الأربعاء 29 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الهوية ليست المشكلة... بل من شوَّه مشروع الوحدة

الهوية ليست المشكلة... بل من شوَّه مشروع الوحدة

يكثر الحديث اليوم عن "شعب الجنوب"، لكن حين يُسأل البعض: أي جنوب تقصدون؟ تتباين الإجابات؛ ففريق يقول: الجنوب العربي، وآخر يقول: الجنوب اليمني. وهذا التردد يكشف أن المسألة ليست محسومة كما يحاول البعض تصويرها.

إن البقعة الجغرافية التي قامت عليها جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ثم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لم تعرف كيانًا سياسيًا يحمل الهوية اليمنية إلا بفضل نضال أبناء الجنوب أنفسهم. فقد خاضوا معركة التحرر من الاستعمار البريطاني تحت رايات حملت أسماء واضحة، مثل الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل. ولم يكن ذلك اختيارًا عابرًا، بل تعبيرًا عن وعي راسخ بالانتماء اليمني.

أما كيان اتحاد الجنوب العربي الذي أنشأته بريطانيا، فقد قوبل برفض واسع من مختلف القوى الوطنية في الجنوب، وعدّ مشروعًا استعماريًا يهدف إلى تكريس التجزئة. لذلك كان إسقاطه أحد أهداف ثورة الرابع عشر من أكتوبر، وانتهى بزواله مع تحقيق الاستقلال.

من هنا، فإن مشكلة الجنوب لم تكن يومًا مع الهوية اليمنية المتجذرة في وجدان أبنائه، وإنما مع النظام السياسي الذي انحرف بمسار الوحدة، وحوّل الحلم الذي راود اليمنيين في الشمال والجنوب إلى وسيلة للهيمنة وتقاسم النفوذ والثروة، بدلًا من أن يكون مشروعًا للعدالة والشراكة والمواطنة المتساوية.

وللتذكير، لم يكن هناك قبل الاستقلال أو بعده حزب سياسي جنوبي يعلن رفضه لهويته اليمنية. بل إن معظم القوى السياسية، رغم خلافاتها وصراعاتها، كانت تجعل من الوحدة اليمنية هدفًا استراتيجيًا حاضرًا في برامجها وأدبياتها. وحتى الصراعات التي شهدها الجنوب في مرحلة ما قبل الوحدة لم تُلغِ حضور مشروع الوحدة في فكر مختلف الأطراف.

لقد قدّم أبناء الجنوب تضحيات جسامًا، وسقط منهم شهداء وهم يؤمنون بأن الوحدة تمثل إحدى الغايات الكبرى التي ناضلت من أجلها ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963، إلى جانب التحرر والاستقلال.

لذلك، ينبغي أن ينصب غضبنا على من أساء إلى مشروع الوحدة، وحوّله من حلم وطني جامع إلى وسيلة للاستحواذ على مقدرات الجنوب وإقصاء أبنائه، لا على الهوية اليمنية التي ظلت جزءًا من وجدان الملايين.

فالهوية لا تُحاكم بأخطاء الأنظمة، ولا تُلغى بسبب ممارسات الحكام. وستبقى اليمنية هوية راسخة في نفوس أبنائها، مهما تعاقبت الأزمات، ومهما ارتفعت الدعوات إلى التقسيم. فقد تُقسَّم الدول سياسيًا، لكن التاريخ والهوية والانتماء لا يمكن تمزيقها بقرار أو شعار.