الجمعة 19 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • قراءة في جدلية الغدر الذاتي وارتهان السيادة عبر التاريخ

اليمن.. الحضارة المغدورة*

قراءة في جدلية الغدر الذاتي وارتهان السيادة عبر التاريخ

مدخل مهم:
تتجلى في المشهد اليمني الراهن مأساة حضارية كبرى تضرب بجذورها في أعماق التاريخ.
مأساة تضع العقل الجمعي اليمني أمام تساؤل وجودي حارق: لماذا لم يفلح اليمنيون في تشييد إمبراطورية مستدامة تحمي كينونتهم، رغم امتلاكهم كل مقومات السيادة منذ ما قبل مجيء الإسلام بقرون طوال؟

إن استعراض شريط الأحداث يكشف عن مفارقة عجيبة تثير الأسى في نفس كل باحث متخصص.

فاليمن، مهد الحضارات وأصل العرب ومستودع الثروة البشرية، سقطت تباعًا تحت سطوة الأحباش ثم الفرس، وصولًا إلى تعاقب القوى الإقليمية والدولية من قريش (الأموية، والعباسية) إلى الأيوبية، فالأتراك، والبرتغاليين، وصولًا إلى الإنجليز، وانتهاءً بالتدخلات الإيرانية الفارسية، والعربية الراهنة.

ولم يكن هذا السقوط يومًا نتاج قلة في العدد أو عوز في العتاد أو افتقار للإرث السياسي. بل كنا حينها -كما نحن اليوم- قوة بشرية هائلة ومقاتلين أشداء يرهبهم التاريخ. لكننا افتقرنا دومًا إلى "بوصلة المشروع" التي تحول المقاتل من مجرد "أجير" في خدمة الآخر إلى "شريك سيادي" في صناعة القرار.

إننا أمام ظاهرة يمكن الاصطلاح عليها بـ"الغدر الذاتي بالحضارة اليمنية". وهي تلك السلسلة التاريخية المتلاحقة من السلوكيات السياسية والاجتماعية التي ينتجها اليمنيون أنفسهم ضد أنفسهم. حيث تتحول القوة اليمنية الضاربة إلى أداة للهدم الداخلي بدلًا من البناء القومي الشامل.

أولًا: جذور الغدر الذاتي.. حين يغتال اليماني حلمه بيده

يتمثل الغدر الذاتي في أبهى صوره في تلك الخصلة المزمنة التي لم تبارح الشخصية اليمنية (الاستبسال في محاربة الأخ اليمني). حيث يستنزف اليماني طاقته الفائقة في إعاقة نظيره، ممارسًا "عبقرية" في المنافسة الصفرية التي تهدف إلى إفشال الآخر فقط لإشباع غرور ذاتي أو قبلي ضيق.

تاريخيًا، تجسد هذا الغدر في صراع "الأذواء" والقبائل عقب تفكك الدولة الحميرية العظمى. فبدلًا من التوحد لمواجهة الأطماع الخارجية، استقوى بعضهم بالخارج لإزاحة الداخل. وهي اللحظة التاريخية الفارقة التي بدأت فيها سلسلة "استدعاء الغريب" للتخلص من "القريب".

هذا السلوك هو الذي حول اليمن من "فاعل حضاري" إلى "ملعب دولي" للصراعات الإقليمية.

لقد كان اليمن قبل الإسلام يمتلك نظامًا إداريًا وسياسيًا معقدًا يفوق ما لدى جيرانه بمراحل، وهو ما يعرف بـ"نظام المسند". ولكن الغدر الذاتي جعل هذه العظمة تنهار من الداخل قبل أن يجهز عليها الأحباش أو الفرس.

لقد استهلكت الصراعات البينية بين التتابعة والملوك المحليين مقدرات الدولة، مما جعل سد مأرب ينهار ليس بفعل السيل فحسب، بل بفعل تآكل الإرادة السياسية التي كانت تحميه.

إن الغدر الذاتي هنا هو "الفيروس" التاريخي الذي يعطل العقل الجمعي عن إدراك المصالح القومية العليا لصالح انتصارات وهمية صغيرة.

وما يؤكد على اغتيال اليماني لحلمه أو ما يؤكد على مشكلة الغدر الذاتي، هو بيت قديم من الشعر العربي.

بيت ولد عقب فتح مكة في 20 رمضان من السنة الثامنة للهجرة -يوافقه بالحسابات الفلكية يوم 11 أو 10 يناير عام 630م- أثناء ما كان الرسول الكريم يجهز جيشًا لمواجهة ثقيف وهوازن، وفي طريقه إلى "يوم حنين"، يقول في مطلعه عباس بن مرداس(1):

أَصَابَتِ الْعَامَ رِعْلًا غُولُ قَوْمِهِمُ/ وَسْطَ الْبُيُوتِ وَلَوْنُ الْغُولِ أَلْوَانُ

قصيدة مكونة من ثلاثة عشر بيتًا يقول في البيت السابع منها:

وفي هوازنَ قومٌ غير أن بها/ داءَ اليماني فإن لم يغدروا خانوا(2)

إن سياق هذا البيت جاء لينصح الشاعر قومه هوازن ويحذرهم من قوة جيش المسلمين بقيادة الرسول الكريم، ويدعوهم إلى عدم الغدر أو نقض العهود.

والمعنى أنه في حين يمدح الشاعر قومه في بداية القصيدة بخصالهم، إلا أنه هنا يذكرهم أن لديهم صفة ذميمة يعتبرها (داءً) متأصلًا فيهم شبهه بأخلاق أهل اليمن (داء اليماني)، وهو الغدر والخيانة إذا أُتيحت لهم الفرصة.

وعند تحليل البيت الشعري سنجده يبدأ بعبارة "وفي هوازن قومٌ".. استهلال يوحي بالمدح والرفعة، لكنه يلتفت فورًا باستخدام أداة الاستثناء "غير أن"، ليوجه اللوم، وهي طريقة ذكية الغرض منها صدم السامع ولفت انتباهه.

وعبارة "داء اليماني" هي كناية عن صفتي "الغدر والخيانة"، إذ كانت العرب تنسب بعض الصفات لقبائل معينة، واستخدم الشاعر هذه الكناية من أجل تقبيح الفعل وتجسيده كأنه مرض عضوي مُعدٍ.

والتكرار المترادف بصيغة الشرط بجملة "إن لم يغدروا خانوا" في البيت نفسه، هو تأكيد بليغ لصفتي الغدر والخيانة، ويفيد الحتمية، أي أن هذه الصفة لازمة لهوازن لا ينفكون عنها؛ فإذا غاب الغدر بمفهومه، يحضر بديله، وهو الخيانة، وهو داء يماني.

صحيح أن هذا البيت فيه ذم مبطن لأهل اليمن -داء اليماني- الذين وصفهم بالغدر والخيانة، وبعض الروايات في المصادر التاريخية تشير إلى أن الرسول الكريم لم يستحسنه، بيد أننا إذا ما ذهبنا نبحث عن الدوافع والأسباب التي تجعل شاعرًا في ذلك الوقت يرى أن الغدر والخيانة داء يماني، فلن نجد من الأسباب إلا ما ترسخ في ذهنه، ووعيه من معطيات براهنية وحججية هي ما كان عليه حال اليمن في ذلك الوقت من تمزق، وتشظٍ، وانقسام، وتداول أحواله من احتلال وتحكم الأحباش فيه إلى سيطرة وحكم الفرس فيه، فقد كان اليمن كما تشير المصادر التاريخية في عام الفتح، وعام الوفود يحكمه باذان الفارسي بصرف النظر عن إسلامه.

فكيف يحكم فارسي اليمن، وقبل بضعة عقود كان قد تحرر من الأحباش، وصار سيف بن ذي يزن حاكمًا عليه؟!

هنا يجب ألا ننظر إلى أن عباس بن مرداس كان مجرد شاعر، ولا يحق له وسم اليمنيين بسمتي الغدر والخيانة، واعتبارها داءً يمانيًا خالصًا..

لماذا..؟

لأن الشاعر حينها لم يكن مجرد شاعر فحسب، وإنما كان كبقية الشعراء في ذلك العصر هم الألسنة الناطقة بأسماء قبائلهم، ولم يكونوا كذلك إلا لأنهم كانوا يمتازون عن بقية أبناء وزعماء قبائلهم بمعرفة كبيرة بأنساب العرب، وشؤونها، وتغيرات أحوالها، وحروبها، وبحسب توصيف زماننا كانوا هم مثقفي ومؤرخي عصورهم..

فكيف إذا ما تأكد لنا أن الصحابي الجليل عباس بن مرداس ينحدر من أسرة مثقفة، وأغلب أفرادها من فصحاء وبلغاء ذلك الزمان، حتى إن أمه الخنساء بنت عمرو تعد تاريخيًا من أشهر وأبلغ شاعرات العرب، وأبوه شاعر، وأخواله شعراء، أي أن جميعهم يعتبرون من مثقفي ذلك الوقت.

لذلك ليس غريبًا أن يكون الصحابي الجليل عباس بن مرداس واعيًا بما يقوله في شعره، ويعزز ما يقوله المعطيات القريبة عن أحوال اليمن التي ما كانت لتصل إلى انتقال الحكم من الملك سيف بن ذي يزن إلى الفرس لولا الغدر والخيانة لدى بني قومه، بخاصة إذا ما علمنا أنه مات مقتولًا بالسم كما تقول بعض الروايات التاريخية.. ناهيك عن عدم استقرار اليمن بتناقل الدول التي حكمته تباعًا.

وما يؤكد أيضًا صحة ما قاله عباس بن مرداس أن اليمنيين حتى بعد الرسول الكريم إلى عهدنا هذا لم يعرفوا قرنًا واحدًا استقر فيه الناس، وخلا من الحروب البينية بين اليمنيين، وأكبر دليل على ذلك أنه حتى في عهد ثورتي سبتمبر وأكتوبر والنظامين اللذين حكما اليمن شمالًا وجنوبًا، اتسمت سنوات وعقود حكمهما بالغدر والخيانة.

في الشمال تم الغدر بأول رئيس للجمهورية المشير السلال، وتم خيانة واغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي.

وفي جنوب اليمن تم الغدر بأول رئيس للدولة قحطان الشعبي، وتصفية فيصل عبداللطيف، أحد أبرز مناضلي التحرير والاستقلال في اليمن، وتم الغدر بالرئيس سالمين، وتم الغدر بأبطال التحرير في أحداث 13 يناير 1986، وتم الغدر بمحقق الوحدة اليمنية الأول وبما يزيد عن 154 من كوادر الحزب الاشتراكي اليمني.

وتم الغدر بالرئيس الأسبق علي عبدالله صالح من قبل الحوثيين الذين كان تحالف معهم في بداية الحرب الأهلية 2015م.

قد يأتي هنا متفذلك، ويحاول نسف هذا الطرح تحت اعتبارات لا حدود لعناوينها كقوله إن ما طرحته بشأن بيت الشعر لعباس بن مرداس غير صحيح، ويستدل على ذلك بما قال به الرسول الكريم عند استقبال وفود أهل اليمن لإعلان إسلامهم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم(3).

وقبل أن يقوموا بشرح الحديث، وبعضهم سيذهب إلى تقديم قراءة مغايرة لمدلول بيت شعر عباس بن مرداس.. أستبقهم هنا وأقول: صحيح أن بيت الشعر قيل أو جاء في سياق تقدير موقف عسكري، إذ تحدث الشاعر كقائد عسكري خبير بطبائع القبائل وفنون حربها، ويمد رسول الله بمعلومات استخباراتية عن العدو الذي هم قادمون عليه (هوازن).

وهو هنا يحذر المسلمين من أن هوازن مصابة بـ"داء اليماني" في الحرب المتمثل بـ"المكر، والخدعة، والالتفاف، وعدم الثبات على عهد الحرب".

وكانت العرب تنسب هذا النوع من المكر العسكري لأهل اليمن لشدة ذكائهم وحنكتهم في الحروب القديمة "كحروب التبابعة وحمير".

وعليه فإن عباس بن مرداس لم يكن يذم أخلاق أهل اليمن كشتيمة، بل كان يصف أن هوازن تعتمد ذات التكتيك العسكري (المراوغة، والغدر) في القتال كأهل اليمن، ومفاجأة الخصم من حيث لا يحتسب، وهو ما حدث فعلًا في حنين عندما كمنت هوازن للمسلمين في المضايق والمنحدرات، وفاجأتهم.

نعم يعرف الكاتب هنا مثل هكذا تحليل وتفكيك، وطرح يرى فيه تصحيحًا للبيت الشعري ومدلوله الذي سيرى فيه أنه قد انتصر وأبطل ما ذهبت إليه بشأن الخيانة والغدر.

لهذا هنا أعيده إلى بداية هذا المحور الذي قصدت فيه الغدر بحضارة اليمن، وسقت لذلك بأمثلة حديثة من الخيانة والغدر على مدى أكثر من نصف قرن.

الغدر برؤساء جنوب اليمن

قحطان الشعبي أطيح به عبر خطوة تعرف في التاريخ السياسي لجنوب اليمن بـ"خطوة 22 يونيو التصحيحية"، ليقضي بقية حياته تحت الإقامة الجبرية في منزله حتى توفي في 7 يوليو 1981.

سالمين (سالم ربيع علي) الذي تولى رئاسة مجلس الرئاسة بعد قحطان، هو الآخر بعد تسع سنوات نفذ ضده يوم 26 يونيو 1978، حكم الإعدام بالرصاص، ورغم تسليم نفسه تم قتله بطريقة حاقدة خبيثة بعد محاكمة حزبية عقب اتهامه باغتيال رئيس اليمن الشمالي الغشمي.

عبدالفتاح إسماعيل وصل رسميًّا إلى رأس الدولة في جنوب اليمن في 27 ديسمبر 1978، وبعد سنة وأربعة أشهر في 21 أبريل 1980، يجبر على تقديم استقالته، والنفي إلى موسكو، وبعد سنوات خمس يدعوه أحد طرفي التنازع على السلطة في الجنوب اليمني، إلى العودة التي كانت سببًا لتصفيته غدرًا خلال أحداث 13 يناير الدامية على نحو ماتزال الروايات متباينة في كيفية اختفائه، وانتهاء حياته.

الغدر برؤساء الشمال، وأبطاله

الغدر بزعيم الجمهورية الأول: بينما كان المشير عبدالله السلال، أول رئيس للجمهورية العربية اليمنية، يقوم بزيارة رسمية إلى العاصمة العراقية بغداد، ويوم 5 نوفمبر 1967 قام الجناح المدني والعسكري بحركة مفاجئة عرفت بـ"حركة 5 نوفمبر"، أعلنت عن تشكيل مجلس جمهوري برئاسة القاضي عبدالرحمن الإرياني، مطيحة بذلك بالزعيم الجمهوري الأول.

وكان السبب الرئيس المسكوت عنه هو رفض السلال لأية مصالحة مع الملكيين، وهو ما ثبت بعد ذلك من خلال ذهاب القوى التقليدية لعقد مصالحة وطنية (جمهورية -ملكية) أسفر بموجبها اعتراف السعودية بالجمهورية.

بتلك المصالحة تم خيانة الثورة، وغدر بالجمهورية، وفي 13 يونيو 1974 أعلنت الحركة التصحيحية بقيادة الزعيم إبراهيم عن تسلمها للسلطة.

الغدر بأبطال فك حصار السبعين يومًا عن العاصمة صنعاء: إن الملحمة التي سُكبت فيها دماء غزيرة لحماية قيم الجمهورية والدفاع عن العاصمة صنعاء، تحولت في غضون أشهر قليلة من نصر عسكري مؤزر إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والأيديولوجية والمناطقية.

تجلّت مأساة الغدر بهؤلاء الأبطال، وتحديدًا قيادات وأفراد "المقاومة الشعبية" وصغار الضباط والمثقفين ذوي التوجهات اليسارية والقومية.

في أواخر أغسطس 1968، تفجرت مواجهات مسلحة دامية داخل العاصمة صنعاء بين قوات الجيش التقليدية، والقبائل المدعومة من القوى المحافظة في السلطة (التي كان يمثلها الفريق حسن العمري والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر)، وبين وحدات الجيش الحديثة والمقاومة الشعبية (وحدات المظلات، الصاعقة، والمدفعية) التي كان يقودها ضباط شباب مثل عبدالرقيب عبدالوهاب (رئيس هيئة الأركان وبطل فك الحصار الفعلي).

وأسفرت المواجهات لصالح القوى التقليدية والقبلية، إذ جرى حلّ "المقاومة الشعبية" ونزع سلاحها، واعتُقل المئات من أفرادها، ونُفي أبرز قادة النصر (وعلى رأسهم البطل عبدالرقيب عبدالوهاب) إلى الجزائر، في سبتمبر 1968.

عاد البطل الشاب عبدالرقيب عبدالوهاب من منفاه في الجزائر إلى عدن، ثم اتجه إلى تعز، ومن جديد عاد إلى صنعاء، مدفوعًا بوعود وتطمينات، ورغبةً منه في تسوية الأوضاع.

لكنه تفاجأ عصر يوم 24 يناير 1969 بمحاصرة المنزل الذي كان يتواجد فيه في صنعاء، واشتبك مع القوات المحاصِرة حتى نفدت ذخيرته، وتمت تصفيته بدم بارد، ولم يكتفِ النظام بذلك، بل قام بسحل جثته في شوارع صنعاء بطريقة بشعة وصادمة، شكلت طعنة نجلاء في خاصرة الملحمة الوطنية اليمنية.

لقد كانت وستظل أحداث أغسطس وتصفية أبطال السبعين جرحًا غائرًا في الذاكرة الوطنية اليمنية نتج عنها أن استُبدل الشركاء الحقيقيون في خنادق الدفاع عن صنعاء بقوى الصفقات والموازنات السياسية.

وقد يطول بنا المقال هنا إذا ما ذهبنا لمناقشة أبعاد دوافع الغدر بأبطال فك حصار السبعين، لأنه ليس مقام مناقشة تلك الأحداث.

وذكر بعض من تلك الأحداث هنا ليس إلا أمثلة يسوقها الكاتب للتأكيد على أن الغدر بيننا نحن اليمنيين صار داءً يمانيًا خالصًا على غرار ما قاله عباس بن مرداس.

الغدر بقائد مسيرة التصحيح ورائد البناء والتنمية: في نهار يوم الـ11 من أكتوبر سنة 1977، صعق الشعب اليمني أمام جريمة تصفية الرئيس إبراهيم الحمدي وشقيقه عبدالله (قائد قوات العمالقة).

لقد كان قائد ومنفذ الجريمة هو نائبه ورئيس أركانه أحمد حسين الغشمي، ومعه عدد من الضباط الذين كان الحمدي يثق فيهم كثيرًا، ويعتبرهم عينه، وبصره، ويديه في السير بمشروع التصحيح والتطوير التعاوني في اليمن، ولم يفكر أدنى تفكير بأنهم قد أبرموا فيما بينهم على المضي في خيانته والغدر به على نحو يخالف كل قيم الشرف والمبادئ والأخلاق الدينية والعربية، والإنسانية.

لم يحدث أن دُعي إنسان إلى منزل صديقه لتناول الغداء معه، وقبل مضغ شيء من الغداء يقتل حول المائدة، إلا عند من لا يملكون الشرف، والأخلاق، ولا تجري في عروقهم حتى ذرة واحدة من الإنسانية.

جريمة اغتيال الحمدي تجلت فيها الخيانة، والغدر بأبهى صورة، وما زاد من بشاعة الغدر والخيانة محاولة القتلة تشويه سمعة الرئيس الحمدي عبر تصفية فتاتين فرنسيتين ووضع جثتيهما بالقرب من مسرح الجريمة لإعطاء الحادثة طابعًا أخلاقيًا بغية صرف أنظار الناس عن إبداء أي استنكار أو احتجاج قد يبدر منهم.

إلا أن تلك الرواية لم تنطلِ على وعي الناس الذين لم يصدقوها ويقتنعوا بها، فقد رأوه رمزًا للنزاهة، والسيادة، ولمسوا خلال سنوات ثلاث وأربعة أشهر فقط من حكمه قدرًا غير مسبوق من الأمن والأمان، والرخاء والازدهار، وأن اليمن أضحى واقفًا على عتبات العصر الحديث.

اغتيال الغشمي: بعد قرابة ثمانية أشهر فقط من تولي أحمد حسين الغشمي السلطة عقب اغتيال إبراهيم الحمدي، وفي 24 يونيو 1978 لقي مصرعه داخل مكتبه بالعاصمة صنعاء عبر حقيبة دبلوماسية مفخخة نقلت إليه من عدن.

اغتيال تم اتهام سالمين رئيس جنوب اليمن بتدبيره، ليلقى بعد يومين هو الآخر مصرعه عبر محاكمة حزبية كما أسلفت.

صالح يغدر بالبيض، والحوثي يغدر بصالح: مفارقة عجيبة بعد قيام الوحدة بين الشمال والجنوب بقيادتي كل من الرئيس الشمالي علي عبدالله صالح، والرئيس الجنوبي علي سالم البيض، على اتفاقية الوحدة، ومن ثم لم تكد تنقضي السنة الأولى من عمر الوحدة إلا وبوادر تفكك الوحدة قد بدأت تظهر.

وبالقياس إلى دلالتي الغدر والخيانة هنا من المنظور العقلاني، سنجد أن البيض خائن، وصالح غدار.

البيض في نظر الكثير من أبناء الجنوب خائن لأنه ذهب إلى الوحدة دون استفتاء وموافقتهم. وصالح غدار لأنه غدر بالبيض بأسرع مما كان يتوقع.

وصالح خان وثيقة العهد والاتفاق بعد أن وقع عليها، وذهب إلى شن حرب صيف 94.

ويلاحظ أن الذين رفضوا الوحدة في الشمال صاروا حلفاء لصالح، واعتبروا خوض الحرب ضد الجنوب واجبًا مقدسًا.

وبعد سنوات قليلة انفرط تحالفهم مع صالح، فصار الأخير في نظرهم خطرًا على مستقبل اليمن، وذهبوا ليتحالفوا مع من خاضوا ضده حربًا في صيف 1994.

وتطورت الأمور إلى ثورة 2011م المغدور بها، وصولًا إلى الحرب الأهلية القائمة بين الشرعية كطرف، والحوثيين الذين تحالفوا مع صالح وإن على نحو شكلاني غير منظم وغير معلن، كطرف ثانٍ.

وسرعان ما غدر الحوثيون بصالح، وأجهزوا عليه كلية على الصورة التي رأيناها.

ثانيًا: الفتوحات الكبرى وعقدة "الأجير" التاريخي

لننظر بإنصاف إلى الفتوحات الإسلامية الكبرى، إذ كان اليمنيون هم العمود الفقري والكتلة الصلبة للجيوش.

كانت القبيلة اليمنية الواحدة من حضرموت أو يافع أو صنعاء أو تعز أو تهامة تمثل ثلث قوام الجيش في معارك الوجود المصيرية.

لقد فتح اليمنيون مصر والشام وبلاد فارس والأندلس بصدورهم وعرقهم ودماء خيولهم. لكنهم للأسف لم يكونوا في أغلب تلك المحطات سوى "شقاة باليومية" في مشروع صاغته قريش وأدارته بعقلية الدولة القائدة. بينما ظل اليماني يقاتل بدافع "الفزعة" أو "الحمية" دون أن يطالب بحقه الطبيعي في القيادة العليا لمدار هذه الدولة.

هذا المشهد صاغه الفارس عمرو بن معد كرب الزبيدي(4) مرارة بعد معركة القادسية، إذ قال:

إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد/ قالت قريش ألا تلك المقاديرُ

ونحن بالصف إذ تدمى حواجبنا/ نعطى السوية مما يخلص الكيرُ

نعطى السوية من طعن له نفذ/ ولا سوية إذ تعطى الدنانيرُ(5)

قيلت هذه الأبيات بعد معركة القادسية، حيث كان المقاتلون اليمنيون من قبائل مذحج في الخطوط الأمامية يتلقون الطعنات وتدمى حواجبهم، بينما استأثر قادة الجيش الذين كانوا من قريش بقسمة الغنائم وتقييم العطايا.

وتعد هذه الأبيات للصحابي والفارس المخضرم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، رضي الله عنه، من عيون الشعر في فخر القبائل القحطانية، وتوثق أزمة عاطفية وحقوقية واجهها في تقسيم الغنائم.

نجد الشاعر في الشطر الأول من البيت الثاني يصف بشاعة المعركة حين تتكسر السيوف وتدمى الحواجب، وفي الشطر الثاني يشير إلى استحقاقهم العطايا نظير الطعنات النافذة في العدو.

وفي البيت الثالث نلاحظ السخرية والمرارة، إذ يطالب بالمساواة (السوية) في الميدان وفي تحمل الموت، غير أن تلك المساواة تُغيب تمامًا عند توزيع الدنانير والغنائم، مما يعكس حساسية القبائل القحطانية تجاه محاباة القرشيين في ذلك الوقت.

والغريب في هذا الأمر أن عمرو بن معدي كرب أو غيره عندما اعترضوا على حرمانهم من نصيبهم، وغياب التقدير حتى من البكاء عليهم عند استشهادهم الغريب هنا أن الرد القرشي -حسب تفسير الأبيات- يبرر لذلك بأنه قدر الله كما جاء في البيت الأول.

وطبعًا هناك بيت خطير تم حذفه في المدونات الرقمية على شبكة الإنترنت، أتذكر أني قد قرأته في كتب ومراجع لم أجدها بصيغة pdf، وأنا بمكان ريفي لا يسعفني للبحث عن تلك المراجع، وخلاصة ذلك:

أَأكر يوم القادسية معلمًا/ وسعد بن وقاص عليَّ أميرُ

وهو بيت يلخص بوضوح "غدر الآخر" في أقصى تجلياته السياسية، إذ يقر اليماني بتفوقه القتالي الفذ (أُكرُّ مُعلِمًا)، لكنه يسلم رقاب قومه والسيادة لغيره (سعد عليَّ أميرُ).

وكأن قدر اليماني أن يكون "الأداة" التي تصنع النصر، لا "الإرادة" التي تحكم هذا النصر وتوظفه لصالح مشروعه القومي.

إنها عقدة المقاتل الشجاع الذي يفتقر لـ"خيال السلطة"، فيكتفي بفتات الموائد بعد أن يطبخ النصر بدمه.

ثالثًا: الغدر الموضوعي.. حين يستجيب الخارج لنداء التفكك

إن هذا الغدر الذاتي هو الذي استمر يستدعي الخارج، سواء كان شقيقًا أو أجنبيًا، ليتشكل وفقًا لذلك ما يمكننا الاصطلاح عليه بـ"الغدر الموضوعي للحضارة اليمنية".

فالغدر الموضوعي ليس قدرًا مفروضًا من الخارج فحسب، بل هو نتيجة منطقية للغدر الذاتي الذي يهيئ البيئة للاستلاب.

فالخارج لا يقتحم الجغرافيا اليمنية إلا حين يجد ثغرة الغدر الذاتي مفتوحة على مصراعيها. وعندها يتحول المشهد القائم إلى مأساة "اليمن الحضارة المغدورة".

لقد رأت قريش، التي دخلت الإسلام متأخرة، كيف تصيغ لنفسها مركزًا محوريًا وتحول الدين إلى إمبراطورية عالمية تنافس الروم والفرس. بينما ظل اليمنيون وقودًا لهذه الإمبراطورية دون أن يشكلوا تكتلًا سياسيًا يفرض هويتهم اليمنية على رأس السلطة، رغم أنهم كانوا الأحق تاريخًا وعراقة.

وفي الأندلس، تكررت المأساة بصورة تثير العجب والذهول. فرغم أن اليمانيين كانوا هم الكتلة السكانية والعسكرية الأكبر والأكثر تفوقًا وتمدنًا، إلا أنهم فشلوا في التوحد والاتفاق على قائد منهم.

وبمجرد وصول عبدالرحمن الداخل -وهو هارب وحيد طريد- سارعوا ليصبحوا "شقاة" تحت رايته. منحوه ملكًا دام قرونًا، بينما ظلوا هم وقود حروبه الداخلية مع الثوار والمتمردين، وكأنهم يهربون من حكم بعضهم ليرتموا في أحضان الغريب.

رابعًا: نماذج المقارنة.. عبقرية الدولة مقابل غوغائية التبعية

عبر التاريخ، نجد أممًا بدأت من تحت الصفر، ونجحت لأنها قطعت مع "الغدر الذاتي" واتجهت نحو "البناء السيادي":

1. الأتراك: مع "أرطغرل" ولدت الفكرة كقبيلة صغيرة مشردة، وفي جيل واحد مع ابنه "عثمان" ولدت دولة غيرت وجه التاريخ وأوروبا.

لقد انتزع الأتراك الخلافة والسيادة في منطقة صراع محموم بين التتار والسلاجقة والروم، وأسسوا إمبراطورية بفضل المثابرة والقيم والوضوح في الهدف السيادي، لأنهم رفضوا دور "التابع" وقرروا أن يكونوا "المركز".

2. المماليك: رغم أنهم بدأوا كعبيد مستوردين من شتات الأرض، إلا أنهم بذكائهم السياسي وتنظيمهم العسكري سيطروا على قلب العالم الإسلامي. تركوا أثرًا معماريًا وحضاريًا خالدًا، لأنهم رفضوا البقاء في دور "الأداة" القتالية، وتحولوا إلى "القادة" الحاكمين.

3. التتار: هؤلاء الذين عصفوا بالعالم ودمروا الأخضر واليابس، لم يكتفوا بالقوة العسكرية الغاشمة، بل بعد إسلامهم، أسسوا إمبراطوريات كبرى في الهند والسند، وتركوا بصمة حضارية، لأنهم أدركوا أن القوة بلا مشروع سياسي هي مجرد "ارتزاق" عابر لا يورث مجدًا.

لقد كان هؤلاء "غرباء" فصاروا "أسيادًا"، بينما نحن "أهل الدار" وصار طموحنا "الارتزاق" والعمل "باليومية".

خامسًا: سيكولوجية "الإعاقة الذاتية" وميراث الفشل

لماذا ينجح اليمني مع غيره ويفشل مع بني جلدته؟

إنها معضلة "النجاح في إعاقة البعض" التي أصبحت سلوكًا سياسيًا متوارثًا عبر الأجيال. فاليمني يمتلك ذكاءً فطريًا وتجلدًا صبورًا لا يبارى، لكنه حين يرى يمنيًا آخر يبرز أو يطمح للقيادة، تتحول طاقته من "الإنتاج" إلى "التحطيم".

هذا السلوك هو الذي جعل اليمن "فريسة سهلة" لكل طامع خارجي وجد فينا خامة بشرية ممتازة للقتال بالوكالة.

فبدلًا من أن نطمح لأن يكون واحد منا في رأس الدولة، انشغلنا بمفهوم "الارتزاق" والمنافسة على من يتقاضى أجرًا أعلى من "الممول" الخارجي.

إننا نعيش في حلقة مفرغة منذ خمسة عشر قرنًا؛ نبحث عن رمزية من قريش، أو دعم من الأتراك، أو حماية من الأجنبي. ونستنزف أعمارنا في التنافس على "الفتات" بدلًا من بناء الدولة التي "نكبر بها وتكبر بنا" بين الأمم.

لقد صار الطموح اليمني، مع شديد الأسف، متمحورًا حول كونه "الأداة الأفضل" في مشروع الغير، بدلًا من أن يكون "العقل القائد" لمشروعه الخاص. هذه الاستبسال اليماني في الميادين صار "سلعة" تباع وتشترى في أسواق النفوذ الإقليمي.

سادسًا: الهوامش التفسيرية لعمق المأساة

لفهم حجم الغدر الذاتي والموضوعي، لا بد من التوقف عند مفاصل تاريخية مغيبة في الوعي الجمعي.

نظام المسند: هو ليس مجرد خط كتابة، بل كان يعبر عن منظومة قانونية ودستورية متكاملة (نقوش المسند) التي نظمت العلاقة بين الملك والشعب (المسود) وبين القبائل.

لقد كان اليمنيون يمارسون شكلًا من أشكال الفيدرالية والمشاركة السياسية قبل أن تعرفها أوروبا بآلاف السنين.

لكن الغدر الذاتي أدى إلى تعطيل هذه القوانين لصالح النزعات الفردية والولاءات الضيقة.

الأذواء: وهم طبقة من الحكام المحليين الذين ظهروا في أواخر العصر الحميري، وكان كل "ذي" يسعى للاستقلال بمخلافه، مما مزق وحدة الأرض اليمنية.

هذا التمزق هو الذي أغرى أبرهة الحبشي ومن بعده الفرس بالدخول، إذ وجدوا في "الأذواء" المتصارعين أعوانًا لهم ضد خصومهم من بني جلدتهم.

الغدر بالذات في العصر الإسلامي: نجد أن اليمنيين الذين ناصروا الدعوة (الأنصار) سلموا زمام الأمر لقريش بناءً على مبدأ "الأئمة من قريش". وهو مبدأ سياسي أسهم في تكريسه يمنيون أنفسهم، مما أخرج اليمن من دائرة الفعل القيادي لقرون طويلة، وجعلها تابعة لدمشق أو بغداد أو القاهرة.

إن هذا "التنازل" الطوعي عن السلطة صار "عرفًا" سياسيًا يمنيًا يغذي الغدر الذاتي.

سابعًا: الخاتمة.. نحو انبعاث من تحت ركام الغدر

إن اليمن "الحضارة المغدورة" ليست قدرًا حتميًا لا يمكن الفكاك منه، بل هي نتيجة لخيارات خاطئة تراكمت عبر العصور.

الغدر الذاتي هو العائق الأول والجوهري، والغدر الموضوعي هو النتيجة الحتمية والمظهر الخارجي لهذا العائق.

إن الخلاص يبدأ حين يدرك الإنسان اليمني أن "البسالة" بلا "سيادة" هي مجرد انتحار مجاني لصالح الآخرين، وأن "الارتزاق" مهما غلا ثمنه يظل "شقاءً باليومية" في سجلات التاريخ، لا يورث إلا التبعية والضياع.

علينا أن نتعلم من دروس التاريخ القاسية أن الأمم لا تحترم "الأدوات" بل تحترم "الإرادات" المستقلة. وما لم نتحلل من عقدة "الأجير" وننتقل إلى فكر "السيادة القومية" القائمة على التوحد والاعتزاز بالذات الحضارية، سنظل ندور في فلك التبعية، وسنكتفي بالبكاء على أطلال حضارة غدرنا بها بسلوكنا قبل أن يغدر بها الآخرون بأطماعهم.

انظروا لحالنا اليوم بمرارة الصدق وتجرد المتخصص، وستكتشفون أن التاريخ يعيد نفسه بصور أكثر قسوة ومرارة.

فهل آن الأوان أن نتوقف عن كوننا "شقاة" عند الغير لنصبح أسيادًا في دارنا وبين الأمم؟

إن بناء الدولة الكبيرة هو الطريق الوحيد لرد الاعتبار لهذه "الحضارة المغدورة" وإيقاف نزيف الغدر الذاتي والموضوعي إلى الأبد.

هوامش:

* اليمن.. الحضارة المغدورة، جملة اأخذتها من حديث "صوت وصورة" أثناء تواجدي بالقاهرة عام 2023 عبر موبايل البروفيسور هاني جازم الصلوي مع مبدع عربي كبير هو منعم فقير، وكان الحديث عن اليمن، وحينها نويت أن تكون هذه الجملة عنوانًا لكتاب أو بحث أو مقالة مطولة. ومنعم فقير بالمناسبة هو كاتب وباحث ومترجم عراقي مقيم بالدانمارك، ينتمي إلى جيل المثقفين والمبدعين العراقيين الذين واكبوا تحولات مشهد الثقافة والفكر، وعاشوا تجربة الغربة والهجرة التي تركت أثرها الواضح على نتاجه الأدبي والفكري.

(1) عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي وأمه الخنساء تماضر بنت عمرو بن الحارث تعد أشهر شاعرات العرب على الإطلاق في الرثاء، وكان أبوه شاعرًا، وأخواله شعراء. أسلم عام الفتح 8هـ، وكان من المؤلفة قلوبهم، ولما أنشد مادحًا رسول الله في قصيدة إسلامه كافأه النبي بـ100 من الإبل.

(2) انظر السيرة النبوية لابن هشام، العهد المدني، الموضوع غَزْوَةُ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بَعْدَ الْفَتْحِ، المكان مكة المكرمة.

(3) حديث الإيمان يمان والحكمة يمانية، موجود بصحيحي البخاري، ومسلم، والجامع للألباني.

(4) عمرو بن معد كرب الزبيدي (21هـ) هو صحابي وشاعر مخضرم، لُقِّب بفارس العرب، وكان يُعدّ بألف رجل لشدة بأسه وضخامته، وهو صاحب السيف الأسطوري المعروف بـ"الصمصامة"، وقد وفد على النبي ﷺ وأسلم، ثم ارتد بعد وفاته، وعاد سريعًا للإسلام فحَسُن إسلامه، أبلى بلاءً عظيمًا وقاد معارك حاسمة في الفتوحات الإسلامية كمعركة القادسية التي قام أثناءها بتقطيع حبال الفيلة، وكان سببًا في هزيمة الفرس، وشارك ببسالة بمعركة اليرموك، واستشهد في معركة نهاوند في خلافة عمر بن الخطاب، عن عمر يزيد عن التسعين عامًا كما تقول بعض المصادر.

(5) الأغاني، ج١٤، ص١١.

المراجع المقترحة للقارئ المتخصص:

- الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.

- لسان اليمن الحسن بن أحمد الهمداني، كتاب "الإكليل" بأجزائه المتعددة.

- جواد علي، "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".

- زيد بن علي الوزير، "الفردية والمشروع القومي في اليمن".

- محمد عبدالقادر بافقيه، "تاريخ اليمن القديم".

- حسين بن علي الويسي، "اليمن الكبرى".