مختار المريري لـ"النداء" : الشعر وسيلة نجاة.. والثقافة مشروع لإنقاذ المجتمع

لا يكتب الشاعر مختار المريري القصيدة بوصفها ترفًا لغويًا أو فعلًا جماليًا مجردًا، بل يراها وسيلة لفهم الذات ومقاومة القبح واستعادة المعنى في زمن تتكاثر فيه الأسئلة وتتراجع فيه اليقينيات. ومن هذا المنطلق، يتجاوز حديثه حدود الشعر إلى قضايا الثقافة والوطن والإنسان، مقدمًا رؤية فلسفية تنطلق من التجربة الشخصية وتتقاطع مع الواقع اليمني بكل تعقيداته.
في حواره مع "النداء" ، يتحدث المريري عن رحلته مع الشعر، ورؤيته للحب والوطن، وتقييمه للمشهد الثقافي في تعز واليمن، كما يطرح تصوره لدور الثقافة في مواجهة الحرب وبناء الوعي، ويقدم آراءً صريحة حول أداء المؤسسات الثقافية، ومستقبل الفعل الثقافي في البلاد.
من هو مختار المريري الإنسان؟ وكيف دخلت إلى عالم الشعر؟
أنا إنسان هبطت، كالآخرين، إلى هذا العالم دون معرفة مسبقة ودون إذن مني. ولا أستطيع تعريف نفسي بوصف جاهز أو منضبط، فالأسئلة تعيد تشكيلي في كل لحظة، والأجوبة تتمرد وتتكثر ولا تشفي.
أحاول منذ وعيت أن أقرأ ذاتي وأبحث عن معنى يعيد صياغتي، وأن أفهم تلك اللحظة الفارقة التي أوصلتني إلى أسئلة الوجود والحنين والغياب والحضور. أستطيع فقط أن أعيش، وأن أبكي وأضحك وأتنفس بطريقة مختلفة، ولا أعترف بظاهر الأشياء ولا بالمسلمات، بل أعبر طرق الشك بحثًا عن الوصول، لأن ما في داخلي لا يقبل الانسجام مع الأشياء كما هي.
وكما جئت إلى الحياة دون قرار مني، لم أدخل عالم الشعر بإرادتي. وجدته واقفًا في وجهي، مستفزًا ما يُرى وما لا يُرى، أخذ بيدي ولم أستطع الفكاك منه. وحين امتزجت روحه بروحي، أصبح قدرنا واحدًا؛ لا أنا انتصرت عليه ولا هو هزمني، وما زلنا نحاول أن يعرّف كل منا الآخر كما ينبغي.
منذ ذلك الحين لم أعد أرى الأشياء كما هي، بل كما توجعني.
لا أستطيع تعريف الشعر بما يرضيه، لكنه بالنسبة لي مقاومة للسطح، وللزيف، وللصمت الذي يُفرض علينا، ومحاولة جميلة لأن أقول "لا"، وأن أعيد تسمية ما يدور حولي بما يليق بنزفي، ويمنح هذه العتمة المركبة شيئًا من المعنى.
أما الشاعر فهو كائن قلق، متخم بوجع الأسئلة، خارج الطمأنينة، يعيد فهرسة أفراحه وأتراحه، ثم ينفخ فيها من روحه لتتحول إلى معنى وأثر.
بدأت كأي إنسان عادي، لكنني كنت أحتفظ بداخلي بشعور غامض بأن العالم أكبر مما يبدو، وأن في التفاصيل ما يستحق أن يُروى. دخلت إلى الشعر من باب الحاجة قبل الموهبة؛ كنت أبحث عن طريقة أفهم بها نفسي، فوجدت الكلمات تسبقني إلى ذلك. ومع الوقت أدركت أنني لا أكتب ما أريد، بل ما أحتاجه للشفاء.
الشعر بالنسبة لي ليس مهنة ولا هواية، بل وسيلة نجاة، نحاول بها أن نربت على أرواحنا ونشفي جزءًا من أعماقنا. أكتب لأرتب الفوضى داخلي، ولأمنح التجربة معنى، ولأترك أثرًا خفيفًا يدل عليّ.
ما فلسفة الحب عند الشاعر مختار المريري؟
الحب عندي ليس عاطفة عابرة، بل حالة كونية يُعاد فيها تشكيل الإنسان والعالم. إنه انتقال من الشعور إلى التحول.
الحب ليس امتلاكًا ولا احتواءً، بل اغتسال داخلي، وطواف، وصلاة في محراب الروح. إنه حضور كامل، تمتزج فيه اللذة بالألم، والرهبة بالاحتراق، والانصهار بالدهشة.
العاشق الحقيقي لا ينجو من الحب، بل يُعاد خلقه فيه أكثر من مرة. يتحول من الذات إلى الوجود، ومن المادة إلى القيمة، ومن الرتابة إلى دهشة لا تشيخ.
في الحب لا يعود الإنسان كما كان؛ يتخفف من ثقله القديم، ويصبح أكثر صدقًا، وأكثر هشاشة، وأقرب إلى جوهره. العشق لا يُقاس بما نأخذ، بل بما نفقد في سبيل النور.
هكذا أفهم الحب: أن تغتسل الروح بنارها، وأن يُعاد ترتيب الإنسان من الداخل.
هل عاش مختار المريري قصة حب، أم أن ذلك مجرد شعر، كما يقال: "أصدق الشعر أكذبه"؟
لا أقدم الحب في شعري بوصفه سيرة شخصية أو حكاية عابرة، بل أعيشه تحولًا استثنائيًا، يكاد يكون مقدسًا، خارج حدود الجسد والمكان.
ما أكتبه ليس توثيقًا لما حدث، بل ما تبقى منا خارج الزمن، داخل الاحتراق الذي صار معنى. إنه صلاة تعيد تأليف الروح، وتجمع ما تبعثر منها.
أما المقولة: "أصدق الشعر أكذبه"، فلا أراها تهمة، لأن الشعر لا يكذب، بل يحرر الحقيقة من ضيق الواقع، ويمنحها أفقًا أوسع مما تسمح به الوقائع المجردة.
ماذا يعني لك الوطن؟ وهل كتابة القصيدة الوطنية أصعب من القصيدة الغزلية؟
قبل الإجابة، أود أن أوضح أن المقارنة بين القصيدة الغزلية والقصيدة الوطنية قد تكون مغالطة، لأنها تفترض وجود مقياس واحد للصعوبة، بينما لكل منهما طبيعته وغايته وأدواته.
فالقصيدة الغزلية تتجه نحو الداخل؛ إلى تفاصيل الروح والجسد واللحظة الحميمة، أما القصيدة الوطنية فتتجه نحو الخارج؛ إلى الجماعة والتاريخ والجغرافيا والهوية. لكل منهما عالمه المستقل ومتطلباته الفنية وتحدياته الخاصة.
لذلك لا أفضّل الإجابة عن سؤال: أيهما أصعب؟ بل أتحدث عن معنى الوطن في تجربتي، وعن طبيعة كل نوع من الشعر، بعيدًا عن المفاضلة بينهما، لأن الشعر في النهاية ليس مسابقة، بل صدق في المواجهة، سواء كانت مع أنثى أو مع وطن.
الوطن بالنسبة لي ليس مجرد جغرافيا، ولا بطاقة هوية، ولا حدودًا مرسومة على الخريطة. إنه شيء أكثر إيلامًا وتعقيدًا. هو المكان الذي يمرض عندما تمرض، ويموت عندما يموت أبناؤه.
الوطن الذي أكتب عنه ليس ذلك الكيان المجرد الذي نرفعه في المناسبات، بل هو رائحة التراب بعد المطر، ووجه أم تنتظر ابنها من الحرب، وأطفال يلعبون في زقاق ضيق، وصوت الأذان من مسجد قديم، وقطعة خبز يتقاسمها جائعان.
وهو أيضًا جرح لا يلتئم؛ أن ترى مدينتك مدمرة، وأن تبحث عن صديق فتكتشف أنه قُتل منذ سنوات، وأن تستيقظ فلا تجد قيمة فطور لعائلتك، أو تصلك رسائل من شاعر يطلب طعامًا لأطفاله، وآخر يبحث عن ثمن دواء.
لهذا حاولت في قصائدي ألا أكتب وطنًا مزيفًا، ولم أستطع تجميل القبح أو تجاوز الدماء والرصاص والفقد. كتبت وطني كما هو؛ جميلًا وقاسيًا، بطوليًا ومنكسرًا، باعثًا على الأمل واليأس في آن واحد.
أما القصيدة الغزلية فتحتاج إلى الجرأة في كشف الذات، وإلى ابتكار صور جديدة للحب، وصدق في التعبير عن الرغبة والخوف والشوق.
والقصيدة الوطنية تحتاج إلى وعي بالتاريخ واللحظة الراهنة، وقدرة على تجاوز الخطابة والدعاية، وتوازن بين العاطفة والفن، وشجاعة في قول الحقيقة قبل مدح الوطن.
الفشل في الغزل أن تكرر ما قيل حتى يصبح مبتذلًا، والفشل في الوطنية أن تكون زائفًا، أو تبكي دمًا ليس دمك، أو تمدح وطنًا لا تعيش قضاياه.
في القصيدة الغزلية يراقبك إحساسك، أما في القصيدة الوطنية فيراقبك أهلك، وأصدقاؤك، وأعداؤك، ويحاسبك ضميرك قبل الجميع.
لذلك ليست القضية أيهما أصعب، بل مدى الصدق في الانتماء للنص وللتجربة التي يكتبها الشاعر.
بصفتك مستشارًا ثقافيًا لمحافظة تعز، كيف يمكن أن تتحول تعز إلى عاصمة للثقافة فعلًا، وليس مجرد شعار؟ وكيف تقيّم المشهد الثقافي في تعز واليمن عمومًا؟
ما يجري اليوم في تعز، وفي اليمن عمومًا، لا يمكن وصفه بالحراك الثقافي بالمعنى الحقيقي، بل هو فعل ثقافي تقليدي؛ أمسية شعرية هنا، ومعرض تشكيلي هناك، ثم ينتهي كل شيء دون أثر حقيقي في الوعي.
تعز كانت ولا تزال حاضنة للثقافة. الحرب أفقرت المشهد، لكنها لم تقتله. هاجر كثير من المبدعين، أو صمتوا، أو رحلوا، لكن ما زالت هناك بذور ثقافية حية تحتاج إلى رعاية ومشروع حقيقي.
الثقافة تبدأ من المعرفة قبل الإبداع، ومن القراءة الناقدة قبل القصيدة، ومن السؤال قبل الجواب. أما الاكتفاء بالأمسيات والمعارض والاحتفاليات فلا يصنع تحولًا في المجتمع.
ما نحتاجه هو قراءة للواقع، وللتاريخ، وللسلطة، وللذات، لا قراءة النصوص فقط. ونحتاج إلى حضور الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، لأنها أدوات لفهم الإنسان والمجتمع، وليست ترفًا أكاديميًا.
تعز بحاجة إلى نظام ثقافي متكامل، لا إلى بطولات فردية. بحاجة إلى مدارس تخرّج قارئًا قبل شاعر، وإلى بيت يترك للطفل مساحة للحلم، وإلى شارع يحترم الكتاب.
العاصمة الثقافية لا تُصنع باحتفالية أو قاعة مؤتمرات، بل بالعمل اليومي الهادئ، وببناء مؤسسة ثقافية حقيقية لا تعيش على الترويج الذاتي.
ما يواجه اليمن اليوم ليس حربًا على الأرض فقط، بل حرب على الوعي. والرصاص يقتل الجسد، أما الجهل فيقتل المستقبل.
الثقافة في زمن الحرب ليست ترفًا، بل خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والفساد والانهيار. وثقافة بلا أسئلة، هي ثقافة بلا حياة.
لو لم تكن شاعرًا، ماذا كنت تتمنى أن تكون؟
ربما كنت أتمنى أن أكون نجارًا يصنع ألعابًا خشبية لأطفال تعز الذين سرقت الحرب طفولتهم.
وربما كنت سأختار أن أكون معلمًا في قرية نائية، يجلس تحت شجرة، يعلّم الأطفال الحرف الأول، لأن التعليم هو الثقافة الأولى، والشعر يأتي بعد ذلك.
المعلم الذي يفتح عيني طفل على القراءة يصنع ما قد لا يستطيع الشاعر أن يصنعه. فالشاعر يكتب لمن يقرأ، أما المعلم فيصنع القارئ.
في اليمن، رأيت أطفالًا لا يعرفون كتابة أسمائهم، لأن الحرب أغلقت مدارسهم، ورأيت معلمين أنهكتهم الحاجة حتى أصبحوا منشغلين بتأمين لقمة العيش أكثر من انشغالهم بالتعليم.
وليتني كنت كيس قمح يصل كل شهر إلى معلم أو طالب فقير، أو ثمن قلم أو حذاء لطفل يحتاجهما.
في القرى المحاصرة، لم يعد المعلم مجرد موظف، بل أصبح مقاومًا يحمل الكتاب والطبشور في مواجهة الجهل. وكل حرف يعلمه لطفل هو انتصار للمستقبل.
ولهذا سأظل مؤمنًا بأن قيمة الحرف حين يُعلَّم أعظم من قيمته حين يُكتب.
هل ترى أن المؤسسات الثقافية العاملة في تعز قادرة على بناء مشهد ثقافي حقيقي، أم أنها تحولت إلى مجرد دكاكين ثقافية؟ وكيف تقيّم أداءها؟
للأسف، أرى أن معظم المؤسسات الثقافية العاملة في تعز اليوم لم تنجح في بناء مشروع ثقافي حقيقي، بل تحوّل كثير منها إلى مؤسسات تبحث عن التمويل والشهرة والعلاقات العامة أكثر من بحثها عن صناعة الوعي.
ولا أنكر وجود استثناءات تستحق التقدير، لكنها ما تزال محدودة، ولم تتحول إلى مشروع ثقافي مستدام قادر على إحداث أثر حقيقي.
المشكلة أن الفعل الثقافي أصبح، في كثير من الأحيان، قائمًا على تبادل الحضور والصور والدروع والاحتفاء بالمناسبات، أكثر من اهتمامه بإنتاج المعرفة وبناء الإنسان.
هذه المؤسسات بحاجة إلى مراجعة جادة لرؤاها وخططها، وأن تسأل نفسها: هل نحن نصنع معرفة ووعيًا نقديًا، أم نستهلك الأضواء ونراكم السير الذاتية؟
المؤسسة الثقافية الحقيقية لا تُقاس بعدد الفعاليات، وإنما بما تتركه من أثر في المجتمع، وبقدرتها على إنتاج قارئ، وتشجيع التفكير، وفتح باب الأسئلة.
أما الاكتفاء بالاحتفاليات والشعارات والمجاملات، فلن يصنع ثقافة، ولن يغيّر الواقع.
تعز، بكل ما قدمته من تضحيات، تستحق مؤسسات ثقافية توازي إخلاص شهدائها، وتعمل من أجل الإنسان والوطن، لا من أجل المصالح الضيقة أو المكاسب العابرة.
كلمة أخيرة تود أن توجهها؟
رسالتي الأخيرة إلى المسؤولين عن العمل الثقافي، في المؤسسات الرسمية والأهلية، أن يعيدوا التفكير في معنى الثقافة ودورها الحقيقي.
الثقافة ليست احتفالًا، ولا دروعًا، ولا صورًا تملأ وسائل التواصل، بل مشروع لبناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وترسيخ التفكير النقدي، ومواجهة الخرافة والتضليل.
الحراك الثقافي الحقيقي هو الذي يقرأ، وينقد، وينتج، ويطرح الأسئلة، ويمنح المجتمع قدرة على التفكير الحر.
أما المؤسسة التي لا تعرف سوى المهرجانات والاحتفاليات والجوائز الشكلية، فإنها تتحول إلى مؤسسة علاقات عامة، لا إلى مؤسسة ثقافية.
نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي يبني وعيًا وكرامة ووطنًا من الداخل، لأن ما يعيشه اليمن اليوم ليس أزمة سلاح فقط، بل أزمة وعي أيضًا.
فإذا لم ندرك ذلك، فإننا سنظل نهدر الوقت والإمكانات، بينما يدفع الوطن والإنسان الثمن.
