الأبعاد الأسطورية في السيرة العلوية
تشكلت الصورة الملحمية لعلي بن أبي طالب عبر قرون من التراكم المذهبي والأدبي لتستقر في المخيال الشعبي بصفات تتجاوز الأطر المألوفة للقادة والمصلحين، وساهمت مصنفات واسعة في صياغة هذا الحضور مثل موسوعة "بحار الأنوار" للمجلسي التي أوردت أخباراً تفرّدت بتقديمِ طقس ولادته في جوف الكعبة كتشريف استثنائي، واتسعت الرؤية بعد ذلك لتجعل منه الخليفة المختار بالوصية الإلهية بعد رحيل الرسول.

تجاوز التشكيل الوجداني لشخصية علي الأبعاد السياسية ليمتد نحو مرويات تنسب إليه كرامات وقدرات غير اعتيادية في المعارك، مثل اقتلاع باب خيبر ومواجهة الصعاب بمفرده، وصولاً إلى علوم الغيب والأدوار الكونية المرتبطة بمصير الإنسان، وهي تطلعات يراها مريدوه تجسيداً لمكانته الروحية، وفي السياق المعرفي يمثل كتاب "نهج البلاغة" الذي شاع بعد ثلاثة قرون من وفاته بجهد الشريف الرضي، مادة خصبة للنقاش بين الباحثين والمؤرخين حول توثيق الخطب والرسائل في عصر افتقر إلى التدوين المنتظم للملفوظات اليومية والخطابية لقادة ذلك الزمان.
ومع امتداد الزمن تخطت هذه التصورات حدود المذاهب الدينية لتدخل فضاء الأدب الشعبي، حيث تبرز سير ملحمية مشحونة بالخيال، ومنها القصص المنسوبة لأبي الحسن أحمد بن عبد الله البكري، وهي شخصية أثارت جدلاً واسعاً بين من اعتبره غير موثوق من علماء أهل السنة كالذهبي وابن حجر، وبين من اعتمد على بعض نصوصه في الأوساط الشيعية مثل المجلسي، وفي هذه الملاحم يبدو علي بطلاً يقود الجيوش في عوالم مجهولة ويقاتل الجن وينتصر لقيم الخير بدعم غيبي مستمر، محاكياً في ذلك الأنماط البطولية والميثولوجية التي عرفتها الثقافات الإنسانية المختلفة عبر تاريخها.

شهدت حركة التمجيد الشعبي دفعة قوية مع صعود كيانات سياسية تبنت الرمزية العلوية كالفاطميين والبويهيين والحمدانيين، وغدا تعزيز مكانة الإمام جزءاً من شرعية الحكم وأداة لتثبيت الهوية الثقافية للدولة، وتحول علي في هذه الأجواء من صحابي وخليفة إلى رمز للمظلومية التاريخية والبطل المدافع عن الحق في وجه المؤامرات، متشابهاً في سياق البطولة الشعبية مع شخصيات تراثية أخرى مثل عنترة بن شداد وأبو زيد الهلالي، مأخوذاً بأبعاد دينية أعمق.

وأكمل الفن البصري صياغة هذه اللوحة الأسطورية، وتأثر الرسامون في إيران وآسيا الوسطى بالتقالية الأيقونية البيزنطية، فظهرت صور علي محاطة بالهالات النورانية والرموز المقدسة بأسلوب يقترب من تصوير القديسين في الفنون الشرقية، وأصبح الأسد رمزاً ملازماً لشخصيته تعبيراً عن لقبه "أسد الله"، مستوعباً في الوقت نفسه موروثاً رمزياً قديماً من حضارات الرافدين وفارس، حتى بات حضور هذا الرمز كافياً للدلالة عليه، وذهبت المنمنمات الفارسية إلى استعارة القوالب البصرية التي كانت تُصوّر أبطال الشاهنامة مثل رستم لتطبيقها على مواقفه، مظهرة إياه فارساً يواجه الكائنات الخرافية والتنانين.
