الإثنين 15 يونيو 2026

إياكم وصندوق المفاجآت

مدخل:
ليس من الغرابة في شيء أن تأتينا مفاجآت الصندوق صادمة، قاتمة اللون، موجعة الوقع والتأثير سلبًا على واقع لا نريده بتاتًا، يحلم بأن الشفاء والتعافي سيأتيان على يد نطاسي يدّعي الحكمة، وما بحكيم، بل هو مرقص الحيّات في جراب الحاوي.

فلسفة الصندوق التي تبلورها روشتته العجيبة بعمقها تكمن روح الروشتة وجوهرها، أي برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل، وعنوانه صارمة تقول بوضوح لا يُحسد عليه:

1- آلية السوق هي البديل، ويده الخفية تعيد توازن مصالح كل الداخلين إلى السوق، ويا سلام سلم على هكذا كلام.

2- الدولة عنصر معرقل لعمل آليات توازن السوق، ومن ثم على الدولة رفع يديها، لكن عفريت الصندوق لم يقل لنا عن أي دولة يتحدث.

3- الدعم أحد العلل التي تخل بمسار الإصلاحات، والمطلوب إلغاء سياسة الدعم.

4- سعر العملة الوطنية يتحدد وفقًا لآليات التعويم، أي جعل سعر العملة يتحدد وفقًا لقواعد العرض والطلب في السوق، حتى وإن تحدثنا عن التعويم المطلق أو التعويم المدار، أي عبر تدخل البنك المركزي المسؤول عن مراقبة التضخم، وزيادة الأسعار، وسعر العملة. ومع ذلك نقول:

تظل سياسة التعويم لدى برنامج الصندوق أهم من توازن قيمة سعر العملة مع أسعار السوق المنفلتة، ومع استقرار أو معالجة مجتمعية لأجور المواطنين، يمسها شيطان التآكل لقيمتها الشرائية جراء استمرار ظاهرة التضخم وزيادة الأسعار.

5- الدولة ينبغي ألا تسيطر على مفاصل مؤسسات الاقتصاد الوطني، وترك مجال تملكها لكفاءة رأس المال الخاص. هنا نقول: لا مانع من المشاركة وليس الاستيلاء؛ مشاركة الآخر، القطاع الخاص، ضمن خطة وطنية واضحة المعالم، أحد مرتكزاتها المساهمة في تطوير قطاعات الإنتاج الصناعية والزراعية ومجالات الخدمات التي يبدع بكفاءة فيها القطاع الخاص. لذلك نقول: الخصخصة تُقاد وفق برنامج إصلاح وطني شامل، وليس خصخصة «السداح مداح» كما قال أهلنا بمصر العزيزة، أي التخلص من أهم قطاعات الاقتصاد الاستراتيجية.

إذن، تنظيم السوق وآلية عمله ليست مطلقة لمفهوم اليد الخفية التي تملك مفاتيح الملك سليمان لصنع المعجزات، فالسوق تدخله أطراف ومصالح وتباينات، ولا بد من وجود آلية تمنع أحكام السيطرة وتضارب المصالح والاحتكار، وتحكمها نظم وقوانين سائدة، ولا تخضع لجبروت قوى غاشمة. فتوازن المصالح مهم تمامًا كأهمية مشاركة القطاع الوطني بخبرته وكفاءته ورأس ماله في قيادة سفينة التنمية الشاملة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية.

أنا هنا أقصد بالصندوق: صندوق النقد الدولي، الذي لجأت إليه حكومتنا الرشيدة لتقترض منه مبلغ مليار دولار أمريكي لمواجهة أزمة الكهرباء، ولمواجهة العجز والخلل المزمن في موازين البلاد، سواء عجز ميزانية الدولة التي لم تتوضح لنا بجلاء مقادير أبوابها الرئيسية إيرادًا ونفقات، لتحديد مستوى العجز الفعلي والعمل على ضبط توازنه وفق سياسات وأسس يدركها أولو الشأن حكومةً ومتخصصين. هذا ناهيك عن العجز والخلل الهيكلي بكافة موازين الاقتصاد الوطني، الوارد تاريخيًا على النحو التالي:

الميزان التجاري، استيراد وتصدير. نحن بلد صافي الاستيراد، نستورد من الإبرة إلى حبة القمح، وصادراتنا معاقة بعوائق مرتبطة بأزمة النظام وغياب الدولة ومؤسساتها بالمعنى السياسي والفني والإداري، وأثر ذلك على مسار ونهج الحياة الاقتصادية للبلاد كلها.

على نطاق الفهم المرتبط بعلم الاقتصاد ونظام السوق، معروف مع الأسف الشديد أن آلية ما بات يعرف بنظام آلية السوق، وهي الآلية التي باتت المسيطرة على نهج الحياة الاقتصادية منذ أن أرسى مداميكها كل من الرئيس الأمريكي ريجان ومارجريت تاتشر، صاحبة مبدأ تاتشر: «آلية السوق وحرية السوق وحدها تتكلم وتنظم». وعلى هدى ذلك تعمقت مفاهيم وسياسة صندوق النقد الدولي في منح القروض بمقابل، ومقابل صعب كما أشرنا.

تاتشر وريجان وضعا سياسة الانفتاح وحرية وآلية السوق، لكن إن طرأت أي ظروف أو متغيرات تمس مصالح بلديهما سرعان ما يتنصلان من تلك المبادئ، تمامًا كما يفعل المهوس ترامب؛ يفرض ضرائب، ويتدخل بالسوق، ويمنع ويحجب، لكن ذلك ممنوع على الآخرين، بل يعتبر تجنيًا على حرية وآلية السوق.

ويأتي صندوق «النكد الدولي» كما سموه، ليفرض شروطه القاسية على من يلجأ إليه. هذا التناقض الصارخ وهذه الفلسفة العرجاء التي يصر على بنودها الصندوق، نقدها بشدة أحد أبرز علماء الاقتصاد الدولي، وهو المفكر الاقتصادي الأمريكي المشهود له بمجال الاقتصاد الرأسمالي، حيث أورد في كتابه المعنون:

«اقتصاد الاحتيال البريء».

حيث يقول بمنتهى الوضوح والصراحة إن علاقات السوق، كما يدعي ريجان، لا لبس فيها ولا تنطوي على أي نوع من أنواع ممارسات القوة والسيطرة والهيمنة والاحتكار. وخلافًا لذلك، يرى جالبريث، عبر تحليله ونقده لفلسفة السوق وآليته التي يقودها الصندوق واليد الخفية، أن ذلك إنما هو أسلوب عبقري لعملية الاحتيال البريء التي تعكسها فلسفة نظام آلية السوق الحر، ويعكف على تنفيذها صندوق النقد الدولي من خلال شروطه المجحفة.

فضلًا للمزيد من المعلومات، يرجى الرجوع إلى كتاب «اقتصاد الاحتيال البريء» تأليف جون كينيث جالبريث، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ج.ع.م.

أضيف إلى ما سبق ذكره وما توارد إلينا من أنباء مقلقة عن تباحث حكومتنا الرشيدة، التي يرأسها من عاصر واختبرته الظروف بأن «ضربتين على الرأس توجع وتؤلم». الضربة الأولى تمثلت برفع سعر الدولار الجمركي بواقع مئة بالمئة. الآثار السلبية لذلك القرار ستنعكس سلبًا ومباشرة على أصحاب الدخول المتهالكة، ولن توفر زخمًا يعتد به لمواجهة العجز الكلي غير المعروف مقداره، لكن المعروفة أسبابه لأي حليم.

لسنا ضد أي توجه لأي إصلاح حقيقي جذري يعالج أزمة هيكلية مستحكمة ذات أبعاد تاريخية، ذات عناوين سياسية واقتصادية ومالية وأمنية ومؤسساتية، وكل ذلك مع غياب دولة بالمعنى المتعارف عليه لمتطلبات وجود دولة راسخة على الأرض، ثابتة معاولها، فاعلة عبر مؤسسات فاعلة متكاملة الأداء غير متضاربة.

تلك قراءة أولية لأول المسار، والله الموفق لما فيه خير البلاد وأهلها من ذوي الدخول المتدنية، وبعضها في عالم الغيب، ولا نريد لسياسات جديدة أن ينجم عنها مزيد من العناء والإعياء على أوضاع الغالبية من أهلنا المتعبين قبلًا ودوماً.