الإثنين 27 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • أثر التُّراث العربي على شعراء الحميني وغيرهم

أثر التُّراث العربي على شعراء الحميني وغيرهم

أظهر الجدل الدَّائر حَولَ العامِيِّة والفصحى أواخر القرن التاسع عشر بمصر، وغيرها من البلدان العربية، نِقَاشًا وَاسِعًا وحادًّا. فَمِنْ متطرفٍ دَاعٍ لاستبدال العامِّيَة بالفُصحَى، ومِنْ مُتَبنٍ للرؤية المغايرة، ومَنْ اتخذَ طَريقًا وسطًا؛ فَهُوَ لا يرى تَعارضًا بين لغة الحديث الشِّفَاهي اليومية، ولغة الكتابة؛ مُحتَجًّا بأنَّ هذا الازدواج عامل ثراء للعربية، وليس عُقدتها التي منعت من ترقيتها كما يزعم البعض. فَالازدواج لا تخلو منه حَتَّى الُّلغَات الأجنبية، ومنها الفرنسية.

تعود جذور الدَّعوة إلى العامِيَّة إلى مهندس ري بريطاني، بدعى وليم ولكوكس، قَدِمَ إلى مصر سنة 1883م، إبَّان حتلال بريطانيا لمصر، وبدأ يدعو في مقالاته ومؤلفاته المُغرِضَة ذات الأبعاد الاستعماريَّة إلى استبدال الفُصحَى بالعَامِّية المِصريَّة وغيرها من اللهجات المحليَّة العربية، على مستوى الآداب، والعلوم.

لقد عاشت العامِيَّة إلى جانب الفصحى، وَمَعَ الاختلاف والفُرُوق الظَّاهرة بينهما، إلا أنَّهُ لم يحصل بينهما أيّ تعارض أو منافسة. وَظَلَّ العربي بمشي بهما كقدمين في جَسدٍ واحد.

وَكَانت العامِّية لغة الحديث اليومي يتلقاها عن والديه ومحيطه ومجتمعه، والفصحى لغة الكتابة؛ وهي تحتاج إلى قدرٍ من التَّعليم في المدارس، وتتطلب قِراءةً وَجُهدًا وَدُربَةً وَطُولَ مُمَارَسَة.

نعم لقد ظَلَّت المحكيات لوقت طويل في الأقطار العربية، يُنظَر إليها بازدراء معياري؛ لنزول درجتها عن مقاييس العربية وقواعدها المنضبطة.

وَمَعَ ذلك، فقد وجَّهت كثير من الدول العربية منذ القرن الماضي جهودها للاهتمام بالمحكيات المحلية؛ فَأشبعها الباحثون بالدِّرَاسَة والبحث والتقصي: مفردات، وَمَعَانيَ، وقَواعدًا، وَصَرفًا، وأصواتًا، وتراكيبًا، وأمثالاً، سواء في الوسط الأكاديمي، أو على المستوى الشَّخصي.

وقد أفادت معرفة اللهجات المحلية العامِيَّة الباحثين في معرفة النُّقُوش القديمة كالهيروغليفية المصرية أو لغة المسند اليمنية. فهي كنز لا غنى عنه. وقد آنَ الأوان؛ لأن تثري وتطور المعجم العربي.

كما ساعدت قصص «ألف ليلة وليلة» المُطَعَّمة والممزوجة العامِيَّة فيها بالفصحى، وكانت قد تُرجِمت إلى كثيرٍ من اللغات الأوروبية، منذ وقتٍ مبكر= على نشوء فَنّ الرِّواية في الغرب.

وكان للقصص القادمة من الشَّرق، منذ وصول بعض الرَّحَالة والمستكشفين الأوروبيين إلى البلدان العربية، وأثناء الحقب الاستعمارية= سحرها ورواجها الكبير في أوروبا.

فالعامِيَّة والفصحى كَمَا سَبقَ القَول؛ كجناحي طَائر، لا غِنَى لِمَن أرادَ التَّحليق في فضاء العربية الرَّحب، لأحدهما دُونَ الآخر.

وقد اخترعَ اليمنِيِّون شعرهم المشهور بـ «الحميني»، وابتكروه؛ للتغني به، فتخففوا من قواعد العربية الضَّيِّقَة، وَلَم يراعوا فيه الإعراب، ولا أوزان الخليل بن أحمد.

ويعزو بعض الباحثين اليمنيين إلى أنهم مَنْ اخترع الموشَّحَات في بلاد الأندلس؛ إذ أغلب من نظمَ بِهَا من هذا العنصر.

ولا يستبعد ذلك؛ فبهم افتتحَ الشِّعر، كما يقول الأدباء وَالنُّقاد، وهم يَنبوعُ الشِّعر وَمَعينهُ الذي لا ينضب؛ كَمَا وصفهم الشَّاعر الكبير أبو تمَّام الطَّائي.

لقد ظَلَّت العربية بتراثها الضَّخم والغني، وأدبها الراقي، رَافدًا لأساطين شُعَراء الحميني اليمني، تظهر في قصائدهم المُغَنَّاة، وتزهو بها أشعارهم العذبة الرَّقيقة.

وها نحن نلاحظ تَأثُّر ابن شرف الدين في غنائيته الشَّهيرة الرَّائِعة: «صَادَتْ فؤادي بالعيون الملاح»؛ والتي يقول فيها:

النَّاسْ مِنْ طِينْ

وَأنتْ مِنْ مِسك فَاحْ

= تأثُّرُه بأبيات صُرّدُرّ التي امتدح العميد الكندري؛ وفيها يقول:

شَهِدَتْ عُلاهُ بِأنَّ عُنصرَ ذَاتِهِ

مِسكٌ وعُنصرُ غَيرهُ مِنْ طِينِ

وَكنت أظنُّ تَأثُّر عمر الخيام في «رباعياته» بالمعري؛ والتي يقول فيها:

فَامشِ الهُوينَىْ إنَّ هَذا الثَّرَىْ

مِنْ أعينٍ سَاحِرةِ الاحوِرَارْ

وقوله:

فَامشِ الهُوينَى فَوقَهُ إنَّهُ غَذَتهُ أوصالُ حَبيبٍ طَريرْ

وبيتاه اللذان يتميزان بالمفارقة المُدهِشَة؛ وتصويره اختلاط أشرف مكان لأعظم صاحب سُلطة في بلاد فارس؛ وَهُوَ الشَّاه، بأسفل مكان؛ وهي قدم شخص فقير في مملكته..

رَأيتُ خَزَّافًا رَحَاهُ تَدُورْ

يُجِدُّ في صَوغِ دِنَانِ الخُمُورْ

كَأنَّهُ يَخلِطُ في طِيِنهَا

جُمجُمةُ الشَّاه بِسَاقِ الفَقِيرْ

= فإذا بالمعري -نَفسُهُ- مُتَأثِّرٌ في قصيدته الفَلسفية الرَّائعة «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي»، ولا سِيَّمَا بيته القائل:

خَفِّفِ الوَطءَ مَا أظَنُّ

أديمَ الأرضَ إلا من هذهِ الأجسَادِ

رُبَّ لَحْدٍ قَد صَارَ لَحدًا مِرارًا

ضَاحِكًا مِن تَزاحُمِ الأضدَادِ

= فإذا المعري وَالخَيَّام مُتَأثِّران بخطبة للإمام علي -رضي الله عنه- التي ينعى فيها على المتفاخرين بالأموات؛ فَيَقُول: «لو استنطقوا منهم عَرَصَات تلك الدِّيَار الخاوية، والرُّبوع الخَالِية، لقالت: ذَهبُوا ضُلالاً، وذهبتم في أعقابهم جُهَّالاً، تَطؤونَ في هَامِهِم، وَتَستَنبِتُونَ في أجسادهم، وَتَرتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا، وَتَسكُنونَ فِيمَا خَرَّبُوا».

أمَّا قَولُهُ -رضي الله عنه-: «ذهبوا ضُلَّالاً»، فَمِن قوله تعالى: ﴿أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خَلقٍ جديد﴾. [السَّجدة: 10].

وقوله: «ضاحكًا من تزاحم الأضداد»، يُفَسِّر معنى بيت الخَيَّام الأخير..

فيا لَهَا مِنْ مفارقة مُدهِشَة رَائِعَة!

وَأخَذَ القاضي علي العنسي حمينيته المُطرِبة «ما وقفتك بين الكثيب والبان؟»؛ والتي يقول فيها:

إن كانْ دِينَكْ يا فلانْ دِيني

طَارِحْ شُجُونَكْ في الهَوى شُجُونِي

=مِنْ قصيدة لابن التَّعَاويذي؛ يمتدح فيها السُّلطان صلاح الدين الأيوبي:

إن كان دينك في الصَّبَابة ديني

فَقِفِ المَطِيَّ بِرملَتي يَبريِنِ

وهي معَ غنائية ابن شرف الدِّين «عليك سموني وسمسموني»، والتي يقول فيها:

الدَّمعْ دَمعِيْ وَالعُيُونْ عُيُونِيْ

وَما عليهم مِنْ بُكَا جُفُونِيْ

= على وزن ولفظ ومعنى وتَنَاصّ مع قصيدة صُردُرَّ السَّابقة:

وَمُعَنِّفٍ بالوجدِ قُلتُ لَهُ: اتئد

الدَّمع دَمعِي وَالحَنين حَنِينِي

أمَّا صُرّدُرّ (ت: 465هـ)، فغير بَعِيدٍ أن يَكُونَ أخَذَ بيته من قصيدة لِلشَّاعر الرَّمادي (ت: 403هـ)؛ يمتدح فيها العلامة اللغوي الأديب أبا علي القالي؛ وفيها يقول:

مَنْ حَاكِمٌ بَيني وَبَينَ عَذولِيْ؟

الشَّجوُ شَجويْ وَالعَويلُ عَوِيليْ

وكنت ذكرت في مقال لي عن الشَّيخ العلامة العارف عبد الهادي السُّودي الذي يصفه الدكتور جعفر الظفاري بأنَّهُ السِّمَاك الرَّامِح من بين شعراء الحميني اليمني= تأثره بابن أبي الحديد.

وَلا بأسَ أن نذكر هنا وجه هذا التأثُّر؛ لِتلتئمَ أطراف البحث؛ وذلك في أبياته التي يقول فيها:

ليسَ عند القَوم من خَبرِ

عَنكَ يا أغلوطة الفكرِ

تَاهَت الألبابُ فِيكَ وما

مَيَّزتْ وِردًا من الصَدَرِ

حِيرةٌ عمَّتْ فأيُّ فتىً

رَامَ عِرفانًا ولم يحِرِ؟!

عَمِيَت أنباءُ ذَاكَ عَلَى

كُلِّهِمْ في البَدوِ وَالحَضَرِ

فانثنوا والله ما وقعوا

لا عَلى عَينٍ ولا أثَرِ

بَل عَظيمُ القَوم مَطلبُهُ

شِدَّةُ التَّحيِيرِ وَالحَصَرِ

كَيفَ حَارُوا فِيكَ وَاعجبًا

يا منى سَمعِي وَيَا بَصَري؟

أنت لا تَخفَى على أحدٍ

غير أعشى القَلبِ والفكرِ

= وهي في تناصَّ ظاهر مع أبيات ابن أبي الحديد:

فِيكَ يَا أغلُوطةَ الفِكَرِ

تَاهَ عَقلِي وَانقَضَى عُمُرِي

سَافَرت فِيكَ العُقُولُ فَمَا

رَبِحَتْ إلا أذى السَّفَرِ

رَجَعتْ حَسْرَى وما وقفت

لا على عَينٍ ولا أثرِ

فَلحَى الَّلهُ الألى زَعَمُوا

أنَّكَ المَعلُوم بِالنَّظَرِ

كَذَبُوا إنَّ الذي طَلبُوا

خَارِجٌ عن قُوَّةِ البَشَرِ

وعن أبي زيد الأنصاري قال: دخلت على أبي الدَّقيس؛ وهو مريض، فقلت: كيف تجدك؟ فقال أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد.

فَأخذهُ بَشَّار، فقال:

خُلِقتُ على مَا فيَّ غَيرَ مُخَيَّرٍ

هَوايَ ولو خُيِّرتُ كُنتُ المُهَذَّبَا

أريدُ فَلا أعْطَى، وَأُعْطَىْ وَلَمْ أرِدْ

وَقَصَّر عِلمِيْ أن أنَالَ المُغَيَّبَا

إلا أنَّ بشارًا زَادَ على هذا المعنى، وَأبَرَّ عليه، بتعمقهِ بذكر القدر، وقصور الإنسان وضعفه إزاءَهُ، وبإزاء علم الغيب؛ فهو بذلك أحق به.

وفي بيتين للشَّافعي امتدح فيها تلميذه الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنهما-، يقول فيها:

قَالُوا: يَزُورُكَ أحمَدٌ وَتَزورُهُ

قُلتُ: الفَضَائِلُ لا تُغَادِرُ مَنزِلَهْ

إنْ زرانِيْ فَبِفَضلِهِ أو زُرتُهُ

فَلفضلهِ؛ فالفضلُ في الحَالينِ لَهْ

= وهي مأخوذٌة من قول أحدهم لصاحبه: «إن رزتنا فبفضلك، أو زرناك فلفضلك؛ فَلكَ الفضلُ زَائرًا ومزورًا».

وبهذا يَتَّضِح أنَّ العربية الفُصحى وآدابها الرَّاقِية كانت يَنبوعًا ثريًّا، وَرَافدًا مُهِمًا لِلشُّعَراء العَرَب بعامَّة، وشعراء الغناء اليمني الحميني على وجه الخُصُوص؛ إذ قَلَّمَا بَرَّزَ شَاعِرٌ في الحُميني بأبياته المُغنَّاه المُطرِبَة، إلا وهو عالم لَهُ مكانته الرَّفيعة في العلوم والآداب العَربِيَّة.