المخاطر الحقيقية لاستئناف تصدير النفط اليمني.. قراءة فنية في تصريحات وزير النفط

قدم وزير النفط والمعادن محمد بامقاء، في 25 يوليو 2026، أول تشخيص رسمي لواقع القطاع النفطي بعد 4 سنوات من توقف التصدير. وبعيدًا عن البعد السياسي، تكشف أرقامه عن 5 مخاطر فنية وعلمية حقيقية تجعل من عودة التصدير قرارًا عالي المخاطرة وغير مجدٍ اقتصاديًا في المدى القصير.
الخطر الأول: انهيار الإنتاج في أكبر حقل واقترابه من النفوق الفني
اعترف الوزير أن إنتاج حقول بترومسيلة في حضرموت انخفض إلى ما بين 8 و10 آلاف برميل يوميًا فقط. للمقارنة كان الحقل ينتج 130 ألف برميل عام 2006، و45 ألف برميل عام 2017. هذا يعني تراجعًا بنسبة 92 بالمائة خلال 20 عامًا.
السبب العلمي الذي ذكره الوزير هو ارتفاع نسبة المياه المصاحبة للإنتاج. فنيًا هذا يسمى Water Cut عاليًا. عندما تتجاوز نسبة الماء 70 بالمائة في البئر، يصبح استخراج البرميل الواحد مكلفًا جدًا، ويسبب تآكل المضخات والأنابيب. استمرار الضخ بهذا الوضع بدون حفر آبار جديدة ومعالجة، يعني موت المكمن بشكل دائم. وهذه أخطر نقطة، لأن المسيلة كانت تمثل 40 بالمائة من إنتاج اليمن.
الخطر الثاني: لا يوجد فائض قابل للتصدير
بحسب الوزير، فإن الإنتاج الكلي الحالي من مأرب وحضرموت وشبوة، هو 51 إلى 63 ألف برميل. منها 20 ألف برميل تذهب مباشرة للاستهلاك المحلي كوقود وتشغيل كهرباء. يتبقى 31 إلى 43 ألف برميل فقط.
فنيًا، أية كمية أقل من 100 ألف برميل يوميًا غير مجدية للتصدير. لأن تكلفة تأمين ناقلة وشحن وتشغيل ميناء لحمولة صغيرة، تلتهم كل الربح. أي أن الحكومة لو صدرت اليوم ستخسر أو تحقق عائدًا رمزيًا لا يغطي حتى رواتب شهر.
الخطر الثالث: مشكلة الغاز المصاحب في صافر وشبوة تحد من أية زيادة سريعة
قال الوزير إن هناك إمكانية لزيادة الإنتاج 25 إلى 30 بالمائة خلال 6 أشهر، لكن في مأرب وشبوة فقط. والسبب أن النفط هناك يخرج معه غاز طبيعي.
المشكلة الفنية أنه بدون محطات فصل ومعالجة للغاز المصاحب لا يمكن رفع ضغط الآبار، ولا يمكن زيادة الإنتاج. تشغيل هذه المحطات يحتاج أشهر واستثمار ويحتاج أيضًا سوقًا لاستيعاب الغاز أو حرقه. أي أن الزيادة الموعودة مشروطة باستثمار فوري لا حديث عنه.
الخطر الرابع: استنزاف الاحتياطي وتآكل البنية التحتية
تصريح الوزير بأن المسيلة استنزفت بأكثر من 85 بالمائة من احتياطاتها، يعني أننا أمام حقل دخل مرحلة الشيخوخة المتأخرة. أي حفر جديد سيكلف أضعاف ما كان يكلف قبل 10 سنوات، وعائده أقل.
إضافة إلى أن الأنابيب والموانئ والوحدات متوقفة منذ 4 سنوات. عودة التشغيل تحتاج صيانة شاملة، وإلا سنواجه تسربات وحرائق وتوقفات متكررة تزيد الكلفة.
الخطر الخامس: الجدوى الاقتصادية سلبية
لو افترضنا أفضل سيناريو، وهو زيادة 30 بالمائة، فسنصل إلى 80 ألف برميل. نخصم 20 ألفًا للسوق المحلي، يبقى 60 ألفًا للتصدير.
هذا الرقم لن يغطي عجز الموازنة. بل سيستهلك في تغطية تكاليف إعادة التشغيل. أي أن الحكومة ستتحمل مخاطرة أمنية ومالية عالية مقابل عائد ضعيف لا يحل الأزمة.
التوصيات الفنية العاجلة بناء على تصريحات الوزير
أولًا: تجميد قرار التصدير الفوري
لا يتم الحديث عن تصدير قبل الوصول إلى 120 ألف برميل يوميًا كحد أدنى. أي تصدير دون ذلك سيكون استنزافًا للاحتياطي المتبقي بدون عائد حقيقي.
ثانيًا: خطة إنقاذ المسيلة خلال 12 شهرًا
بما أن الوزير حدد مشكلة الماء كسبب رئيسي، يجب تخصيص تمويل عاجل لمحطات معالجة المياه CPF في المسيلة، وحفر 10 آبار استبدالية في مناطق جديدة. الهدف رفع الإنتاج من 10 آلاف إلى 40 ألف برميل. أي تأخير يعني فقدان الحقل نهائيًا.
ثالثًا: استثمار الغاز المصاحب في صافر وشبوة
الزيادة الممكنة 25 إلى 30 بالمائة التي تحدث عنها الوزير، مرهونة بحل الغاز. يجب إعادة تشغيل وحدات الفصل في صافر فورًا، وربط الغاز بمحطات كهرباء مأرب وعدن. هذا سيوفر وقودًا، ويرفع ضغط الآبار، ويرفع الإنتاج بدون حفر جديد.
رابعًا: إعادة تأهيل شبوة كأولوية
الوزير ذكر أن طاقة شبوة الحالية 28 إلى 33 ألفًا، لكن المنتج فقط 3.5 ألفًا. الفجوة كبيرة. إصلاح الأنبوب لميناء النشيمة وتأمين الحقول يمكن أن يضيف 20 ألف برميل خلال 9 أشهر وبأقل تكلفة مقارنة بالمسيلة.
خامسًا: إنشاء صندوق سيادي للنفط
أي عائد من التصدير المستقبلي لا يذهب للاستهلاك الجاري. يجب أن يوجه 70 بالمائة منه لحفر آبار جديدة وصيانة. غير ذلك سنكرر نفس الدورة، ونستهلك الاحتياطي المتبقي خلال 5 سنوات.
الخلاصة الفنية
تصريحات الوزير بامقاء تقول بشكل مباشر إن المشكلة ليست قرارًا سياسيًا فقط. المشكلة فنية بحتة.
المسيلة تحتاج إنقاذًا بمئات الملايين من الدولارات، وإلا ستتوقف.
صافر وشبوة يمكن رفعهما، لكن بشرط حل مشكلة الغاز وتوفير تمويل.
والأهم أن التصدير الآن سيكون خسارة، وليس حلًا.
أي قرار باستئناف التصدير قبل الوصول إلى 150 ألف برميل يوميًا على الأقل، هو قرار غير علمي، وسيزيد الأزمة بدل أن يحلها.
