة الهجرة عبر اليمن لم تعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبحت تحدياً أمنياً وإقليمياً يتداخل مع النزاعات المسلحة، والجريمة المنظمة، والتغير المناخي، وأمن البحر الأحمر، واستقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فباب المندب لم يعد مجرد معبر للسفن أو ساحة مواجهة عسكرية، بل تحول إلى نقطة تلتقي فيها مصالح الدول، وشبكات التهريب، وحركة الهجرة، والتحديات الأمنية القادمة من القرن الأفريقي.
وبينما يبقى معظم المهاجرين ضحايا للفقر والنزاعات والكوارث المناخية، فإن استمرار هشاشة الحدود البحرية يفرض على الحكومات والمنظمات الدولية الجمع بين حماية المهاجرين، وتعزيز مكافحة الاتجار بالبشر، وتطوير آليات التدقيق الأمني، لمنع استغلال طرق الهجرة من قبل الشبكات الإجرامية أو الجماعات المتطرفة.
ولم يعد تشديد الرقابة على الحدود وحده كافياً. فالحل يتطلب استراتيجية إقليمية ودولية تبدأ بمعالجة أسباب الهجرة في دول القرن الأفريقي، مروراً بتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز الحماية داخل اليمن، وتوفير تمويل مستدام لبرامج الإغاثة والعودة الطوعية، وصولاً إلى إنشاء مسارات هجرة آمنة وقانونية تحفظ حياة الإنسان وكرامته، وتمنع تحول أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى بوابة مفتوحة للجريمة المنظمة ومزيد من المآسي الإنسانية.
