عناق خلف القضبان

-1-
ذات نهار، هزت انفجارات مدوية أركان المدينة. رن هاتف سمر؛ كان زميلها أحمد يخبرها أن قذائف استهدفت سجن النساء.
هرعت سمر ومعها أحمد إلى المستشفى، حيث تختلط رائحة الموت برائحة المعقمات. سيارات الإسعاف لا تتوقف، وقلبها يدق بعنفٍ غير مألوف. كانت تبحث عن وجهٍ واحد، عن عهد قطعته لامرأةٍ لم تكن بالنسبة للعالم سوى "رقم" أو "مجرمة".
يتساءل أحمد في سره عما تبحث عنه سمر، ولماذا تسرع الخطى نحو الضحايا دون توقف. وجدت "جميلة" أخيراً؛ كان وجهها شاحباً، تخترقها شظية في الرأس وأخرى في الصدر، غارقة في دماءٍ تشبه في قتامتها حكاياتها.
أمسكت يدها وهي تهمس: "جميلة، ستكونين بخير". فتحت جميلة عينيها بصعوبة وتمتمت: "لم أقصد… أقسم أنني لم أقصد".
لم تقل سمر شيئاً، اكتفت بالضغط على يدها برفق وعيناها تفيضان بالدمع. وأمام المصعد، انهمرت دموعها وهي ترى جميلة تُنقل إلى غرفة العمليات. جلست على الأرض ورفعت يدها تدعو لها بالنجاة. تجمّع الصحفيون حولها، فسألها أحمد: "ما سر اهتمامك بهذه السجينة يا سمر؟". علّق أحدهم بجواره: "إنها مجرد سجينة قاتلة أو متهمة بقضية شرف"،
فردّ آخر بصوتٍ يملؤه الأسى: "حتى وإن كانت كذلك، فهي اليوم روحٌ وجسد، ضحيةٌ يملي علينا الضميرُ التعاطفَ معها أمام بشاعة هذا الجُرم". ردَّ أحمدُ بمرارة: "أتفقُ معك تماماً؛ فهذه الحرب الضروس لم تبقِ شيئاً ولم تذر، استباحت مدينتنا المسالمة حتى صيرتها ركاماً، وغدا الضحايا أرقاماً لا تُحصى.. حتى سجن النساء لم يسلم من هذا الجنون".
غرقت سمر في صمتٍ مثقل، ولم يعد يتردد في صدى روعها سوى اسم "جميلة" وسلامتها. مرت ساعتان من الانتظار تحت وطأة ترقبٍ ينهشه الخوف، وأنباء موت السجينات في تزايد.
تمتمت سمر : "أكان هذا الاستهدافُ مدبراً ؟ خلف هؤلاء الضحايا قصصٌ غامضة، لعلَّ هناك من استعجلَ إسكاتَ أصواتهنَّ للأبد، لتُدفن الأسرارُ مع الحدث ذاته.. إنها تصفيةٌ، ولا تفسيرَ يلوحُ في الأفق غير ذلك؛ إنها الحربُ، تلك المقصلة التي تدفعُ النساءُ ثمنَ نصلِها في كل حين".
-٢-
استرجعت سمر تلك الزيارة للسجن، حين دونت قصص بعض السجينات وهمّت بالمغادرة، لكنها لمحت فتاة يُنادى عليها: "جميلة، لديك زيارة". شيء ما جذبها إليها، فتبعتها بفضول.
شاهدت شاباً يعانقها بحرارة والدموع تغلبهما، يهمس لها بأنها ستغادر المكان قريباً،
وأنه سيأخذها معه ليعوضها عن آلام الماضي.
احتضنته بعمق، لم يكن عناقاً عادياً، بل كان تمسّك غريقٍ بخشبة نجاة. سألته بوجع يمزق الروح: "وأطفالي.. من قتلهم يا هاشم؟". نادت مشرفة السجن بصرامة: "انتهت الزيارة".
بعد انصرافه، جلست جميلة على الأرض، ضمت يديها إلى صدرها وبكت بلا صوت، ثم حدّقت في الفراغ كأنها ترى مشهداً لا يراه غيرها. سألت سمر المشرفةَ بهمس، فأجابتها: "هذه قتلت أطفالها".
بقيت الجملة عالقة في أذن سمر كالمسمار. اقتربت منها قائلة: "سمعتهم ينادونك جميلة، صحيح؟".
لم ترد، فأمسكت يدها برفق: "جميلة، انهضي حبيبتي، تعالي معي". أجلستها وقدمت لها قطعة كعك، ثم حدثتها بصوت حنون: "هل يمكنني التحدث معكِ؟". هزت جميلة رأسها بالموافقة؛ وعلى غير العادة، فهي لم تتحدث مع أحد منذ دخولها السجن.
-3-
خرج الطبيب وأخبرهم أنها تجاوزت مرحلة الخطر. وفي الإفاقة، كانت جميلة تحاول فتح عينيها، والصور تتدافع في عقلها كالانفجار. تأملت الأجهزة المعلقة فوقها متسائلة: "أين أنا؟".
نُقلت إلى غرفة الملاحظة، فأسرعت سمر نحوها، ولحق بها الإعلاميون يبحثون عن سبق صحفي. سمعوا جميلة وهي تقول بهذيان: "لست قاتلة.. كلهم يلومونني ويعتبرونني مجرمة، أنا أم وأحب أطفالي". تساءل الحاضرون: "ما قصتها؟ ومن قتل أطفالها؟".
دخل الممرض طالباً من الجميع المغادرة، فتمسكت جميلة بيد سمر كغريق يتشبث بالحياة. سأل أحمد بفضول : " سمر ما سر اهتمامك بها دون البقية ؟". ردت سمر بقلب موجوع: " جميلة شدني إليها ذاك العناق الذي رأيته خلف القضبان، تلك الحميمية وبارقة الأمل التي زرعها شقيقها في مقلتيها، ذاك الموقف الذي جعلني أثق بأن الرجل هو السند الحقيقي للمرأة".
قطعت حديثها حين رأت الأطباء يأمرون بنقلها إلى العناية المركزة مجدداً لعدم استقرار وضعها.
-4-
لم تذق سمر طعم النوم، شريط الذكريات يمر أمام عينيها. استرجعت لحظة ابتسامة جميلة الباهتة حين قالت لها : "اسمكِ جميلة.. وأنتِ كذلك، نادراً ما تتطابق الأسماء مع أصحابها؛ مثلاً (فرحان) يغرق في حزنه.
ضحكت جميلة، وكانت تلك المرة الأولى التي تشرق فيها أساريرها منذ وطئت قدماها السجن. استغلت سمر تلك اللحظة لمدّ جسور الثقة فقالت لها: "أنتِ كالزهرة النضرة وابتسامتك جميلة مثلك". أجابتها بأسى: "هذه الزهرة ذبلت يوم وُئدت طفولتي". سألتها سمر باستغراب: "كيف وُئدت طفولتكِ؟".
صمتت برهة، ثم انهمرت دموعها، وخرجت من صدرها تنهيدة عميقة، وبدأت سرد مأساتها، ليس كجانية بل كضحية:
"كبرنا في ظل ذعر مقيم؛ وحشٌ يضرب أمي ويعذبها أمامنا وهي تستجدي رحمة لا يعرفها. كان الجميع يخشاه، حتى جدتي. كنت أحيانًا أكره أنه أبي، لكنه أبي كما كانت أمي تقول لنا. ذات يوم، وأنا عائدة من مدرستي أتبادل الضحكات مع صديقاتي، ظهر أمامي فجأة، انتزع الحقيبة من ظهري، بعثر كتبي في التراب، وجذبني من شعري صارخاً: (إلى البيت.. تعلمي شؤون المنزل، سأزوجكِ، فقد جاء عريسكِ)".
"كان وقع الخبر كالصاعقة. دخلت البيت كطير ذبيح، وأمي تحاول جاهدة حمايتي، لكنه أسكتها بنظرة حادة: (جهزي ابنتكِ، غداً يأتي الرجال). ولأول مرة، استجمعت أمي شجاعتها وقالت: (كفى! كيف تزوج طفلة لا تفقه من الدنيا شيئاً؟). لم تكتمل كلماتها حتى علا صوته مزمجراً:
(اخرسي! منذ متى تعارضني امرأة؟)".
"جاء العريس، وهو رجل يكبرني بعقود. بكت أمي، استنجدت بالجميع، لكن الجبن كان سيد الموقف.
أبي اعتبر دفاعها عني إهانة لرجولته أمام الضيوف، فقام واستشاط غضباً وضربها أمامهم وهو يصرخ: (البنت مالها إلا زوج يسترها!).
مسحت جميلة دموعها وأكملت بمرارة: "لم يكتفِ أبي بذلك، بل طلقها وحرمها من رؤيتنا. وفي غضون شهر، زُففتُ إلى موتي.
لن أنسى صرخة الطبيبة حين رأتني وهي تسأل زوجي: (هل أنت والدها؟ هذا اغتصاب!). كرهته ولم أطق النظر إليه. استباح طفولتي تحت مسمى الزواج، حوّل حياتي إلى جحيم من العنف والشك والابتزاز النفسي. كان أشد ظلماً من أبي؛ إن عدت لأبي أشتكي، عنفني، وأعادني إليه ذليلة، ليستضعفني أكثر".
"خمس سنوات، وثلاثة أطفال.. جسدي الهزيل انهار".
تذكرت سمر سؤال جميلة لأخيها عن أطفالها، وما همست به المشرفة، فخيّم صمت ثقيل، قطعه صوت المشرفة وهي تعتذر لسمر معلنةً انتهاء الوقت الممنوح لها. حينها، قطعت سمر لجميلة وعداً بأن تتواصل مع محاميها وتعود إليها في الغد، مؤكدةً أنها لن تتخلى عنها أبداً.
-5-
أبلغ المحامي " سمر" أن "جميلة" متهمة بقتل أطفالها، في حين أفاد زوجها بأنها كانت تتصرف بوعي تام، وأنها ارتكبت جريمتها عناداً فيه.
شرحت له ما سمعته من جميلة، وكيف أن ما تعرضت له في حياتها قد يكون سبباً في دخولها حالة نفسية جعلتها تُقدم على فعلتها بلا وعي، وطلبت منه عرضها على طبيب نفسي.
في اليوم التالي، انطلقت "سمر" لتلتقي بجميلة، رغبةً في كشف حقيقة ما اتُهمت به، وطلبت منها أن تكمل حكايتها.
أسندت جميلة رأسها إلى الجدار، ونظرت إلى البعيد قائلة: "ذات يوم نادتني ابنتي الكبيرة (يا مجنونة) كما تسمع من أبيها. لم أصدق ما سمعت.. توقف عقلي عن التفكير، وهجرني النوم، ولم يعد يتردد في مسمعي سوى صوتها وهي تقول (يا مجنونة).
في تلك الليلة المشؤومة، غفوتُ، فجاء زوجي وركلني بقسوة وهو يصرخ، ثم غادر إلى زوجته الأخرى. نهضتُ بجسد يرتجف وذهول يخترق الجدران، حدقتُ في الفراغ وأنا أتساءل: لماذا يصرخ هذا الرجل؟ تذكرتُ جالون البنزين.. صببته في أرجاء الغرفة وأشعلت النار..
لم أكن أرى النيران، بل كنت أرى خلاصاً من وجعٍ لم يعد جسدي يطيقه. ضحكتُ وبكيتُ كالمعتوهة، بينما أطفالي يحترقون وصوت ابنتي وحده يتردد في أذني: (مجنونة!)".
-6-
رن هاتف سمر، كان الوقت في منتصف الليل.
جاء صوت هاشم مكسوراً:
"رحلت".
جلست سمر على حافة السرير طويلاً، لم تبكِ فوراً، شعرت أن الحزن أعمق من الدموع، وتمتمت: "لقد رحلتِ إلى من لا يُظلم عنده أحد". فكرت في سرها:
لو أن أحداً أمسك بيدها في الوقت المناسب…
لو أن أحداً صدّقها…
لو أن كلمة "مجنونة" لم تتكرر كل يوم…
فتحت النافذة وهي تشعر بالاختناق، رفعت عينيها إلى المدينة التي ما زال الدخان يتصاعد من أطرافها، شعرت أن الحرب ليست فقط في السماء، بل في البيوت، في الكلمات، في الصمت الطويل. وأن أسوار السجون لا تحجز الأجساد فقط، بل تواري خلفها انكسارات نساءٍ دفعن ثمن خطايا مجتمعٍ يبرع في صياغة الجلادين وتدليلهم.
تذكرت جميلة وهي ترفع عينيها وتسأل: "متى أخرج؟".
ربما لم تخرج من السجن إلى الحياة، لكن قصتها خرجت.
